دفاعاً عن اللعب II

دفاعاً عن اللعب

الخميس 4 أبريل 201908:27 ص

يتخذ عنوانُ هذه المقالة كمرجعيّة، عنوانَ كتاب ممدوح عدوان (دفاعاً عن الجنون، 1985)، فاللعبُ مذمومٌ في الثقافة الاجتماعيّة، وتكثر العبارات في اللغة الدارجة التي تحقّر مفهومَ اللعب والممارسة اللعبيّة، فيُقال: (لعب ولاد)، (هلق عم تلعب؟)، (شكلو عم يلعب)، كلها عبارات في إطار الذم.

اللعب كغاية وجودية:

جاء في ملحمة جلجامش:

(إلى أين تسعى ياجلجامش،

إن الحياة التي تبغي لن تجد،

حينما خلقت الآلهةُ البشرَ، قدّرت الموت على البشر،

واستأثرت هي بالحياة،

أما أنت يا جلجامش فليكن كرشك مملوءاً على الدوام،

وكن فرحاً مبتهجاً، نهار مساء،

وأقم الأفراح في كل يوم من أيامك،

وأرقص وألعب مساء نهار)

في هذا المقطع من ألواح الأسطورة، دعوة لجلجامش ليتخلّى عن بحثه المستمر عن الخلود، وما يهمّنا هو الدعوة إلى التمتّع بالحياة، ومن بين متع الحياة، يظهر لنا (الطعام، الفرح، البهجة، الرقص، واللعب).

"إلى أين تسعى ياجلجامش، إن الحياة التي تبغي لن تجد، حينما خلقت الآلهةُ البشرَ، قدّرت الموت على البشر، واستأثرت هي بالحياة، أما أنت يا جلجامش فليكن كرشك مملوءاً على الدوام، وكن فرحاً مبتهجاً، نهار مساء، وأقم الأفراح في كل يوم من أيامك، وأرقص وألعب مساء نهار": دفاعاً عن اللعب

اللعب كممارسة فنيّة

ولهذا يجد (ياسين النصير) في كتابه (شعريّة الحداثة): (إن أي فعل حياتي يومي فيه شيء من الطقس، وشيء من الحاضر، ويتطلّب الدمجُ بين الطقس والحاضر، ممارسةَ اللعب، واللعب يتطلّب وجودَ لاعبٍ يفهم كيف يحوّل اليومي إلى يوميّة، ففعل اللعب هو الفنيّة، هو الخلق الفنّي، أن اللعب الجماعي للعبة ما، يولّد لغة يوميّة مشتركة، يولّد فناً، ويؤسّس أرضيّة لمفاهيم أخرى لتطوير وتجديد هذا اللعب)

بين اللهو واللعب

في اللغة الانكليزيّة هو التمييز بين Play و Game، الأولى هي اللهو، هي الفعل الساعي إلى التسلية، بينما الثانية هي اللعب، وتضمر بمعناها المغامرة.

يكون اللهو بغرض التسلية، بينما يتطلّب اللعب مهارةً وإدراكاً للقواعد، اللهو يتمّ دون قواعد، بينما اللعب يتطلّب مهارة القواعد. في مجموعتي القصصيّة (اللعبة الأخيرة قبل فرض القواعد، دار أطلس، 2014)، حاولت أن ألعب بالعنوان على الإشكاليّة بين اللعب والقواعد، هي استحالة أن تكون اللعبة بلا قواعد، فتعلّم اللعبة يعني معرفة وإتقان القواعد، فكيف إذاً هناك (لعبة قبل فرض القواعد)؟ هذه الاستحالة الشعريّة – المفاهيميّة التي حاولتها في عنوان المجموعة، الترجمة الإنكليزيّة الأفضل للعنوان هي (Games Vs Rules).

اللعب في المسرح

إحدى مسرحيات لويجي بيرانديللو تحمل عنوان (قواعد اللعبة، 1919، The Rule of the game) عند صمويل بيكيت مسرحية بعنوان (نهاية اللعبة، 1959 Endgame). يكتسب اللعب في المسرح أهمية استثنائيّة. بالإنكليزية Play، تعني مسرحيّة، يترجمها ميشال خطار في (معجم المسرح، باتريس بافي، المنظمة العربية للترجمة، 2015) باللعب المَرِح، أي اللهو.

نصادف في معجم المسرح المترادفات التالية المتعلقة باللعب:

التمثيل: اللعب الأدائي، اللعب التمثيلي.

المظاهر اللعبيّة في المسرح

يكتب باتريس بافي: (إن قاعدة اللعبة الدراميّة تقوم على تكييف نظرة المشاهد بالنسبة إلى بعض المبادئ الأساسية في الأداء، من ludus أي اللعب المتعارف عليه وفقاً للأعراف، إلى Paida، اللعب العفوي والفوضوي التلقائي، فإن لوحة المشاعر والتركيبات واسعة جداً).

يهدف اللعب التمثيلي إلى خلق الوعي لدى المشاركين حول الآليات الأساسيّة في المسرح (الشخصيّة، العرف، وجدليّة الحوارات والحالات، وديناميّة المجموعات)، بقدر ما يسعى إلى نوعِ من التحرّر الجسدي والانفعالي في الأداء، وأحياناً، بعد ذلك، في الحياة الخاصّة للأفراد)

يهدف اللعب التمثيلي إلى خلق الوعي لدى المشاركين حول الآليات الأساسيّة في المسرح (الشخصيّة، العرف، وجدليّة الحوارات والحالات، وديناميّة المجموعات)، بقدر ما يسعى إلى نوعِ من التحرّر الجسدي والانفعالي في الأداء، وأحياناً، بعد ذلك، في الحياة الخاصّة للأفراد)

مع اللعب المسرحي، مرّة أخرى، كما عند التحليل النفسي عند وينيكوت، نحن أمام اكتشاف المساحة الافتراضية بين اللعب والواقع، بين الحقيقي والتخييلي.

لعب = عزف

Jouer باللغة الفرنسيّة أيضاً تعني مثّل، أدّى دوراً، كما أنها تستعمل للدلالة على فعل "عَزَفَ"، عزف على آلة موسيقية، يصبح اللعب عنصراً مشتركاً بين نوعين من الفنون، هذا ما يجعل اللعب نظيراً للخلق الفني كما كتب ياسين النصير.

لعبة الأدوار الاجتماعيّة

إننا "نلعب" عند أداء الأدوار الاجتماعيّة، نؤدي دور الأب، ننتقل لدور الأخ، العشيق، أو الابن، وهكذا تصبح الحياة عمليّة انتقالٍ من دورٍ اجتماعي إلى آخر،مع هذه المقاربة ومع بروز التحليل النفسي، تمكّنت النظريّة النسويّة من ابتكار مفهوم "الجندر" الدور الاجتماعي للتمييز بين الذكورة والأنوثة العائدين إلى فيزيولوجيا الجسد، وبين الرجل والمرأة والتي هي أدوار ثقافية يكتسبها الفرد من المجتمع. كتبت سيمون دو بوفوار، في كتابها (الجنس الآخر): (أنا لا أولد امرأة، بل أصبح امرأة مع الزمن)، إذاً نحن نمارس لعبة هويات ثقافيّة في جنسانيتنا، التي تنسحب على سلوكياتنا، فبناءً على الصورة الذاتيّة التي يملكها كلّ منا عن جنسه وجسده، يبني دوره وأسلوب تواصله وتفاعله مع الآخرين.

كتبت سيمون دو بوفوار، في كتابها (الجنس الآخر): (أنا لا أولد امرأة، بل أصبح امرأة مع الزمن)، إذاً نحن نمارس لعبة هويات ثقافيّة في جنسانيتنا، التي تنسحب على سلوكياتنا، فبناءً على الصورة الذاتيّة التي يملكها كلّ منا عن جنسه وجسده، يبني دوره وأسلوب تواصله وتفاعله مع الآخرين.

اللعب المزيف

في خيارات الحياة مهما بدت مصيريّة، لا نقابل مفاهيم الفوز والخسارة، فمهما اخترنا من خيارات مطروحة تستمرّ أحداث الحياة بمنحى مغاير، لكن ليس هناك من فوز وخسارة، لن تفوز أو تخسر إذا اخترت أن تدرس الطبَّ بدلاً من الفلسفة، أو أن تصبح راقصاً بدلاً من سياسي، أن تتزوج أو تبقى أعزباً، في كل ذلك ليس هنا الفوز والخسارة التي هي أساس الألعاب الرياضيّة مثلاً.

في الألعاب الرياضيّة، حتميّة تحدّ من أهميتها، وهي حتميّة الفوز والخسارة، فلابد من فائز ورابح، مما يجعلها أبعد عن لعبة الواقع، وبالتالي طبيعة شرطيّتها وقواعدها تجعل من الرياضة أبسط أنواع الألعاب، وأقلّها تركيباً من الناحية الذهنيّة، وبالتالي مساحتها هي الأضيق في احتمالات تكوين الوعي والاكتشاف الفكري. لكل ما سبق، وخصوصاً بسبب حتمية الفوز والخسارة، أطلق على الرياضة وصف "اللعب المزيف".

اللعب الوهمي

مقارنة مع المسرح، الكرنفال، الفن، تبدو ألعاب الورق، الشطرنج، وألعاب الفيديو بمثابة "اللعب الوهمي"، كما كتب باتريس بافي أعلاه: إن اللعب في المسرح يسمح للوعي بإكتشاف ما ينعكس على حياته الخاصّة، يؤثّر فيه بتحوّل. لكن ما الذي ينعكس إلى الواقع عند الفوز أو الخسارة بلعبة ورق أو لعبة الشطرنج؟

إن الماهر في الأداء المسرحي مثلاً هو وعاء معرفي وفكري واسع، أما المهارة في لعبة الشطرنج أو الورق فلا تشير إلى أية مزايا شخصيّة أو خصوصيّة فرديّة. ما يحصل في لعبة فيديو يبقى ضمن إطار اللعبة، ولا ينعكس على الواقع، كما الشطرنج والورق، هي ألعاب الفوز والخسارة، المهارة أو عدم المهارة، فيها يقارب "الوهم"، المغلق على نفسه.

عالم بلا لعب

في مسرحية بيكيت، تكون نهاية اللعبة، هي القدر الحتمي، نهاية اللعب إذاً هو لحظة لا تتحرّك، زمن في نقطته الصفر، والوجوه والتقاسيم والملامح والقامات التي تنقرض في لحظاتها الأخيرة، نهاية اللعب هو عالم مغلق، البداية هي النهاية، والنهاية تتكرّر في البداية وهكذا دواليك.

أربع شخصيات كلوف، هام، ناج، ونيل، عالقة في مكان معزول، في علاقة حتميّة من المنفعة، التراتبيّة، في حتميّة قدريّة لا تقبل أي تغيّر في المصير. خارج اللعب هو بالنسبة لبيكيت عجز، عزلة، إنغلاق، وقدريّة مرعبة: قدريّة القرابة العائليّة، قدريّة المكان، قدريّة العجز، قدريّة التفسّخ، وقدريّة الحاجة إلى بعضهم البعض، كما كتب بول شاؤول في ترجمته وتقديمه للمسرحية في سلسلة (إبداعات عالمية، العدد 258 / 1992).

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard