دفاعاً عن اللعب

الأربعاء 20 مارس 201904:17 م

 (لعب ولاد)، (هلق عم تلعب؟)، (شكلو عم يلعب): عبارات في إطار الذمّ مع انّ اللعب نشاطٌ ابتكاري يساعد على اكتشاف الذات وفلسفته تحوّل العادي إلى جمالي

يتخذ عنوانُ هذه المقالة كمرجعيّة، عنوانَ كتاب ممدوح عدوان (دفاعاً عن الجنون، 1985)، فاللعبُ مذمومٌ في الثقافة الاجتماعيّة، وتكثر العبارات في اللغة الدارجة التي تحقّر مفهومَ اللعب والممارسة اللعبيّة، فيُقال: (لعب ولاد)، (هلق عم تلعب؟)، (شكلو عم يلعب)، كلها عبارات في إطار الذم.

اللعب لإدراك الواقع:

في كتابه الأخير (اللعب والواقع، المساحة الإفتراضية، 1971)، الذي لم يُترجم حتى الآن إلى اللغة العربيّة، فتح العالم النفسي (دونالد وينيكوت 1896–1971) الباب واسعاً لنظريات علم النفس والتحليل النفسي التي تركّز على دور اللعب في النموّ، تطوير الوعي، ومهارات التواصل مع الواقع. عمل وينيكوت ما يقارب العشرين عاماُ لإثباته نظريته، ودعمها بتجارب سريريّة مرّت معه.

من المعروف أن المولود الجديد، ومنذ لحظة الولادة الأولى، يسعى إلى اكتشاف أطرافه، فيقوم بإدخال أصابع يديه وقدميه في فمه كنوعٍ من الإثارة والاكتشاف، فيمنح نفسه متعة الاتحاد مع نفسه بحسب تعبير وينيكوت. ينتقل الطفل من بعدها إلى إدخال الأشياء في فمه، وهنا يأتي دور الدمى، غالباً ما تقدّم الأمهات لأطفالهن دمى كي يقضموها أو يلعبوا بها، حينها تبدأ مرحلة التعلّق الإدماني بالدمية.

لقد فسّر وينيكوت سبب شغف الطفل بالدمى، أو بالأحرى بيّن ما هي الأهميّة التي تنطوي عليها العلاقة بين الطفل والدمية. إن الطفل وعبر اللعب بالدمية، يطوّر لديه ملكات، منها:

1- ملكة إدراك طبيعة الغرض - الدمية.

2- القدرة على إدراك ذاته كمغاير للغرض-للدمية.

3- ملكة الإدراك الفيزيائي، عبر تحديد والشعور بمكان الغرض - الدمية (في داخله، خارجاً عنه، أو على الحدود بين الداخل والخارج)

4- يكوّن الطفل قدرة على الابتكار، والتخيل.

منذ الولادة، يختلط على الإنسان بين ما يتلقاه من العالم الموضوعي، وبين ما يتمّ استقباله عبر الوعي، ويعتبر وينيكوت أن اللعب يساعد الطفل على التمييز بين "الفانتاسم" التهيّؤات والواقع، بين الفعاليات الباطنيّة وبين الأحداث الخارجيّة، بين الابتكاريّة البدئيّة الأولى وبين التلقّي.

يمكن شرح دور اللعب في تمييز الواقع عن الوهم، حين نحلّل عمليّة الاستمناء مثلاً. فحالما يجهز الذهن لممارسة الاستمناء، يدرك فوراً التمايز بين المتخيّل، وبين الواقعي، في كلا الفعلين، فعل الاستمناء وفعل اللعب تصادفنا الأسئلة ذاتها، ما هي طبيعة وشدّة الأحاسيس المثارة، المرتبطة او الناتجة عن تجربة اللعب أو تجربة الاستمناء التي نعايشها؟

ويصل وينيكوت إلى النتيجة بأن اللعب خاصيّة عالميّة، وتتعلّق مباشرة بالصحّة، ولذلك فاللعب يساهم في النمو.

اللعب لاكتشاف الذات والتواصل:

حسب نظريات التحليل النفسي، اللعبُ نشاطٌ ابتكاري يساعد على اكتشاف الذات، فهو وسيلة للتواصل مع الذات، ومع الآخرين. يكتب وينينكوت ما ستُعدّ واحدة من أشهر عباراته: (باللعب، وربما عبر اللعب وحده، يحرّر الإنسان إبداعيته. سواء كان ذلك للطفل أو للبالغ، فإن اللعب هو الإمكانية الأمثل والأوسع لاستعمال الذات)

هذه اللعبة في خيار (السؤال والجواب) في حياة المراهقة تشكّل المدخل الأول للتعرّف على خصوصيّات الآخرين العاطفيّة، المحرّمة، و الحميمة. أما في خيار (الأمر والطاعة) فغالباً ما تكون الأوامر المطلوب تنفيذها من اللاعب أو اللاعبة المطيعة أفعالاً جنسيّة، فتصبح اللعبة وسيلةً لتنفيذ أفعال مخجلة، وبالتالي اكتشاف العالم الجنسي.

في فيلم (جرأة أو حقيقة، 1994) للمخرج الفرنسي فرانسوا أوزون، يلعب المراهقون الأربعة اللعبة، تسأل هيلين صديقتها: (هل مارست الجنس قبلاً مع شاب؟)، تجيب روز: (نعم)، لا تصدّقها، وتكملان اللعب مع بول وريمي، بعد دقائق، تصبح اللعبة أكثر جنسيّة: (قبلي ريمي على فمه)، (الحسي ذراع بول)، (أدخلي أصابعك في فرج روز، وأخبرينا عما تشعرين)، وحين تخرج هيلين أصابعها، يرى الجميع الدماء على يدها، دماء غشاء بكارة روز، التي أخبرت قبل قليل بأنها مارست الجنس مع الذكور. ليس ما يهم هو اكتشاف كذبة أو صدق روز، بل كيف قادتها اللعبة لفقدان عذريتها، أصبحت اللعبة بمثابة نبوءة.

اللعب على الكلمات:

في مرحلة الفتوّة والشباب، وربما لمراحل لاحقة يشكّل اللعب على الكلمات والألفاظ ممارسة شائعة في كل الحضارات، يصبح اللعب على المنطوق وما يشابه بالإيقاع الصوتي، أو ما يحوّر معناه، أو يمنحه بعداً ساخراً، موهبة واضحة في جيل الشباب. إنها إشارة إلى امتلاك اللغة، القاموس قد توسّع عن الطفولة، بما يسمح معه بالتلاعب بالاستعارات وبالمفردات، هذه الظاهرة التي يراها البعض ممارسة مراهقة سطحيّة، لا تتوقّف آثارها على التنكيت أو التهريج، بل هي تحمل للذهن التي يمارسها، ولمجموعة الشبان الذين يتداولونها، عتبة أولى لإدراك المفاهيم المؤسِّسة للمفردات، يدفع اللعبُ بالكلمات الذهنَ لإدراكٍ أكبر للمعاني الكامنة خلفها وأبعادها، ببساطة هي أولى عمليات التفكير الفلسفي. يهزأ مهرّج الملك لير بالمفردات، يحوّرها ويتلاعب بها، يجعلها هزليّة وأحياناً ساخرة، هذه القدرة على التعامل مع اللغة هي الدليل على بلوغ ذهن المهرّج شأناً في التفكير.

اللعب والمدينة:

تحتلّ أماكن اللعب مساحات من المدينة، كالساحات، أماكن لعب الأطفال، ملاعب الرياضة، فضاءات الاحتفالات. يركّز مشروع (اللعب والمدينة، 2018) لـ (استديو أشغال عامّة)، على دور أماكن اللعب في تشكيل مساحات المدينة، ويحاول المشروع أن ينطلق من اللعب الاجتماعي لإعادة إنتاج المساحات المدينيّة.

إنطلاقاً من إدراك أهميّة اللعب الشعبي في الممارسة الاجتماعيّة، يوصي المشروع بضرورة الحفاظ على الفضاء الذي تخلقه مساحات اللعب الشعبي في التخطيط العام للمدينة. الغاية هي تأسيس التخطيط العام للمدينة على أساس الاستعمالات الأهليّة للأمكنة وعلى أساس الاستخدام الأهلي لفضاءات المدينة. أي تخطيط مديني منبثق من: (الحقّ في اللعب، الحقّ في المشاركة، والحقّ في الاستخدام الكامل للفضاءات والأماكن)، كما جاء في البحث الخاص بالمشروع.

اللعب الكرنفالي:

من أشهر أشكال اللعب الاجتماعي، هو الكرنفال. يكتب الفيلسوف والناقد الروسي ميخائيل باختين في مقاله (الكرنفال والكرنفالي، ترجمة خالدة حامد، المتوسط،2017): (الكرنفال مهرجان يخلو من مهنة التمثيل، ويخلو من الانقسام بين مؤدّين ونظّارة، وفيه يكون كل فرد مشاركاً فاعلاً، وله الحرية أن يفعل ما يحلو له، بصدد الفعل الكرنفالي. المهرجانُ لا مفكّرٌ فيه، إنه بدقّة لا يُؤدى، فمشاركوه يحييون فيه، يحييون بقوانينه، هذا يعني بعبارة أخرى أنهم يحيون حياة كرنفالية، وهي غالباً ما تكون الجانب المعكوس من العالم)

يتمّ خلال اللعب الكرنفالي تعليق القوانين والممنوعات والضوابط التي تحدّد بنية الحياة الاعتياديّة، أي اللاكرنفاليّة ونظامها، وأوّل ما يتمّ تعليقه هو البنية التراتبية وجميع أشكال الرهبة والتبجيل والتقوى والإتكيت المرتبط بها، ويُعدّ هذا الجانب بالغ الأهميّة للمعنى الكرنفالي للعالم. فالناس الذين يكونون في حياتهم الاعتياديّة منفصلين بحواجز تراتبيّة لايمكن تخطيها يدخلون في اتصالٍ حرٍّ حميم في ساحة الكرنفال.

الكرنفال هو المكان الذي يتمّ فيه التدريب على نمطٍ جديدٍ من العلاقات المتبادلة بين الأفراد على نحو متجسّد حسيّاً، وشبه مسرحي، يدخل بصفة وضع مضاد للعلاقات السلطويّة. يتحرّر سلوك الشخص وإيماءاته وخطابه من سلطة المواقف التراتبيّة كلها كالمنزلة الاجتماعية، الرتبة، السن، الممتلكات.

إذاً اللعب الكرنفالي تحايلٌ على الهرميّة، الطبقيّة، علاقات التبعيّة والمسؤوليّة التي يفترضها النظام الاجتماعي في الحياة اليوميّة، خارج الكرنفاليّة. يصبح الكرنفال ممارسة متمرّدة على الواقع السياسي، الاجتماعي، والاقتصادي، ومحاولة لمساءلة الثقافة الاجتماعيّة. يعيّن في الكرنفال مثلاً أكثر الناس هامشيّةً وبساطةً بدور الملك، كما تُمارس في الكرنفال أفعال التدنيس، التجديف، وأفعال التحقير بما هو مقدّس، وإنزال الأشياء من عليائها إلى الأرض، بطريقة كرنفاليّة، والبذاءة الكرنفاليّة، والمحاكاة الكرنفالية الساخرة للنصوص والأقوال والمرجعيات المتسيّدة.

لا يقتصر تأثير الفكر الكرنفالي على الواقع الاجتماعي والسياسي، بل أيضاً يصل إلى التطرّق إلى ازدواجيات وجوديّة أو فلسفيّة، مثل الميلاد والموت، الروح والجسد، المبروك والملعون، الرفعة والضِعَة، الغباء والحكمة.

كذلك يكتب الناقد ياسين النصير في كتابه (شعرية الحداثة، دار المدى، 2018): (يكشف كرنفال العرس والعيد عن ميثيولوجيا اللعب الجماعي، لخصوبة هذه الطقوس، تلك الميثيولوجيا التي قامت على مبدأ أن " الاعتراف " بالآخر طريقةٌ لإخصاب اللعب المشترك، وطريقةٌ أخرى للعيش والتبادل والفعل الجماعي، وبدون الغير لا يمكن أن يكون الواحد مكتملاً، (الآخر صيانة لوجود الأنا) وما لِبْسُ الأقنعة والأزياء الملوّنة في الكرنفالات إلا للتحرّر من القيود التي يفرضها اللاتعرّف، فمفهوم اللعب هو الخروج عن السائد بطريقة الخصوبة. فاللعب لا يشمل الألعاب، بل الصياغات الفنيّة والجماليّة للإبداع، اللعب تدمير للمألوف الساكن، ولذلك تشغل فلسفة اللعب الكثير من الفلاسفة والمفكّرين لأنها تحوّل العادي إلى جمالي)

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard