كيف تمكّن السيسي من استعادة علاقات النظام المصري مع الدول الغربية؟

MAIN_How Sisi managed to consolidate his position in the West

الاثنين 25 مارس 201907:03 م

خلال سنوات حكمه، نجح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في تجاوز تأثيرات الانتقادات الحقوقية الدولية التي طالت النظام المصري، وتمكّن من الحد من تأثير ملفات حقوق الإنسان على علاقة بلده مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، لا بل استعاد صداقات دولية قديمة كادت مصر تفقدها.

وشهد الشهر الماضي عدّة محطات تدلّ على نجاحه في ذلك. ففي 16 فبراير، شارك السيسي في مؤتمر ميونيخ للأمن، ودافع عن سياساته في ما خص حقوق الإنسان ناقلاً النقاش إلى نقطتي مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية.

وبعد أيام من ذلك، في 24 و25 فبراير، استضافت مدينة شرم الشيخ المصرية قمة عربية-أوروبية هي الأولى من نوعها، ما طرح تساؤلات حول مدى تطور علاقة الحكومة المصرية بالعواصم الغربية، خصوصاً برلين وباريس.

في مستهل حكمه، في يونيو 2014، واجه السيسي تحدياً كبيراً في كسب ثقة العالم، بعد أن تضررت الثقة بالنظام المصري على وقع الانتقادات الدولية لأوضاع حقوق الإنسان، عقب الإطاحة بالرئيس الإخواني محمد مرسي والفض الدموي لاعتصاميْ رابعة العدوية والنهضة، وهو ما اعتبره كثيرون "انقلاباً على الشرعية".

عانى السيسي كثيراً، بحسب مراقبين، لكن مع الوقت نجح في كسب دعم قادة أوروبا إلى حد بعيد، أو على الأقل نجح في تعاملهم معه كأمر واقع، مع إزاحة انتقاداتهم للأوضاع في مصر عن صدارة العلاقة بها.

خلاف على استيعاب الإخوان

في أعقاب احتجاجات 30 يونيو 2013 وما تلاها من إقصاء للإخوان عن الحكم، اتخذت الولايات المتحدة وغالبية القوى الأوروبية موقفاً متشدداً من الإطاحة بمرسي، وفرضت واشنطن قيوداً على برنامج مساعداتها العسكرية لمصر، كما قرر الاتحاد الإفريقي تعليق عضوية مصر فيه.

ويعتبر عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، أن النقطة الخلافية الأساسية كانت استيعاب جماعة الإخوان المسلمين في الحياة السياسية، لكن في ما بعد "تيقّن القادة الأوروبيون من أن هذه الفكرة لا تلقى قبولاً لدى النظام المصري وبالتالي الخلاف لا يزال قائماً".

وأضاف لرصيف22 أن الأوروبيين لا يزالون يرون أن لا حل لحالة الاحتقان الموجودة في مصر سوى باستيعاب الإخوان، ويعتقدون أن تمسك السلطة بموقفها أدى إلى تضييق على الحياة السياسية والحريات والأحزاب، وتجاوزات في حقوق الإنسان "نتيجة مكافحة الإرهاب".

ولكن عملياً، بعد سنوات من حكم السيسي لم نعد نرى أن هذا الملف يقع في صدارة اهتمامات الدول الغربية.

قضية المنظمات الأجنبية

كانت قضية المنظمات الأجنبية التي تفجّرت نهاية عام 2011، في فترة حكم المجلس العسكري، إحدى القضايا الخلافية التي ورثها السيسي مع الغرب، إذ أغلقت السلطات المصرية مكاتب منظمات مجتمع مدني أوروبية وأمريكية بارزة في القاهرة، و"طردت" ناشطين أجانب فيها.

وظلت هذه القضية معلّقة لنحو ست سنوات، وعادت إلى الأضواء مجدداً في بداية عام 2018، مع قبول طعن المتهمين على الحكم، ثم حَسم القضية بتبرئة جميع المتهمين في ديسمبر 2018، في ما بدا رسالة مصرية حول تحسين صورة أوضاع حقوق الإنسان. كما فُتحت ورشة حول تعديل قانون الجمعيات الأهلية رقم 70 لسنة 2017 الذي أغضب الأوروبيين، إلا أنها لم تفضِ إلى نتيجة حتى الآن.

يعتبر مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان محمد زراع أن القادة الأوروبيين "ينظرون إلى السيسي باعتباره ضرورة"، ويضيف لرصيف22 أنهم "مضطرون إلى قبول سياسته على مضض، على الرغم من إيمانهم الكامل بسجله المخزي في مجال حقوق الإنسان وحرية الرأي".

في نهاية يناير، أثناء زيارته للقاهرة، انتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون السيسي بطريقة غير مباشرة، وقال: "لا يمكن فصل الأمن والاستقرار عن حقوق الإنسان".

رغم ذلك، يرى زارع أن قادة الغرب بات يؤمن بأن السيسي جزء من حل مشكلة الاستقرار في الشرق الأوسط، وبالتالي فهم يدعمونه، "لكنه في الحقيقة جزء رئيسي من المشكلة بما يمارسه من انتهاك للحريات ومعاداة للديمقراطية".

ملف الهجرة غير الشرعية

شكلت أزمة الهجرة غير الشرعية إحدى القضايا البارزة التي ولّدت تقارباً بين قادة أوروبا والسيسي، وبرز ذلك في أجندة لقاء المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بالسيسي في القاهرة، إذ جرى التركيز على وقف تدفق المهاجرين الآتين من إفريقيا والشرق الأوسط إلى أوروبا وتشديد الرقابة على الحدود بين مصر وليبيا.

وكانت جهود الحكومة المصرية في ملف الهجرة عاملاً حاسماً في تطبيع الحكومات الغربية لعلاقاتها مع القاهرة. ويعرف السيسي ذلك. ولذلك تباهى في كلمته في الجلسة الرئيسية لمؤتمر ميونيخ للأمن بقدرته على احتواء النازحين واللاجئين، وقال إن "مصر نجحت في وقف أي محاولات للهجرة غير الشرعية عبر شواطئها منذ سبتمبر 2016، كما دخلت في آلية حوار ثنائية مع عدد من الدول الأوروبية، لتأسيس تعاون ثنائي للتعامل مع تلك الظاهرة".

وبرزت لقاءات أجراها السيسي مع قادة غربيين، على هامش مؤتمر ميونخ، ولعلّ أبرزها لقاءه بميركل التي أشادت بـ"ما تمثله مصر من ركيزة أساسية للاستقرار والأمن في الشرق الأوسط وإفريقيا، ولمنطقة المتوسط"، بحسب بيان للمتحدث باسم الرئاسة المصرية.

وبحسب دراسة أصدرها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالتعاون مع وزارة الخارجية المصرية عام 2015، احتلت مصر المركز السابع بين أعلى عشر جنسيات للمهاجرين عبر البحر إلى إيطاليا بين عامي 2012 و2015، كما احتلت االمركز الـ11 بين أعلى الدول المرسلة للمهاجرين غير الشرعيين إلى اليونان، والترتيب 10 بالنسبة للهجرة غير الشرعية إلى مالطا.

وتشير الدراسة إلى أن عدد المهاجرين غير الشرعيين إلى إيطاليا عام 2015 بلغ 2372 مصرياً، وكان 4095 عام 2014، و2728 عام 2013.

وقالت عضوة لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان المصري سامية رفلة لرصيف22 إن مصر تصدّت للهجرة غير الشرعية منذ أواخر عام 2016 بعد وقوع حادث غرق "مركب رشيد" الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص في سبتمبر من ذاك العام.

وأوضحت الباحثة في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية الدكتورة إيمان مرعي لرصيف22 أنه جرى إنشاء كيان مؤسسي لحل الظاهرة وهي اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية، في نوفمبر 2016، وسن القانون 82 لسنة 2016 بشأن مكافحة الهجرة غير الشرعية وتهريب المهاجرين، والذي ساعد أجهزة إنفاذ القانون على القضاء على شبكات التهريب.

وعلى الصعيد الأمني، قالت مرعي إن القوات المسلحة المصرية والشرطة عملت على تأمين الحدود بشكل جيد للغاية، وحصار سماسرة الهجرة غير الشرعية، ممن يسهلون عبور الأفارقة ويتخذون من مصر دولة عبور، هذا عدا قيام السلطة بما وصفته بـ"خطوات لتنمية أماكن وبؤر الهجرة غير الشرعية كمحافظة كفر الشيخ".

كما وقّعت وزارة الداخلية المصرية بروتوكولاً مشتركاً مع نظيرتها الإيطالية يقضي بتمويل إيطالى وأوروبي لتدريب 360 من كبار كوادر الشرطة الإفريقية من 22 جنسية على أحدث أساليب مكافحة الهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة.

وبرأي السفير حسن، "استخدمت مصر قضية الهجرة غير الشرعية كنموذج عملي لتثبت لأوروبا أن دولة تحكمها قبضة قوية ستساعد على فرض الاستقرار في المنطقة".

ركّزت مصر على نقاط اتفاقها مع الدول الأوروبية وقامت بتنميتها وتركت الخلافات جانباً، بمعنى أن نقاط الخلاف لم تمنع التعامل حول نقاط الاتفاق كون الدول الغربية "براغماتية"
خلال سنوات حكمه، نجح السيسي في تجاوز تأثيرات الانتقادات الحقوقية الدولية التي طالت النظام المصري، وتمكّن من الحد من تأثير ملفات حقوق الإنسان على علاقة بلده مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة

وأضاف أن مصر لعبت دوراً فاعلاً في حل مسألة الهجرة ورفعت أسهمها لدى الحكومات الأوروبية، على الرغم من رفضها إقامة معسكرات لاجئين داخلها.

التعاون الاقتصادي

شكلت العلاقات الاقتصادية محوراً مهماً في العلاقات بين الغرب والسيسي. في الثالث من فبراير الماضي، زار وفد ألماني برئاسة وزير الاقتصاد الألماني بيتر ألتماير مصر وشارك في وضع حجر الأساس لجامعة ألمانية جديدة في العاصمة الإدارية تحت اسم الجامعة الألمانية الدولية للعلوم التطبيقية. وقال ألتماير عقبها إن "الاهتمام الألماني بمصر تراجع في الفترة الأخيرة، لكنها تستحق منا اهتماماً أكبر".

وبلغت الاستثمارات الألمانية في مصر 7.1 مليار دولار خلال السنوات الأربع الماضية، ووصل عدد الشركات الألمانية في مصر إلى نحو 1215 شركة، وفقاً لوزارة الاستثمار والتعاون الدولي المصرية. كما يبلغ حجم الاستثمارات الأوروبية في السوق المصري 15.1 مليار دولار.

ويقول السفير حسن إن سياسة الحكومة المصرية الاقتصادية كانت تُشكل نقطة خلاف لأن الدولة تسيطر على مقاليد الأمور في الاقتصاد بعكس ما تريده أوروبا من اقتصاد حر، وكان ذلك سبب رئيسي لعدم إقبال المستثمرين الأجانب على مصر بكثافة رغم أنها دولة مشجعة للغاية على الاستثمار.

وحاولت مصر تحسين النظرة الغربية إليها من خلال البدء في برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي منذ نوفمبر، فعاد الغرب للاستثمار في مصر "لكنه لم يدخل بقوته بعد"، بحسب حسن.

الدور المصري في ليبيا

شكلت ليبيا في عهد السيسي محوراً بارزاً للعلاقات بين مصر والغرب، وأصبحت قضيتها في صدارة المناقشات بين القادة الغربيين والرئيس المصري.

وقال الصحافي والخبير في الشأن الليبي عبد الستار حتيتة لرصيف22 إن مصر لديها رؤية استراتيجية خاصة حيال الأزمة الليبية جعلتها طرفاً مهماً في أي مناقشات دولية ذات صلة.

وأوضح حتيتة أن أوروبا واجهت سيطرة الجماعات المتطرفة في ليبيا بـ"صمت" حفاظاً على مصالحها الاقتصادية المتمثلة في شركتي النفط والطاقة "توتال" الفرنسية و"إيني" الإيطالية، ولضمان استمرار تدفق النفط وتأمين مصادر الثروة في ليبيا، بينما كانت مصر تحذّر من التهاون مع تلك التنظيمات.

وأشار حتيتة إلى أن مصر تضررت بشدة من التنظيمات المتطرفة في ليبيا وتسلل عناصرها إليها عبر الحدود، ما دفع القاهرة إلى دعم "الجيش الوطني الليبي" (جيش الجنرال خليفة حفتر) لبسط سيطرته على الأراضي الليبية و"إنهاء الفوضى وكسر شوكة التنظيمات الإرهابية".

وأضاف أنه "عندما بدأت مصر بتنفيذ استراتيجيتها هذه عام 2015، كانت اليد العليا للمتطرفين والمستفيدين من الفوضى، وكان الإرهابيون يسيطرون على درنة والهلال النفطي".

وبرأيه، كان الأوروبيون في تلك الفترة يواجهون "مشكلة مزدوجة إذ يحتاجون الطاقة وفي ذات الوقت يريدون دولة مستقرة".

وتابع: "استمرت مصر في العمل على دعم حفتر ومحاربة الإرهاب، وبمرور الوقت رجحت الكفة المصرية وامتلك حفتر اليد العليا منذ الصيف الماضي وبات واضحاً للمجتمع الدولي أنه يعمل بشكل احترافي وبنفَس طويل لإعادة استقرار ليبيا".

وتسعى مصر إلى توحيد الجيش الليبي وتستضيف بين الحين والآخر قيادات عسكرية ليبية تمثل الجيش الوطني الليبي وضباطاً محسوبين على حكومة فايز السراج التي تسيطر على طرابلس.

واعتبر حتيتة أن المؤتمر الدولي الذي احتضنته مدينة باليرمو الإيطالية حول ليبيا، في نوفمبر 2018، كان علامة فارقة في نظرة الغرب للدور المصري هناك و"باتت استراتيجية السيسي محط اهتمام القادة الغربيين وراحوا يعوّلون عليها لفرض الاستقرار في ليبيا".

ويختصر السفير رخا أحمد حسن المشهد العام بقوله إن مصر ركّزت على نقاط اتفاقها مع الدول الأوروبية وقامت بتنميتها وتركت الخلافات جانباً، بمعنى أن نقاط الخلاف لم تمنع التعاون حول نقاط الاتفاق كون الدول الغربية "براغماتية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard