"تجاوزنا الطائفية، ومشاكلنا العمل والبنية التحتية"...شباب الجامعة في العراق

AFP

الجمعة 22 مارس 201912:53 م


لم يكن يتوقع الطالب الجامعي مُرتضى رحيم (21 عاماً) أن يعيش واقعاً مختلفاً عمَّا رَسَمَهُ أخوه الاكبر مُحَمَّد (44 عاماً) في مُخيّلته بحكاياته عن الحياة الجامعية في العراق التي تختلف جذرياً عن المراحل الدراسية السابقة، حيث التلقّي الأكثر استفادة للمواد، وانفتاح المجالات العلمية التي يرغب في دراستها، وقصصه عن طبيعة الأجواء داخل الجامعات التي لن يجدها في أي مكان آخر.

ولكن عندما دخل مُرتضى الجامعة فُوجِيء بما رأى، وصُدم بما أحسَّه وعاشه.

انتشرت مؤخراً اللافتات السياسية لبعض الأحزاب والحركات، خاصّة في موسم الانتخابات البرلمانية، وزادت الدعايات التي يُروّج لها طلبة ناشطون داخل الكليات لمُرشَّحين إمّا أن يكونوا مُقرَّبين من هؤلاء النُّشطاء، أو تربطهم مصالح معينة، أبرزها الحصول على تعيين في حال فوز المرشح بالانتخابات.

وقد انضمَّت البيئة الجامعية إلى شقيقاتها، السياسية والأمنية والاقتصادية والخدمية والثقافية والفنية، التي شهدت تراجعاً كبيراً منذ عام 2003، حيث لم تخل من المشاكل التي وقع فيها العراق منذ أكثر من 15 سنة، واستهدفها السياسيون مؤخراً للتأثير على عقول رجال ونساء الغد.

تشير الأستاذة الجامعية نهلة عبدالله نجاح إلى بداية ظهور تلك التغيرُّات، التي طَرَأَت على الحياة الجامعية، في حديث لـرصيف 22، "اختلف التعليم عمَّا كان عليه قبل عام ٢٠٠٣، كانت هناك رصانة علمية ذات معايير مهمة تأخذ على عاتقها الارتقاء بالطلبة ومستواهم العلمي، عكس ما نراه الآن، وبالتالي العملية التعليمية تأخذ طريقها نحو الانحدار من ٢٠٠٣ ولغاية الآن".

الدعاية السياسية وغزو الهواتف الذكية

يكشف أحد الطلبة، فضّل عدم الكشف عن اسمه، لـ رصيف 22، عن كواليس الدعاية السياسية داخل الجامعة: "العام الماضي كنت مقرَّباً من مرشح وعدني بالتعيين في حال فوزه بالانتخابات، على أن أقود حملته الانتخابية في الجامعات من أجل إقناع أصدقائي وزملائي في الكلية بانتخابه على أسس مذهبية وطائفية، وليس الكفاءة والنزاهة، ورغم نجاحي في إقناع بعضهم، لكنه في الأخير فشل في الحصول على مقعد بالانتخابات الحالية".

شيء آخر أحبط توقُّعات مُرتضى عن الحياة الجامعية كما رُويت له، يقول: "كان أخي، وهو خرِّيج كُلّية الإدارة والاقتصاد من جامعة بغداد، يُحدِّثني عن البيئة الجامعية المثالية، وعن مستوى التنافس بين الطلبة، وجودة التعليم، لكن اليوم أصبح التنافس بين غالبية الطلبة على المظاهر، منها الحصول على أحدث اجهزة الموبايل، والسيارات الفاخرة، وغيرها، متناسين الأهم وهو التعليم ومستقبلهم الوظيفي".

ويضع مرتضى يده على بعض مظاهر الاختلاف لافتاً إلى تأثير الطائفية على العلاقات بين الطلبة، خُصوصاً بعد عام 2003، يقول أنَّ "البيئة الجامعية لم تخلُ من مشاكل العراق التي يعانيها منذ 2003، وأبرز ما أثَّر على البيئة الجامعية خلال السنوات الاخيرة الطائفية والمذهبية، التي مَنَعَت بعض الأصدقاء من التواصل بينهم"، مُشيراً إلى أنَّ "الكثير من توجّهات وآراء الطلاب تأثَّرت بالسوشيال ميديا".

المذهبية هي التي حَرَمَت الطَّالب الجامعي حسين علي، الساكن في مدينة الصدر، من الاقتران بعُلا المنتمية للسنَّة، بسبب رفض أهلها الارتباط بشيعي.

ويشرح الدكتور عراك غانم، أستاذ "التربية الإعلامية" في كلية الفارابي، تأثير "فيس بوك" و "تويتر" في تركيز الانتماء الطائفي بين الطلبة، يقول إنّ "لمواقع التواصل توجهين وحدّين ،فقد أفادت وقلَّصت من الدور الطائفي والشرخ المذهبي، وفِي جانب منها عززت الانتماء الطائفي؛ وهذا مرجعه الانتماء والولاء للجماعة المرجعية والدينية والأيديولوجية التي يتمذهب بها الفرد، سواءً كانت حالمة أو مستقرة أو وسطية، أو كانت مُتطرّفة؛ ممَّا تمخَّض من ذلك هذه التوجهات في الجامعة".

المذهبية هي التي حرمت الطالب الجامعي حسين علي، الساكن في مدينة الصدر، من الاقتران بعُلا المُنتمية للسنَّة، بسبب رفض أهلها ارتباطها بشيعي.

يقول علي لـرصيف 22: "أحببتُ زميلتي عُلا التي كانت معي في جامعة المستنصرية ببغداد، وبعد قِصَّة حُبّ استمرت اكثر من سنتين، قرَّرتُ التقدُّم لها لخطوبتها على أن تُعقد مراسيم الزواج بعد تخرّجنا، لكن في طريقنا إلى بيت عُلا، اتصلت بي، وأبلغتني بصعوبة الاقتران؛ لأنَّ والدتها رفضَت عندما عرفَت أنّي شيعياً، ورغم ذلك حاولتُ مرتين لكن فشلت تلك المحاولات، حتَّى أنّي تركتها الآن".

بكل ثقة تقول الطالبة العراقية سمر (22 عاماً): "لا أمانع من الزواج بأي شخص من أي مذهب أو دين أو قومية".

"الاختلاط علَّمنا، وعرَّفنا على بعض"

يُعدُّ التعصُّب الديني من أول المشاكل التي تُواجه الطلبة الذين يلتحقون حديثًا بالجامعة، وفي عقولهم خلفيَّات مذهبية وعشائرية، يقول الطالب الجامعي حيدر لؤي لـرصيف 22، "بشكل كبير أصبحنا نتحفَّظ في بعض الآراء والأفكار لأسباب كثيرة، منها التعصُّب الديني والمذهبي"، في إشارة إلى شرائح من طُلَّاب الجامعة.

كما تقول الأستاذة الجامعية نهلة إنَّ "الخطاب الديني والسياسي له انعكاسات سلبية كثيرة، ونُواجه مُشكِلات مُتعدِّدة مع الطلبة، أسبابها طائفية واجتماعية، وخاصّة مع تصاعد سلطة العشيرة، وتراجع سلطة القانون في المجتمع، والشواهد كثيرة"، على حد قولها.

لكن ثمَّة طلبة لديهم وجهة نظر مناقضة، مثل سمر چاسب، طالبة (22 عاماً) في قسم الإعلام بجامعة الفارابي ، شدّدت على أنَّنا "باعتبارنا جيل واعٍ ومُثقَّف يجب ألّا نتأثَّر بهكذا أشياء، ولا أهتمّ في الشخص المقابل من أيّ دين أو مذهب أو لمن ينتمي أو يشبهني أو مختلف عني"، تضيف مُوضّحة: "أتقبَّل المقابل بكلّ صفاته على أساس العيش بسلام"، نافية في الوقت ذاته "تعرّضها إلى تمييز طائفي أثناء دراستها"، وتزيد: "أقرب صديقاتي من مذهب آخر غير المذهب الذي أنتمي اليه، كما أملك العشرات من العلاقات الطيبة من مذاهب وأديان مختلفة، كما أنَّ صديق والدي من ديانة أخرى، لا شيء اسمه طائفية لدينا".

وشدَّدت سمر على أنَّ "الخطابات الطائفية لم تؤثر  علينا، حيث أنَّنا تجاوزناها في الفترات الماضية، كذلك إني أتقبَّل المُقابل بكل شيء من اختلاف جنس ولون ودين وطائفة وعشيرة، يجب أن يحاولوا يتعايشوا ويتأقلموا مع الكل، وأهم شيء لا أكره شخص لأنَّه يختلف عنّي بشيء مُعيَّن، أو أتكلَّم عليه، أو أنبذه، أو أخلق عداوة معه".

وبكل ثقة تقول سمر: "لا أمانع من الزواج بأيّ شخص من أيّ مذهب أو دين أو قومية".

وهو ما يذهب إليه زميلها ياسر باسم، الذي يسكن في منطقة الدورة ببغداد، يقول:"اختلطتُ بالكثير من الأصدقاء من غير طوائف وغير أديان وهذا أمر طبيعي، حيث أنَّنا نشاركهم أفراحهم وأحزانهم"، مُشدِّداً على أنَّه "يوجد ناس تعلقوا بتقاليدنا وعاداتنا، ومستحيل نغيّرهم لمجرد أنَّهم من غير طائفة أو ديانة"، لافتاً إلى أنَّ "الاختلاط بهم أثَّر إيجابياً حتى أنَّنا تعرَّفنا على العادات والتقاليد وأعياد الطوائف البقية"، وأوضح أنَّ "المُتعصِّب يُمثِّل نفسه، ولا يُمثِّل البقيِّة".

كما شدَّد الطالب أحمد ضايف، الذي لديه "جروب" على "فيس بوك" مُكوَّن من طلبة في كلية الفارابي الجامعة تنتمي إلى مذاهب وأديان مختلفة، على "أنّ الحدّ من التعصب يكمن في دور الطلاب عبر الوعي، وعدم التَطرُّق إلى مقدسات مذاهب من كلا الطرفين، حيث التعامل بـ إنسانية".

لكن الطالب كرار الفضلي له رأي آخر، يقول لـرصيف22: "أنا والأصدقاء المُقرَّبين في الكلية نأخذ الموضوع مزحة، نُمازح بعضنا البعض في أمور ظهرت لنا بعد 2003".

وهو ما يؤكده لـ رصيف 22، عبدالله محمد الطالب في الجامعة العراقية ببغداد،  يقول: "نتناقش في الأمور السياسية والأمنية والدينية، نختلف فيما بيننا لأنَّ كلّ واحد له توجُّه مُعيَّن، بحسب ما يعتقده، حيث نتبادل بعض الكلمات والمفردات التي ظهرت لنا بعد 2003، ومنها الناصبي والرافضي".


ويروي محمد، الذي تهجَّرت عائلته إبَّان الحرب الطائفية في العراق (2006 ـ 2008)، موقفاً له مع أحد أصدقائه،:"كنتُ أمزح مع طالب من غير مذهبي على أنَّ مذهبهم غير صحيح، ويجب تباع مذهب آخر، وكُنَّا نضحك وقتها، لكنَّه يبقى صديقي، وأشاركه الأفراح والأحزان، وهو كذلك".

أزمة البُنى التحتية أهمّ

يُعتبر التعصُّب الديني مشكلة صغيرة في موازاة مشاكل وصعوبات أخرى تؤثر في البيئة الجامعية بالعراق، بحسب الأستاذ الجامعي في جامعة الفارابي ببغداد، عراك غانم، حيث يرى أنَّ "أهمّ الصعوبات التي أعتبرها أثَّرت على البيئة الجامعية هي البُنى التحتية، وطرق التدريس، وهبوط المستوى الدراسي للطلبة، خصوصاً أنَّ مُخرَجَات التربية هابطة جِدّاً".

وحول ذلك، يقول حسين جاسم، طالب في كلية القانون بجامعة بغداد، أنّ "البيئة الجامعية اختلفت جذرياً حتَّى بات اليوم مستوى أغلب الطُّلَّاب ليس بالمطلوب، نظراً لانشغالهم في أمور بعيدة كلَّ البعد عن الأمور الدراسية، ومنها الارتباط العاطفي، والتباهي بالأمور المادية، والبحث وافتعال المشاكل بين الطلبة، بهدف أو بدونه".

ولفت جاسم إلى أنّ "وضع العراق بعد 2003 ساهم في انشغال الطالب عن دراسته، وعدم المُحَاسَبَة أيضاً من قِبل إدارة الجامعة، وضعف مراقبة الأهل لأبنائهم، حتَّى بات اليوم من أهم المشاكل التي يعاونها التعصب الديني، رغم اختلاف الأفكار والآراء، فيما يميل بعض الطلاب إلى ترك المحاضرات تعمّداً، وبحثاً عن جولة للنزهة بين أقرانه"، مشيراً إلى أنّ "أحد أصدقائه ترك المحاضرات، وانشغل مع حبيبته حتى رسب في مرحلته، وبعد فترة أُعلِن بشكل مُفاجئ في الجامعة عن خطوبتها من قِبل شخص آخر؛ ليعيش الطالب في صدمة نفسية كبيرة ويدخل على أثرها المستشفى، لمدة أسبوع كامل".

وأشار إلى أنّ "اليوم، يفكر القليل بإكمال دراسته؛ لأنَّه الكثير من الخرّيجين يعملون في مهن ليست في مستواهم العلمي، وشهادتهم الجامعية، حتى بات اليوم طالب الجامعة متساوي مع الطالب في المراحل السابقة في نيل فرصته في وظائف الدولة ومؤسساتها والقطاع الخاص، وهذا ما شجَّع الطالب الجامعي إلى إهمال دراسته، والتفكير في أمور أكثر أهمية بالنسبة له".

رَغم كَثرة الجامعات التي اُفتِتَحَت في السَّنوات الـ15 الماضية إلّا أنَّ مستوى التعليم في تراجُع مُستَمِرّ.

الجامعات العراقية: وفرة العدد ورداءة الجودة

منذ سقوط النظام السابق، اُفتتحت العشرات من الكليات الأهلية الجامعة، ومنها الفارابي، والفراهيدي، ودجلة، والإسراء. وتُقسَّم جامعات العراق إلى أربعة أقسام أساسية من الجامعات، الأولى هي الجامعات الحكومية، وهي المملوكة للحكومة، ثمَّ جامعات إقليم كردستان، وهي التي تقع ضمن حدود إقليم كردستان، ومملوكة لحكومة الإقليم، شمالي العراق، ثمَّ الجامعات والكليات الأهلية، وهي الجامعات الخاصة غير المملوكة للحكومة، لكنها قد تكون مملوكة لمؤسسات غير حكومية، ونقابات، ومُنظَّمات عامَّة أو خاصَّة أو حتَّى جامعات مرتبطة بمؤسسات غير عراقية، وكذلك الجامعات ومؤسسات التعليم العالي غير المرتبطة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مثل الجامعات والكليات العسكرية، وكليات الشرطة، والتي تًشرف عليها وزارتا الدفاع والداخلية، وكليات ديواني الوقفين السني والشيعي، والتي انتشرت بشكل واسع في العاصمة بغداد، وتحتوي على أقسام عديدة مثل: القانون، والإعلام، والادارة، والاقتصاد، والمصرفية، وطب الأسنان، والصيدلة... الخ، ورغم كثرة الجامعات التي اُفتِتَحَت خلال الـ 15 سنة الماضية إلّا أن مستوى التعليم في تراجع مستمر.

وترى نهلة أنَّ "التغلُّب على المشاكل يحتاج الى سياسات تعليمية، تأخذ على عاتقها تطبيق معايير الرصانة الحقيقية والجودة، بعيداً عن الحزبية والعشوائية، التي تُمثِّل تهديداً مباشراً للعملية التعليمية؛ ممَّا يُنذِر بفشل كبير له آثاره على الطلبة وعلى الجامعات وعلى المجتمع مستقبلاً"، بحسب قولها.

وشدَّدت  نهلة في حديثها على ضرورة "إبعاد الجامعات عن تدخُّل الأحزاب والعشائر، وأي جهات أخرى باعتبارها مؤسَّسات لها كيانها واستقلاليتها".

وختمت قائلة:"نأمَل توفير دعائم للبيئة الجامعية الرصينة المطابقة لمعايير الجامعات العالمية ذات الجودة العالية التي تنهض بالمجتمع".

أمّا أستاذ "التربية الإعلامية" في كلية الفارابي الجامعة فيوجز الحلول في بضع نقاط، يقول: "يُمكن التغلُّب على هذه التحديات من خلال تطوير الكوادر التدريسية، وابتعاثهم، وتحسين ظروف معيشتهم، وإعطاء المجال لفئة الشباب ليأخذوا دورهم بشكل أمثل، ويمكن التغلب على التحديات أيضاً عندما ترصد الحكومة ميزانية تُضاهي بقيّة دول العالم للتعليم، وزيادة فرص التعيين، وإنشاء مراكز بحثية، وتطبيق البحوث في الميدان، وتفعيل نظام اللامركزية الإدارية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard