حيّ على الربيع ..هنا النوروز الصامد في طهران فلنفرح قليلاً

الخميس 21 مارس 201901:53 م

يتفاعل زوار طهران الأجانب غير المنتمين للثقافة الفارسية مع عيد النوروز وهو رأس السنة الفارسية الموافق ليوم 21 مارس / آذار ويصادف يوم الاعتدال الربيعي. عيد النوروز يعتبر أهم الأعياد في إيران لكن الأمر لا يتعلق بالقومية الفارسية بل بالاحتفاء بطقوس الطبيعة وهي تودع فصلا وتستقبل آخر وبتفاعل الإنسان مع الانقلاب الربيعي بشكل مبهج تناغماً مع لوحات الطبيعة.

يقول أبو الريحان البيروني في كتابه الآثار الباقية عن القرون الخالية "إن الأعياد الفارسية كمياه السيول لا يمكن عدّها"، التجانس الثقافي الذي عرفته بلاد فارس والهجرات العديدة من مناطق الجوار لأراضيها جعلتها تحظى بخصوصية، إذ تراكمت ذاكرة الأقوام والمذاهب في الوعي الجمعي مع مر السنين ضمن مجموعة من العقائد تتقاطع حيناً وتفترق حيناً آخر تاركةً خلفها العديد من المناسبات الاحتفالية والعزائية.

اليوم في مطلع القرن الواحد والعشرين وفي ظل حكومة إسلامية لم تفتقد إيران لهذا التنوع فالتقويم مليء بالمناسبات بعضها يحظى بعطلة رسمية والآخر لا، فالشعب الإيراني لا يريد إسقاط لحظة واحدة من تاريخه السابق للإسلام بل نجده متمسكا حتى بتاريخه الأسطوري كذلك. وسط هذا التقويم يحظى عيد النوروز باهتمام كبير رسمياً وشعبياً، إذ يقترن في الذاكرة الفارسية بالهوية وحضارتها الذهبية وما بعد الاستقلال عن الدولة العباسية، فبحسب مؤرخين كان الاحتفال بعيد النوروز محظوراً تحت الحكم العباسي.

عيد قومي أم أسطوري

تقول الأسطورة الفارسية إن الملك جمشيد الأسطوري خرج من قصره يوم21 مارس/ آذار  -أي مطلع الربيع- وكانت الشمس مشرقة بهيّة فأمر الناس بالاحتفال بهذا اليوم وتسميته بالنوروز وهو تركيب بمعنى اليوم الجديد، فيما تقول مصادر فارسية أخرى إن الملك كوروش الكبير الإخميني عندما سيطر على بابل العراقية احتفل بعيد النوروز فيها وهو جزء من ثقافة بلاد الرافدين في العصور القديمة ونشر هذا العيد في أرجاء الإمبراطورية الفارسية آنذاك، لكن هذه الرواية لا تحظى بالإعجاب فاللاوعي الإيراني يرفض أن تنسب ثقافته لحضارات الجوار ويصر على أن تأخذ صبغة قومية، مع إن النوروز ليس ملكاً لأمة واحدة فقط بل تحتفل به أفغانستان وتاجكستان والكورد في العراق.

فليرحل الشتاء سريعاً نريد التسوق..ولكن

تبدأ تحضيرات العيد قبل شهر كامل من عيد النوروز، لا أحد يبالي بالشتاء فالشهر الأخير من هذا الفصل البارد هو شهر التحضيرات للعام الجديد، في انتظار الربيع ينطلق الإيرانيون إلى الأسواق لشراء ملابس جديدة وهدايا وبعض الأثاث، كل شيء يجب أن يكون جديداً ونظيفاً ومرتباً، لكن هذا العام كانت الأسعار مشطة ولا تتناسب مع الرواتب الضعيفة جداً، "هذا النوروز مختلف لا يمكننا أن نفرح أولادنا، لا نستطيع شراء الملابس الجديدة ولا المكسرات الضرورية لسفرة العيد حتى السمك واللحوم والأرز كل شيء غالي” هكذا تصرح سيدة إيرانية تقف إلى جانب بسطة الملابس، فالذهاب إلى المولات التجارية الكبيرة أصبح حكراً على طبقة الأغنياء فالبضائع هناك أجنبية في معظمها وتأثرت أسعارها بارتفاع الدولار طيلة العام الماضي، فيما تراجعت القدرة الشرائية لمعظم الإيرانيين بشكل حاد جداً ولا حل للمواطن سوى البحث عن حاجته لدى الباعة الجوالين.

صعوبة التسوق هو سمة عيد النوروز لهذا العام، يقول بائع في بازار طهران الكبير: " لايمكن للناس ألا تشتري شيئاً ولا سيما العائلات التي تجهز بناتها للزواج في أيام العيد، عليها شراء جهاز العروس، الفرق هذ الموسم واضح جداً” وإزاء ارتفاع أسعار البضائع هناك، تبحث الشابات عما هو أرخص برفقة أمهات خجولات قيدهن المجتمع الإيراني بعادات مضنية أثقلت كاهلهن في موسم العيد، فشراء الجهاز وهدايا العرس يمثل أزمة حقيقية للعائلات في إيران مع الغلاء الذي يتضاعف يومياً.

"الأعياد الفارسية كمياه السيول لا يمكن عدّها"، ماذا تعرفون عن عيد النوروز أهم الأعياد الفارسية؟

تقول الأسطورة الفارسية إن الملك جمشيد خرج من قصره يوم 21 مارس/ آذار في مطلع الربيع وكانت الشمس مشرقة بهيّة فأمر الناس بالاحتفال بذلك اليوم وتسميته بالنوروز ويعني: اليوم الجديد. 

سفرة السينات السبع متلازمة النوروز

الأسماك الحمراء والزهور وأحواض الأعشاب الصغيرة تملأ الشوراع في الأسبوع الأخير الذي يسبق النوروز، سُفرة السينات السبع (جمع حرف الس) هي ركن النوروز الذي تتنافس السيدات في ترتيبه، لهذه السفرة جذور قديمة قائمة على روايات مختلفة لا أحد يجزم بأصلها لكنها مقترنة بالنوروز والعام الجديد، تحمل السفرة سبعة مكونات تبدأ بحرف السين لكل منها رمز خاص وهي سَنجِد (الزيزفون) رمز الحكمة والخصوبة، سِيب (التفاح) رمز الصحة، سَبْزه (العشب الأخضر) والذي يرمز للحياة والحيوية، سَمَنُو (حلوى القمح) وتدلّ على القوة والبركة، سِير (الثوم) رمز الطهارة والقناعة، سِرْكِه (الخل) رمز الرضا والتسليم، وسُمَاق (السُّماق) رمز الصبر. إلى جانبها توضع مسكوكة ذهبية ترمز لزيادة الرزق، ومرآة تدل على التأمل وأمامها شمعة ترمز للنور، وسمكة حمراء رمزاً للسّعي.

ترتب هذه المكونات في الأسبوع الأخير الذي يسبق النوروز على السفرة بمشاركة جميع أفراد العائلة، يضع بعض الإيرانيين القرآن الكريم على السفرة أيضاً كلمسة إسلامية للعيد فيما يرى آخرون إن هذه السفرة لا تكتمل بدون كتاب غزليات حافظ الشيرازي.

لا نوم في ساعة الانقلاب الربيعي

تدخل السنة الإيرانية الجديدة مع لحظة الانقلاب الربيعي يحددها علماء الفلك سنوياً بدقة، يجتمع الإيرانيون حول مائدتهم “ السينية” لاستقبال العام الجديد، النوم في هذه الساعة غير مسموح، حتى ولو في منتصف الليل، حيث أيقظ الأباء أبناءهم أمس عند الساعة الواحد والنصف فجراً، وارتدى الجميع ملابس جديدة وجلسوا إلى السفرة في طقس سنوي لا يمكن المساس به، حتى هؤلاء المراهقين الذين تسيطر عليهم مشاعر الملل عليهم الالتزام بطقس الفرح، يتبادل أفراد العائلة التهاني ويردد البعض دعاء دخول العام الجديد باللغة العربية “یا مقلب القلوب والأبصار، یا مُدبّر اللیل والنهار، یا محوّل الحول و الأحوال، حوّل حالنا الی أحسن الحال”، فالواضح أن الإسلام ترك خلال السنوات الألف وأربعمائة آثاره الخاصة على هذا العيد.

النوروز للجميع

في طهران لا يمكن للعابر الأجنبي أن يقف غريباً أمام عيد النوروز، كل شيء في الحياة ينبض بالربيع وأنت ابن هذه الأرض لن تتجاهل ابتسامتها المشرقة في هذ الفصل، الورود المتفتحة في كل مكان لا تحمل لون علم دولة معينة بل تحمل لون الإنسان، تنخرط دون وعيك في هذا الطقس الاحتفالي لتغني مع الطبيعة: حي على الربيع فالنوروز للجميع.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard