الأمهات العازبات... ومحاولة مقاربة موضوعيّة بين المصطلح والواقع

الخميس 21 مارس 201902:22 م

تستوقفني منذ فترة غير قصيرة تسمية صارت تُطلق علينا، وتطلقها إحدانا على نفسها أو على الأخريات، نحن الأمهات الشابات المُطلقات، ألّا وهي: "العازبات". ألحظ أيضاً أنها غير متداولة بلغتنا. طبعاً. لكن بالإنكليزية حصراً، فيقولون/ يقلن: "single moms".

قد تكون أتت نتيجة لموجة طلاق كبيرة اجتاحت مؤخراً لبنان وكل العالم، وشملت كل الفئات، في زيجات حديثة، متوسطة العمر وعتيقة. هذا وفق إحصاءات نُشرت عبر مواقع متفاوتة في الجدية، مما أدى إلى التشكيك بمدى صحتها. لكنها تبقى تعبّر إلى حد ما عن صورة لواقع اجتماعي نلمسه عن كثب، كل يوم. تمَدُد رقعة الطلاق جغرافياً - أفقياً، وارتفاعها عددياً - عمودياً، تلاه من مدة إعلان عن دراسة تقول أن نسبة "العنوسة" (مع تحفظي على الكلمة) بلغت ذروتها في المجتمع العربي، حيث حصل لبنان على المركز الأول. هذا أيضاً، وإن أثار جدلاً واسعاً حول مدى دقته، إلا أننا نرى بالفعل أن الزواج لم يعد حلم كل فتاة. هكذا، يمكن ربط النتيجة بالأولى بالثانية عبر فكرة واحدة: النزوع نحو الفردية والتحرر من فكرة "القفص" و"الأبد"، بعد ثبات عدم فعاليتها في حياة صارت أصلاً تتطلب الكثير من المرء من أجل البقاء.

ليس عيباً أننا مطلقات

بالعودة إلى السينغل مامز، أسأل إن نحن بالفعل كذلك، دون محاولة لأي غمز خبيث خلف ظهور تلك "الحقيقيات". حبيباتي، حتى بيروت الأكثر تفتحاً وانفتاحاً، حريةً وتحرراً، ليست نيويورك بعد، ولا كاتب مسلسل Sex and the City (الجنس والمدينة) استوحى قصص حيوات بطلاته منّا. لو كنّا بالفعل ما تعنيه عبارة "أمهات عازبات"، أي لو حملنا وأنجبنا بدون "مباركة" (ما!)، لكنا الآن نقاسي بدل مرّ التربية وحيدات - وحده - مرّ التهميش والنبذ لنا ولأولادنا/ بناتنا من أقرب المقربين/ المقربات ، ولسقطت الأقنعة عن وجوه كثر من مدّعي/ مدعيات الدفاع بشراسة عن حريات المرأة. ومرّ استحالة - إمكانية الحصول على أتفه الأوراق الثبوتية من الأروقة البيروقراطية لتثبيت كيان أرواح وضعناها، وبالتالي تأمين أبسط حاجات العيش لهم/ لهن، كالتعلم والطبابة… أو لكنا، أخيراً وآخراً مقتولات جرّاء جرائم شرف، لا يقع على عاتق قاتلنا - البطل سوى حكم لطيف، مخفف، لأن لحظة غضب الذكر تساوي نفس وكيان أنثى.

اسمحوا لي: إني فقط أفهم أن "الأمهات العازبات" هن من أنجبن دون زواج، إما انطلاقاً من خيار شخصي (وأستبعد الأمر عندنا)، أو نتيجة لحادث عرضي. لا أكتب السطور هنا بهدف توكيد المؤكد: أيّ، في كلتا الحالتين، ما من أمر يجب أن ينتقص من قيمتهن، ولا من قيمة الأطفال الذين/ اللواتي أنجبنهن ولا من حقوق الإثنين. ولا للدفاع عن فكرة أن ما من أحد مخوّل وضع الناس على السلم الأخلاقي، ولا منحهم ميداليات "الشرف"، ولا تجريدهم منها. إنما أتحدث عن طبيعة التجربة بحد ذاتها، وتعقيداتها، والحلول التي تؤول إليها عادةً داخل مجتمعنا، وأرى أن ثمة اختلافاً وفوارق أساسية.

نحن كنا متزوجات، ثم خضنا تجربة الطلاق، عاطفياً، نفسياً، اجتماعياً ومن خلال إجراءات المحاكم الدينية المختلفة أو اللادينية. العازبات، لا… هن النساء اللواتي لم يتزوجن أبداً. أما نحن ففعلناها... ثم فشلنا، والفشل نهاية لتجربة، في جانب حياتي محدد من جوانبها الشخصية والعامة، في زمكان، وليس صورة بانورامية عن سيرة تبدأ من المهد، تنتهي في اللحد، تدوم بعدها الذكريات وما خلفناه من فعل أحاسيس خلقناها لدى من عاشرناهم أو إنجازات حققناها.

الزواج لم يعد حلم كل فتاة. هكذا، وبالتالي: النزوع نحو الفردية والتحرر من فكرة "القفص" و"الأبد"، بعد ثبات عدم فعاليتها في حياة صارت أصلاً تتطلب الكثير من المرء من أجل البقاء.

"الأمهات العازبات" هن من أنجبن دون زواج، إما انطلاقاً من خيار شخصي، أو نتيجة لحادث عرضي. أيّ، في كلتا الحالتين، ما من أمر يجب أن ينتقص من قيمتهن، ولا من قيمة الأطفال الذين/ اللواتي أنجبنهن ولا من حقوق الإثنين.

ليس عيباً أننا مطلقات، اللبس في أن يُختصر تعريفنا على كلمة، هي محطة لنا قبلها ماضٍ وبعدها مستقبل. والأسوأ أن يتملكنا هاجس محاربتها كأنها وصمة. من جهة أخرى، فإن صفة "عازبة" لن تجعلنا أبداً أكثر جمالاً ولا جاذبيةً. أفكر أن العكس صحيح عندما نلصقها مثل بطاقة على جبيننا، فنركن أنفسنا في خانة الحاجة إلى "عازب". نتسوله! الأهم من هذا كله هو إحساسنا من الداخل بأننا حُرات، مُنتجات، نملك قرارنا، ولنا آراء في القضايا المعاصرة ونظرة طموحة وإيجابية نحو الآتي، وهوايات وأصدقاء/ وصديقات نتشارك معهم/ معهن أيامنا وليالينا وأفراحنا وأحزاننا. كثيرات هن المتزوجات - المطلقات داخل بيوتهن وفوق أسرتهن. كثر بعد العازبات المعذبات في البحث عن "عريس" يردنه استثماراً مربحاً، لا شريكاً من لحم ودم.

حسناً، أعرف أنه لا يحق لي الحديث عن غيري، إذ صعب أن يخلو أي تكهن لما يجول في خاطر الآخر من حكم مسبق، تقييم غير موزون، أو إسقاط نابع من الذاتي والحميم… أما عني، فأعرف تماماً أني لا أملك إلا نفسي، وأملكها كلها وحدي، جسداً وعقلاً. من هنا، مستحيل أن يختزلني أي اسم - صفة غير إسمي. صحيح أني لم أختره (ومن حسن حظي أني أجده جميلاً)، لكني وضعت فيه، مع مرور عمري، خطوط وجهي المتبدلة رويداً رويداً وتقاسيمه الثابتة، وشخصيتي وطباعي. هو بدوره وضع فيّ شعوراً بالخفة والطيران يسحبني ولا يحسبني ضمن الانتماءات الضيقة. لا شيء أكثر تصويراً لروح الإنسان من الانطباعات التي يثيرها ذكر اسمه بين الأفراد والمجموعة. ويصورها، بالموازاة، شكل وجهه عندما ينظرون إليه، فيرتاحون له أو لا، أو لا يأبهون بكل بساطة. أكثر من هذا، أعتقد أن أقصى درجات العدالة تقتضي الخروج حتى من الاسم الشخصي، نحو أنسنة بلا حدود، حيث لا شائبة تشوب جوهرنا الواحد والموَحَد. إلا أن الأمر ما زال حلماً صعب المنال، وكابوساً تبعده عنها السلطات المستفيدة بلا شك من التقسيمات المتشعبة داخل كل التقسيم الواحد، من طائفي، مناطقي، طبقي، ثقافي، جندري…

لماذ الـ labelling (التصنيف) إذاً، ما دمنا نحسبنا نحلم ونعمل بعكسه؟ نبدو قليلاً كأننا أخذنا المفهوم الإفرنجي الـ cool، وحجّرناه، جعلناه تصنيفاً مستجداً، بعيداً كل البعد عن فحواه الأصلي. الأمر شبيه بهشاشة النسخة المحلية من متظاهرين السترات الصفراء، فما لنا نحن ومال الـ gilets jaunes؟ كم شخصاً منا يملك أصلاً مثلها، أو كان حتى يعرف إلى ماذا تصلح قبل اندلاع الحراك الفرنسي، منتصف العام الفائت.

ماذا بعد؟ برأيي أن هناك أمرين على الأقل يجدر البدء بالتفكير بهما والشغل عليهما: أولاً: التوقع لما سيكون عليه شكل جيل جديد عاش معظمه حالات انفصال أهلية (أقلها والظاهر منها العيش بعيداً عن الأب، أو الأم أو بين بيتين، أي بيئتين مختلفتين) وما سوف يستتبعه الأمر من إيجابيات وسلبيات على المجتمع الجديد، والتحضر لتغيير كبير آتٍ، في البنية والمفاهيم. ثانياً: السعي لإرساء قوانين مدنية عادلة ومنطقية، تراعي المصلحة الفضلى للنساء والأطفال، بعد الطلاق، بعيداً عما يكرسه رجال الدين… ولنقلها النسوية المتطرفة، على ندرتها، تلك الحاقدة على الرجل.

كل عيد أمهات وأنتن بخير، أمهات أنجبن أولاداً أو لم ينجبن، ربّين أطفالاً خرجن من أرحامهن هن أو من أرحام الأخريات.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard