هل مرّ بنو إسرائيل من لبنان؟

الأربعاء 20 مارس 201901:12 م


هذا السؤال يتطلب للإجابة عليه عناصر عدة، أهمها تحديد معنى تسمية لبنان الواردة في العهد القديم، وتحديد البقعة الجغرافية المقصودة بهذه التسمية، فضلاً عن واقعها المناخي والنباتي. فليس تفصيلاً أن يكون لبنان مذكوراً في الكتاب المقدس 70 مرة، وأرزه 75 مرة، وصور 59 مرة وصيدا 50 مرة. وهذا الأمر وضع لبنان في مرتبة مميزة لدى كثير من الباحثين والمؤرخين الذين افردوا صفحات من دراساتهم لتبيان التطابق بين لبنان المذكور في العهد القديم من الكتاب المقدس، وبين لبنان الحالي. وبعضهم ذهب إلى حد القول إن النبوءات المذكورة في العهد القديم حول لبنان، تحققت بوقوع الحرب الأهلية في العام 1975 (مثلاً: "افتح يا لبنان بابك ولتأكل النار أرزك"- زكريا 11: 1:2). إذاً، لبنان الحالي بالنسبة إلى عدد كبير من المؤرخين هو جزء كبير من لبنان الذي نعيش فيه اليوم، وهو يمتد "من جبل بعل حرمون إلى مدخل حماة..."(قضاة 3:3).

لكنْ هناك مؤرخون وباحثون آخرون رأوا عدم ملاءمة الأوصاف والعناصر الواردة في العهد القديم عن تسمية لبنان مع المنطقة المدعوة لبنان اليوم. واستندوا إلى تحليل نصوص الكتاب المقدس لتبيان أن المقصود من تسمية لبنان منطقة في شمال اليمن ويُلخّص الدكتور لطيف الياس لطيف هذا الاستنتاج في كتابه "لبنان التوراتي في اليمن" بـ"ان لبنان التوراتي هي منطقة تدعى "ليبنان" في شمال اليمن من بلد همدان بمخلاف خولان العالية. ولسنا أول من قال ذلك، فالباحث كمال صليبي في كتابه "التوراة جاءت من جزيرة العرب"، يعيد قراءة النص الوارد في سفر زكريا 11: 1 – 3، وفي نشيد الأنشاد 4: 8 و7:4 في ضوء جغرافية اليمن. وهو يرى أن لبنان الوارد في هذين الموضعين هو ليبنان اليمن وليس لبنان الشام".

فهل مرّ بنو إسرائيل في لبنان الشام أم في ليبنان اليمن؟

الموقع الجغرافي

ورد اسم لبنان سبعين مرة في العهد القديم. وقد اقترن ذكره بذكر شجر الأرز في العديد من الآيات. والكتاب المقدس- العهد القديم، شكّل بالنسبة إلى كثير من المؤرخين والباحثين سنداً موثوقاً به لإثبات تقاطع جغرافي بين لبنان الحالي ولبنان المذكور في التوراة. فالدكتور نبيل خليفة يقول في كتابه "مدخل إلى الخصوصية اللبنانية"، إن اسم لبنان يرد على لسان الأنبياء على أنه "جبل شاهق فخيم في شمال نهر الليطاني يتاخم أرض الميعاد عند حدودها الشمالية"، ويوسف سودا يربط في كتابه "تاريخ لبنان الحضاري" بين لبنان ككيان قديم وبين اسم لبنان واسم أرزه كأساس تاريخي قديم ومكتوب ورد في التوراة عشرات المرات، وفي هذا السياق يؤكد المؤرخ البلجيكي الأب هنري لامنس أن "الأرز الذي تحدثت عنه التوراة هو نفسه الأرز الموجود في الوقت الحاضر في لبنان". ويستند لامنس في تأكيده إلى أن "تسمية الأرز العبرانية لم تختلف لا قديماً ولا حديثاً"، وأن أرز لبنان الحاضر "يتفق في الأوصاف والخصائص مع تلك التي أعطيت للأرز الذي تحدث عنه في الكتاب المقدس أشعيا وحزقيال كامتداد اغصانه الوارفة الظل(الغبياء الظل يقول أشعيا) ورائحته المميزة والزكية وبهائه ووفرته".

كذلك ينقل جوزف الخوري طوق عن انطوان خوري حرب أن "التوراة حددت لبنان طبيعياً وجغرافياً"، استناداً إلى أن الكتاب المقدس "يحدد لبنان الطبيعي وامتداده الجغرافي على الشكل الآتي: "... جميع الكنعانيين والصيدونيين والحويين المقيمين بجبل لبنان، من جبل بعل حرمون إلى مدخل حماة..."(قضاة 3:3). بينما خرج مؤرخون وباحثون آخرون لينقضوا هذه المسلمات ويقولوا بأن لبنان المذكور في العهد القديم لا يمت بصلة إلى لبنان الحالي، بل المقصود لبنان آخر موجود في اليمن. وقد خرج بهذه النظرية المثيرة للجدل المؤرخ كمال صليبي من خلال كتابه "التوراة جاءت من جزيرة العرب"، وتبعه في التأكيد عليها الدكتور لطيف الياس لطيف في كتابه "لبنان التوراتي في اليمن".

وأصحاب الرأيين، أي الرأي القائل بأن لبنان في العهد القديم هو لبناننا الحالي (أو جزء منه على الأقل)، والثاني القائل بأنه ليس لبناننا، يستندون في تحليلهم إلى النص التوراتي ويعتبرونه مرجعاً أساسياً "لإعطاء حكم ثابت ويقيني في مقولة تتعلق بوجود أرض التوراة". وهو أمر لا يمكن التحقق منه بغياب أبحاث ونتائج أريكيولوجية، خصوصاً مع غياب المسح الأثري لمناطق غربي شبه الجزيرة العربية.

من أين أتى اسم لبنان؟

قبل البحث في جغرافية لبنان في العهد القديم، لا بد من البحث عن مصادر للتسمية. من أين أتى اسم لبنان؟

يقول لطيف الياس لطيف إن اسم لبنان "ورد سبعين مرة، كلها في العهد القديم، بصيغته العبرية (لبنون) وهي مشتقة من هـ- لبونة التي تعني اللبان"، ويتابع لطيف أن الكلمة "لبنون" ترجمت إلى اليونانية تحت اسم ليبانوس، التي تعني دون أدنى شك اللبان أو البخور المشتق منه. ويُرجع البعض كلمة "لبنون" إلى الجذر "لبن" بالعبرية ومعناه البياض، وهذا يتلاءم برأيهم وجبال لبنان المتوسطي التي تكللها الثلوج". وهو الرأي الذي يجنح إليه د. نبيل خليفة حينما يقول إن "معظم المؤرخين وعلماء اللغة مجمعون على أمر أساسي وهو أن لفظة لبنان ترجع إلى جذر لغوي ساميّ "ل ب ن" ويفيد البياض". حتى أن كمال صليبي نفسه، كان قد أشار في كتابه "منطلق تاريخ لبنان"(1979) وهو كتاب سابق لكتابه "التوراة جاءت..."، إلى أن "لبنان عبارة جغرافية أطلقت منذ القدم على منطقة جغرافية محاذية لساحل "بلاد الشام" ومفاد لفظة لبنان (من الجذر السامي لبن) هو البياض". ويذكر خليفة العديد من المؤرخين الذين يتفقون مع هذا الجذر للتسمية. كما يذكر تعليلين آخرين، على الأقل لهذه التسمية، و"إن كانا أقلّ شهرة من التعليل الأول: أولهما أن اسم لبنان مرتبط بشجر اللبان، أو اللبنى، وهو المعروف بالبخور عند العرب... وثانيهما إسم بطل مؤله كانت تحمله هذه الجبال منذ أزمنة سحيقة وهو ذو عظمة وسيادة بارزة".

هذا الأمر وضع لبنان في مرتبة مميزة لدى كثير من الباحثين والمؤرخين الذين افردوا صفحات من دراساتهم لتبيان التطابق بين لبنان المذكور في العهد القديم من الكتاب المقدس، وبين لبنان الحالي.

ورد اسم لبنان سبعين مرة في العهد القديم. وقد اقترن ذكره بذكر شجر الأرز في العديد من الآيات. والكتاب المقدس- العهد القديم، شكّل بالنسبة إلى كثير من المؤرخين والباحثين سنداً موثوقاً به لإثبات تقاطع جغرافي بين لبنان الحالي ولبنان المذكور في التوراة.

هل مر بنو إسرائيل في لبنان؟ الجواب كما أسلفنا، يرتبط بمعطيات كثيرة، أبرزها أركيولوجية وهذه غير متوافرة بشكل يتيح التوصل إلى أحكام نهائية في هذه المسألة، وأخرى لغوية 

الميزات المناخية والنباتية

التسمية وأصلها، مهمان للتثبت من الميزات والمواصفات الجغرافية والنباتية والمناخية الممنوحة للبنان التوراتي. وهو الأمر الذي يعمل على محاولة ليّه وتطويعه لصالحهم أصحاب النظرية القائلة بأن لبنان اليمني هو المقصود في العهد القديم. فيذهب لطيف إلى حد الاعتبار بأن الأرز المذكور في العهد القديم ليس أرزاً، بل هو نوع من العرعر، وهو يستند بذلك إلى إشارة للباحث غسان خلف في كتابه "لبنان في الكتاب المقدس"، إلى "إحتمال أن يكون الأرز المذكور في سفر اللاويين 14، وسفر العدد 19 و24، هو نوع من العرعر وليس أرز لبنان، ويسمى بالعبرية أيضاً أرزاً". وينتهي إلى حسم ما توصل إليه بالقول إن شجر الأرز المقصود هو شجر العرعر، مستنداً بذلك إلى سفر العدد 24:6، الذي يذكر "الأرز الذي على المياه، وهذا أيضاً ليس أرز لبنان بل هو العرعر. وفي سفر حزقيال يتكرر ذكر الأرز على المياه ثلاث مرات...". ولطيف هنا يربط بين الطبيعة الجيولوجية والنباتية للأرز المذكور في العهد القديم، على أنه أرز على المياه، وهو ما يتعارض مع أرز لبنان الحالي، الذي ينبت في المرتفعات الشاهقة، وليس عند مجاري المياه. لكن نظريته تعود لتصطدم بـ"ثلج لبنان" أو "شلج لبنون"(بالعبرية)، وهي العبارة الواردة في سفر آرميا، و"قد اعتبرت أنها تعني ثلج لبنان... وقد تمسك بها الباحثون بشدة وأعتبروها مسلمة بديهية". وتسمية لبنان (من البياض) بحسب نبيل خليفة هي "أقدم اسم لدولة في العالم... فهي تسمية لا ترتكز إلى متحولات سلالية أو عرقية أو شخصية، بل إلى ثوابت جغرافية ازدوجت بحوافز تاريخية فشكلت هذا الوجه الثابت للخصوصية اللبنانية عبر التاريخ".

يستند لطيف إلى خلاصات توصل إليها قبله الباحث كمال صليبي في كتابه "التوراة جاءت من جزيرة العرب"، الذي يؤكد وجود "جبل لبنان المعروف بالشام والشجر فيه هو الأرز. وهناك أيضاً لبنان في الحجاز، وقد ذكر الجغرافيون العرب (ومنهم ياقوت الحموي) أنه "جبلان قرب مكة يقال لهما لبن الأسفل ولبن الأعلى"، وإضافة إلى ذلك هناك ليبنان في شمال اليمن... وليبنان (وليس لبنان الشام أو لبنان الحجاز) هو لبنون الذي يشير إليه سفر زكريا (11: 1 – 3). والأرز لا وجود له في تلك المنطقة والشجر الذي يكثر في جوارها هو العرعر".

ولهذا يتوافق لطيف في استنتاجاته مع استنتاجات الصليبي الذي يخلص إلى أن "البيئة التاريخية للتوراة لم تكن في فلسطين، بل في غرب شبه الجزيرة العربية بمحاذاة البحر الأحمر، وتحديداً في بلاد السراة بين الطائف ومشارف اليمن. وبالتالي فإن بني اسرائيل من شعوب العرب البائدة أي شعوب الجاهلية الأولى..."، وهو بذلك ينفي من وجهة نظره أن يكون بنو اسرائيل قد مروا في لبناننا الحالي، بل هم مروا بحسب رأيه في ليبنان في شمال اليمن. حتى أن لطيف يذهب إلى القول إن المجاعات وانحباس المطر والجراد الذي أتى العهد القديم على ذكرها والتي أصابت أرض إسرائيل، إنما تدل على أن طبيعة الجغرافيا والمناخ صحراوية، ويرى لطيف أن مسرح واقعة الجفاف التي حدثت في زمن النبي إيليا وانحباس المطر، كان في شبه الجزيرة العربية، "وعندما توجه إيليا إلى صرفة صيدون لم يتوجه في الواقع إلى جنوب لبنان... بل توجه إلى صيدون اليمنية التي رجحنا أن تكون بلدة صعدة حيث منطقة ليبنان وحرمون وصور وجبل الكرمل عند ساحل البحر الأحمر...". وعلى هذه النقطة يسجل الأب بولس فغالي اعتراضه، إذ يؤكد أن الحفريات الأركيولوجية في منطقة الصرفند (صرفت(ة) صيدا) حدثت "فتبين وجود موقع مع معبد. فإلى صرفت هذه جاء إيليا النبي".

وهذا ما يتوافق مع تفسير أنطوان الخوري حرب، الذي يستنتج بعد قراءة آيات العهد القديم أن "اسم لبنان شمل السلسلة الشرقية بكاملها وهي التي تشكل مع السلسلة الغربية من جهة الشمال مدخلاً لمدينة حماة عبر الهضبة السهلية للبقاع... ويعني أن لبنان شمل هضبة البقاع والسهول الساحلية الواقعة على البحر المتوسط حيث يقيم الصيدونيون". وهنا يتبدى الخلاف واضحاً بين من يقولون إن صيدون على البحر الأحمر، ومن يقولون إنها على البحر المتوسط. لكن الأقرب إلى المنطق يبقى رأي القائلين بتقارب بين لبنان التوراتي ولبنان الحالي لجهة التسمية والخصائص الجغرافية والجيولوجية والنباتية والمناخية، فضلاً عن أسماء المناطق التي تتطابق بشكل كبير مع اسماء مناطق حالية في لبنان مذكورة بشكل كبير في العهد القديم (صور وصيدا). كما أن غياب الحفريات الأركيولوجية في شبه الجزيرة العربية يحول دون التأكد من احتمال أن يكون لبنان المذكور في العهد القديم هو ليبنان اليمني.

خلاصة

هل مر بنو إسرائيل في لبنان؟ الجواب كما أسلفنا، يرتبط بمعطيات كثيرة، أبرزها أركيولوجية وهذه غير متوافرة بشكل يتيح التوصل إلى أحكام نهائية في هذه المسألة، وأخرى لغوية وهي ما بالغ كمال الصليبي ولطيف الياس لطيف في الاعتماد عليها، والتي بدورها لا توصلنا وحدها إلى حكم نهائي، فضلاً عن عناصر جغرافية وجيولوجية ومناخية ونباتية، وهي عناصر تصب في صالح أصحاب النظرية القائلة بأن لبنان الحالي (بلاد الأرز) هو نفسه لبنان المذكور في العهد القديم، وهم أغلبية بالمناسبة. بيد أن السؤال، بغياب حفريات أثرية ناجزة، يبقى معلقاً، من دون جواب نهائي.

المراجع:

خليفة، د.نبيل، مدخل إلى الخصوصية اللبنانية، مركز بيبلوس للدراسات، طبعة ثالثة، 2008.

الياس لطيف، د.لطيف، لبنان التوراتي في اليمن، دار الجنوب للطباعة، آذار 2000.

خلف، غسان، لبنان في الكتاب المقدس، دار منهل الحياة، 1985.

الصليبي، كمال، التوراة جاءت من جزيرة العرب، مؤسسة الأبحاث العربية، طبعة عربية ثامنة، 2006.

سودا، يوسف، تاريخ لبنان الحضاري، دار النهار للنشر، 1979.

لامانس، الأب هنري، تسريح الأبصار في ما يحتوي لبنان من آثار، طبعة ثانية، 1914.

فغالي، الأب بولس، مقالة على موقعه الإلكتروني

الخوري طوق، جوزف، الإمبراطورية الحضارية اللبنانية، (دار النشر غير مذكورة- طُبع على نفقة المؤلف).

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard