الحراك الطلابيّ السودانيّ: من أين تأتي هذه الشجاعة؟

الأربعاء 20 مارس 201908:12 ص


يعاد المشهد مع اختلاف الأشخاص والأماكن، لكنها أحداث متكررة وشبه متطابقة. تفاعل الحراك الطلابي مع الثورة يتم كالآتي: يعلن الطلاب عن اعتصام داخل حرم الجامعة، يتخلف المتخاذلون كما يراهم زملاؤهم، تتوجة سيارات قوات جهاز الأمن لمحاصرتهم، تتخلى عنهم إدارة الجامعة، يقتحم العسكر المكان، يضربونهم، يعتقلونهم ويطلقون عليهم الغاز المسيل للدموع، تنتشر الصور على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ثم ننام لنستيقظ على السيناريو ذاته لكن في جامعة أخرى.

حسنًا، هذا ملخص الأمر وبإمكانك العدول عن قراءة بقية المقال الآن. لأن كل ما سأقوم به هو سرد وقائع بارزة ومحاولة متواضعة لفهم، ما الذي يجعل الأمر كدوامة لا نهائية، متى يغير النظام طريقته؟ أليس تجريب الشيء نفسه عدة مرات وانتظار نتيجة مختلفة هو تعريف الجنون؟! هل جنَّ البشير وجماعته؟

"خطر "جامعة الخرطوم

منذ انضمامي إلى جامعة الخرطوم، سمعت في أرجائها قصص الذين سبقوني. من مباني مجمع الوسط العريق خرجت مظاهرات أسقطت أنظمة استبدادية سودانية، لذا كان من الطبيعي تحصين البشير من أبناء جامعتي، وهو يفعل ذلك بانتظام، أنا شهدت إغلاق الجامعة لأسباب "أمنية" عام 2002، استمر لستة أشهر.

لذلك، فإن جامعة الخرطوم وجميع مؤسسات التعليم العالي الحكومية مغلقة لأجل غير مسمى منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في كانون الأوّل، ديسمبر الماضي، فإن ردود فعل النظام متوقعة وبديهية.

جامعة الخرطوم بموقعها القريب من وسط المدينة، تحديداً السوق العربي وشارع القصر، وهو الشارع المؤدي للقصر الجمهوري، يشكّل نقطة انطلاق ممتازة للمظاهرات، فيجب أن تخرج من خريطة الثورة وللأسف تحققت امنية النظام، فإن شارع الجامعة لم يدخل في مسارات المظاهرات حتى الآن.

في مرحلة الدراسة ركضت مرات عدة واختبأت مع زملائي في المعامل، وتحصناً بسكن طالبات خاص قريب من الكلية، كل ذلك في أحداث متفرقة قادت لدخول قوات مكافحة الشغب إلى جامعة الخرطوم، عرفنا رائحة الغاز المسيل للدموع وجرب البعض مهارات القفز عبر الأسوار. 

كليات القطاع الخاص

بإزاحة طلاب القطاع الحكومي من مكان تجمعهم في كلياتهم وإغلاقها، توقّع الجميع أن تخرج الحركة الطلابية من الحدث، بالتأكيد سيشاركون في المواكب والمسيرات الجماهيرية لكنهم في تلك الحالة انضموا للشارع كمواطنين لا كطلبة.

ما أدهش النظام هو رد فعل طلاب الطبقة المتوسطة والعليا، الذين تشملهم نظرة نمطية تصم صاحبها بالابتعاد عن الواقع السوداني. على الأرجح، هؤلاء الشباب لم يجربوا من قبل هجمات قوات مكافحة الشغب، وكان هذا اللقاء الأوّل معها.

في مرحلة الدراسة ركضت مرات عدة واختبأت مع زملائي في المعامل، وتحصناً بسكن طالبات خاص قريب من الكلية، كل ذلك في أحداث متفرقة قادت لدخول قوات مكافحة الشغب إلى جامعة الخرطوم، عرفنا رائحة الغاز المسيل للدموع وجرب البعض مهارات القفز عبر الأسوار. طلاب الجامعات الخاصة لم يخوضوا هذه التجربة.

إن السياسة في جامعة الخرطوم هي جزء من الحياة الجامعية، تمرّ بالرصيف الرئيسي المنحدر من البوابة والمتجه للمكتبة الكبرى، أو كما يسميه الجميع بالـ Main اختصارًا للـ main road (أي الطريق الرئيسي). فتجد تجمهراً من الطلبة حول كرسي عليه لافتة توضح موضوع الحوار وأحدهم في المنتصف بصوت جهور يُخاطبهم.

في المقابل يوقّع أغلب طلاب الجامعات الخاصة على وثيقة بعدم ممارسة السياسية في الجامعة، كجزء من إجراءات القبول. لكن ما قيمة هذا الاتفاق المبرم بين طلاب وإدارة حين يكون الهمّ أكبر من نقاش سياسي؟ فبينما يخرج المواطنون في الطرقات لإسقاط النظام، من المؤسف - حسب رأيي - أن ندقق في شروط كهذه.

بين الخوف على المستقبل والحماس الثوري

إن الاتفاق على الاعتصام في جامعة الخرطوم الاتفاق هو أسهل لأن العواقب أقل. فعلى عكس الجامعات الخاصة، من النادر أن تجد اهتماماً شديداً بقوائم الحضور والغياب في الجامعات الحكومية. في " UMST- جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا" نقص الحضور بمعدل 15 في المئة، يعني حرمان الطالب من التقديم للامتحان.

يمكنني تفهم تردد الطلاب في الاعتصام، بينما يشعرون بتهديد لمستقبلهم، وذلك لأن طلاب السنة الأخيرة من الدراسة قد بقي على تخرجهم الجامعي وقت قليل، ماذا لو تمادت الإدارة وتم فصلهم؟ أليست بنود العقد ألا تتظاهر، لا تعتصم ولا تعلق على الشأن العام؟

لكن الأغلبية تهيج بروح ثورة لا تهدأ، حمدا لله.

منذ انضمامي إلى جامعة الخرطوم، سمعت في أرجائها قصص الذين سبقوني. من مباني مجمع الوسط العريق خرجت مظاهرات أسقطت أنظمة استبدادية سودانية، لذا كان من الطبيعي تحصين البشير من أبناء جامعتي.

قمع اعتصام سلميّ

لأنها بدأت بكليات معدودة وتتمحور حول مالكها المثير للجدل، تشتهر UMST باسم "مأمون حميدة". رجل النظام المقرب، المليونير ووزير الصحّة الفاسد د. مأمون يجمع في كلية الطب خاصته طلاباً من أبناء المهجر أغلبهم.

يختارها أولياء أمور مهاجرون لأبنائهم لأنها تدرس الطب وجميع المواد باللغة الإنجليزية ولأن درجات القبول فيها أقل من مثيلتها في جامعة الخرطوم، ولأن الحكومي يحدد مقاعد معدودة للشهادات الثانوية غير السودانية. إذن طلابها لم يولدوا في البلاد، ولا يجيدون لغتها أيضاً، ينتقدهم السودانيون وهم يتحدثون باللغة الإنجليزية خارج قاعات الدرس.

هؤلاء هم أبرز من ثار ضد الحكومة مؤخراً، قابل النظام اعتصامهم السلمي بقمع شديد. الأمر الذي أحرج مدير الكلية خاصة أن صورة له التقطت وهو يتفرج على قوات الأمن وهم يأسرون الطلاب ويقيّدونهم كمجرمين. في اليوم التالي أغلقت الجامعة أبوابها ولحقت بجامعة الخرطوم، إغلاق غير محدود بزمن مع رسالة يبرئ فيها مأمون نفسه من الجريمة ويعتذر.

في المقابل يوقّع أغلب طلاب الجامعات الخاصة على وثيقة بعدم ممارسة السياسية في الجامعة، كجزء من إجراءات القبول. لكن ما قيمة هذا الاتفاق المبرم بين طلاب وإدارة حين يكون الهمّ أكبر من نقاش سياسي؟ 

"مقتل طالب... مقتل أمة"

في عهد الرئيس عبود، قُتل قرشي، الذي كان طالبًا في جامعة الخرطوم، وانتشر أثر ذلك هتاف مشهور ينتقل من جيل إلى جيل: "مقتل طالب.. مقتل أمة". بعده قُتل أبوبكر، طالب كلية الاقتصاد، في الألفية الثالثة برصاص طائش وبينهما قتلى آخرون، اعتدنا في جامعتي ذكريات الرعب المتناثرة التي تمضي كما لم تكن في ازدحام العملية التعليمية.

لا أريد أن أفرق بيننا، ربما يظن القارئ أنني أتحيّز إلى الحكومي أو أميل للصور النمطية عن طلاب الجامعات الخاصة، لكنني فقط أرسم لكم التحوّل الذي طرأ على الحراك الطلابي، فالواقع قبل 19 ديسمبر 2018 ليس كما بعد هذا التاريخ.

مثلاً، المجازفة التي قام بها محجوب الطالب في جامعة السودان العالمية الخاصة لأن الموت لا يخطر له على بال وهو يستخدم جسده كدرع بشرية بين قوات النظام وزميلاتها على أبواب كلية. لكن رجال الأمن انقضوا عليه وضربوه حتى فارق الحياة. جريمة ذعر النظام من وقعها على المجتمع السوداني قليلاً وتحدث عن الشروع في تحقيقات. بعد فترة لم يعد هنالك من يسأل "أين قتلة محجوب" فهنالك ما هو أحدث وتحول التركيز للموكب التالي.

في مقابلة مع قناة DW الألمانية، تتحدث أم محجوب عنه، تخيل أنها أرسلت ابنها ليتعلم في الوطن ويتعرف عليه بينما كان بإمكانها أن ترسله لأي دولة أخرى. أتمنى أن تنظر أم محجوب للصورة الكبيرة لسودان الغد وأن تعرف أن ابنها هو أحد أبطالنا الخالدين. لا مواساة في النصر، لكن علّ حبّ القضيّة سيكون السلوان الوحيد للأمهات.

الثورة مستمرة مع الطلاب

لا يتسع هذا المقال لأن أخبرتكم بكامل تفاصيل الحراك الطلابي وانبهاري به. وما زلت لا أجد إجابة على سؤالي: إن كان مشهد جامعة مأمون حميدة يتكرر وإن كان الطلاب يخرجون رغم معرفتهم بالطريقة التى مات بها محجوب، فلماذا يستمر النظام في تجريب المجرب؟ هل هو اليأس!؟ ومن أين تأتي هذه الشجاعة والإصرار لدى الطلاب؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard