هل المعاناة هي حقاً محرّك للإبداع؟

creativity

الخميس 21 مارس 201907:15 ص

هل على الإنسان أن يكون حزيناً أو مرهقاً أو محبطاً كي يترجم معاناته على شكل إبداع معين؟ أم أن السعادة هي التي تعطي الطاقة اللازمة للإبداع؟


في محاضرة ألقاها بجامعة إيموري بولاية جورجيا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2010، تحدث الدالاي لاما وهو القائد الديني الأعلى للبوذيين التيبتيين، عن رحلة الإبداع والروحانية ومدى علاقتها بالحالة النفسية، فهل على الإنسان أن يكون حزيناً أو مرهقاً أو محبطاً كي يترجم معاناته على شكل إبداع معين؟ أم أن السعادة هي التي تعطي الطاقة اللازمة للإبداع؟

ووفق اقتباس تنقله الكاتبة شارون سالزبرغ عن الدالاي لاما، فإنه يعتبر بأن "الناس في الغرب يميلون عموماً للاعتقاد بأن الإبداع يتولّد من العذاب، في حين تسود اعتقادات مخالفة في الشرق حول علاقة الفن العظيم بدرجة التوازن والوعي داخل الإنسان"، وهنا يتوضح التمايز بين مفهومين مختلفين سائدين فعلاً في عالمنا: فهناك أشخاص يتشبثون بالتعاسة والمعاناة اعتقاداً بأنها ميزة تتيح لهم الإبداع أكثر، وبأن السعادة مجرد إحساس ممل لا يحفّز على الإنتاج؛ وآخرون يميلون للتفكير بأن السعادة والراحة هما مصدر الطاقة والعطاء والإبداع، فالإحباط لا يترك أي مجال للتعبير والعمل على إحداث أي تغيير مهما كان بسيطاً.

"الناس في الغرب يميلون عموماً للاعتقاد بأن الإبداع يتولّد من العذاب، في حين تسود اعتقادات مخالفة في الشرق حول علاقة الفن العظيم بدرجة التوازن والوعي داخل الإنسان"

"الإبداع يولد من رحم المعاناة"

هي من أكثر العبارات "الكليشيه" أو النمطية التي يمكن أن نسمعها. ويصعب تحديد مصدرها أو تاريخ انتشارها، إلا أن المؤمنين بصحتها يعملون على ربطها بإبداع العديد من العلماء والأدباء والفلاسفة والذين كانت حياتهم سلسلة من المآسي والمتاعب والصعوبات النفسية وحتى الجسدية، مما حفزهم على الإنتاج بكافة أوجهه سواء كان فكرياً أو ملموساً.

هذه المقولة، التي تبرز جانباً حقيقياً لا يمكن تجاهله، تغفل النصف الآخر من الحقيقة، ولهذا النصف الغائب أوجه عديدة.

ما هو مصدر المقولة الشائعة أنّ الإبداع "يولد من رحم المعاناة"، وأن الألم حالة خاصة تساهم في الإبداع؟ وهل آن الآوان أن نتجاوزها؟

عند التفكير بالمبدعين الذين يقضون حياتهم ضحية المعاناة والألم، لا يمكننا أولاً تجاهل حقيقة وجود آخرين ممن استطاعوا الإنتاج بذات السوية من الإبداع وهم يعيشون حياة مرفهة وسعيدة ومرتاحة. بالطبع لا وسيلة في الحالتين لنعرف إن كان تغير الظروف، سواء للأفضل أو للأسوأ، سيؤدي لحالة إبداعية مختلفة، لكن سؤالاً مشروعاً يطرح نفسه هنا: فكيف يمكننا أن نعرف بأن نفس الأشخاص المبدعين تحت ظروف المعاناة والألم لن يكونوا أكثر ابتكاراً في ظروف أفضل سواء من الناحية المادية أو النفسية أو الفكرية؟

حقيقة تلك العبارة أو الاعتقاد بصحتها يطرح أيضاً بعض التساؤلات الأخرى، فهي قد تدفع للظنّ بأننا يجب أن نشهد نسبة أكبر من المبدعين في البلاد التي تعيش مستويات معاناة أعلى، وعلى رأسها بلدان العالم العربي والشرق الأوسط، لكن الواقع مغاير تماماً، وهنا تتدخل ظروف موضوعية خارجة عن إرادة الإنسان لتحدّ من قدرته على الإبداع، ومنها انخفاض مستويات حرية التعبير والقدرة على التفكير "خارج الصندوق"، وصعوبات الحياة اليومية التي تستهلك من طاقة الفرد دون أن تهيئ له المناخ اللازم للعمل المبدع.

والبعض هنا يذهب أبعد من ذلك، ملقياً باللوم وحتى الاتهامات على الإدارات والحكومات بالترويج لضرورة المعاناة للوصول للإبداع وترسيخ تلك الفكرة في العقول، كذريعة للتهرّب من تحسين الظروف المعيشية أو شروط العمل والإبقاء على الحالة الراهنة التي لا بد ستقود للإبداع يوماً ما.

بالنتيجة، فإن الوصول لحالة من الإبداع، مهما كان مجاله، يتطلب توافر العديد من الظروف الذاتية والموضوعية، أولها الموهبة الحقيقية التي لا مناص من تواجدها، ومن ثم الفرص المؤاتية للتطور والعمل، والبيئة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية المستقرة، وظروف الحياة التي تبعث على الاطمئنان والراحة.

الإبداع الفكري كمحصلة للألم

في حديث مع رصيف22، يرى الكاتب والمخرج المسرحي السوري عهد مراد بأنه يتوجب علينا بشكل أساسي أن نفرّق بين نوعين من الألم: ذلك الذي يتولد عن العاطفة والحالات النفسية المحزنة كالفراق والموت وفقد الأحبة، والألم الناتج عن صعوبات الحياة اليومية، كتلك التي تعيشها معظم بلدان العالم الثالث. "ومن هنا أفترض بأن أصحاب مقولة الألم يولّد الإبداع لم يقصدوا بالطبع تلك المشاعر السلبية التي تتولّد عن ظروف الحياة الاقتصادية المتردية".

ويطرح مراد على ذلك مثالاً بسيطاً، "فإن تعرّضَ أحدُنا لحادث في قدمه، هل سيدفعه الألم الناتج لكتابة قصيدة شعرية أم للتوجه نحو العلاج؟ الألم بمفهومه الواسع يتطلب وقتاً لنحلله ونتعاطى معه، والألم الذي يحفّز على الإبداع هو ذلك الذي لا يؤثر على عملية الاستقرار".

ومن هنا يرفض المتحدث الثلاثيني تجميل الألم أو الافتراض بأنه يعطي قيمة إضافية للعمل الإبداعي، فهو برأيه مفهوم عام بداخله بعض الجزئيات التي تولّد فيضاً من مشاعر كالحزن والحب والتي تدفع بدورها للإبداع، لكن الألم الذي يوقف عجلة الحياة يجبرنا على التفرغ لإيجاد حلول لمشاكلها اليومية، فإن كنا نبحث عن طريقة للحصول على بعض الدفء في فصل الشتاء ومع انعدام وسائل التدفئة، كما هو الحال اليوم في سوريا ودول أخرى تعاني من حروب طويلة الأمد، لن يدفعنا ذلك لكتابة الشعر وإنما ربما لابتكار طرق جديدة للتدفئة.

ويقارن مراد الإنتاجات الأدبية بين بلدان العالم الثالث وتلك المتطورة أو التي يصفها بأنها "مرتاحة"، حيث يرى بأن "المجتمعات الأقل ألماً وأزمات اقتصادية وأعلى مستوى من حيث المهنية والاحتراف هي ببساطة أكثر إبداعاً، وقدرة على إعطاء هذا الإبداع قيمة عالية".

وعن أشكال أخرى من الإبداع

في حالات أخرى، قد تولّد المعاناة أشكالاً من الإبداع، وهي ما يمكن أن نصنفه ضمن إطار "الحاجة أم الاختراع" كما يتحدث المهندس السوري أنس تللو لرصيف22.

يعمل تللو (30 عاماً) مع منظمة النساء الآن لدعم وتمكين المرأة السورية داخل سوريا وفي بلدان اللجوء المجاورة، ضمن بيئة تتسم بصعوبات مادية ولوجستية وحتى نفسية وفكرية لا تحصى، وتتطلب جهوداً مضاعفة في كثير من الأحيان، لكنّها في أحيان أخرى تحفّز لابتكار حلول إبداعية في مواجهتها.

أحد أوضح الأمثلة الراهنة على ذلك وفق تللو يتمثل في الأحوال الجوية المتردية التي عصفت بلبنان خلال الأشهر الثلاثة الفائتة، والتي فاقمت من معاناة آلاف العائلات في مخيمات اللجوء. شكّل ذلك تحدياً كبيراً لتللو وزملائه للعمل على ابتكار حلول سريعة ومجدية في مواجهة ظروف الطبيعة.

"اكتشفنا خلال تلك الفترة بأن الحلول في بعض الأحيان يمكن أن تُخلق فعلاً من رحم المعاناة. خلال أيام قليلة كنا قادرين على مساعدة مئات العائلات إما للانتقال إلى أماكن جديدة مؤقتة أو لابتكار حلول لتسهيل الحياة في مخيماتهم، كتركيب آلات لسحب المياه أو استئجار آليات ضخمة لفتح الطرق وتسهيل الحركة. وكانت عملية الوصول لتلك الحلول وتطبيقها تشاركية مع اللاجئين أنفسهم"، يشرح المهندس في حديثه.

بكل الأحوال يرى تللو بأن عملية خلق الحلول هذه وغيرها، والتي يمكن أن تندرج ضمن إطار الابتكار أو الإبداع أو التجديد، ما هي إلا وليدة بعض الظروف الاضطرارية، كما أنها تحتاج تدخّلاً من طرف خارجي محفّز، "لكن وبشكل عام لا أعتقد بأن الناس يمكن أن يبدعوا من داخل معاناة كالتي يعيشها مثلاً اللاجئون السوريون في لبنان"، يقول مضيفاً: "لننظر ببساطة إلى هرم ماسلو للاحتياجات. غياب تلبية الحاجات الأساسية وعدم وجود المساحة الفكرية اللازمة يعيق دون شك عملية الابتكار والإبداع وصولاً لقمة الهرم".

صورة المقال  لـِAmaury Salas  من موقع Unsplash

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard