لماذا تفضّل حماس فوز نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة؟

الخميس 21 مارس 201905:31 م

في الوقت الذي تسرّع فيه الأحزاب الإسرائيلية خطاها نحو استحقاق انتخابات الكنيست في التاسع من أبريل المقبل، تتصدر أزمة غزة دعايتها الانتخابية. بات الحديث عن غزة أشبه بعرف انتخابي يطرح نفسه بقوة على أجندة وبرامج المتنافسين في الانتخابات، كونها الملف الأكثر إلحاحاً في الوقت الراهن.

وبقدر ما تفرض غزة نفسها على أجندة المرشحين، بقدر ما تتأثر بالحملات الانتخابية وبشكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، كون الأخيرة ستحدد مصير عدة ملفات عالقة بين الجانبين، أبرزها ملف تفاهمات التهدئة وصفقة الجنود الإسرائيليين الذين أسرتهم حركة حماس خلال حرب 2014.

"لا مفاضلة بين الأعداء"

تُعتبر الانتخابات الإسرائيلية المقبلة من أكثر الانتخابات أهمية في تاريخ إسرائيل، وتأثيرها لن يقتصر على الجانب الإسرائيلي بل أكثر مَن يترقّب النتائج ويتأثر بها هم الفلسطينيون.

ومن المفارقة أن حالة الانقسام الفلسطيني وصلت إلى حد الاختلاف على المرشح الأفضل بالنسبة إلى طرفي الانقسام، حماس والسلطة الفلسطينية. ووفق عدة معطيات وتحليلات، تفضّل حركة حماس فوز نتنياهو بينما تفضّل السلطة صعود تحالف "أبيض أزرق".

ولكن عضو المكتب السياسي لحركة حماس سهيل الهندي يقول لرصيف22 إن لا علاقة للحركة بملف الانتخابات الإسرائيلية ولا يمكن تفضيل حزب إسرائيلي على آخر كون جميع الأحزاب من اليمن إلى اليسار معادية للشعب الفلسطيني وتتنكر لحقوقه المشروعة، والحركة تتعامل مع الاحتلال بكل مكوّناته بذات الطريقة، والمعادلة الموجودة حالياً ستبقى قائمة.

ويؤكد أن هناك مؤشرات إيجابية من طرف الوسيط المصري حول رغبة الاحتلال في الالتزام بتفاهمات التهدئة، مضيفاً: "ندرك أن العدو له حساباته الانتخابية ونحن كمقاومة لسنا طرفاً فيها ولا تعنينا".

"الهدوء مقابل الهدوء"

في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، يواجه حزب الليكود بزعامة رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو قائمة تحالف "أزرق أبيض" المكوّن من حزب قائد الجيش السابق بيني غانتس (الصمود لإسرائيل) وحزب السياسي يائير لابيد (يش عتيد) وشخصيّات إسرائيليّة بارزة مثل وزير الدفاع الإسرائيلي السابق موشيه يعلون، ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غابي أشكنازي، في ما بات يُعرف بـ"تحالف الجنرالات".

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني طلال عوكل لرصيف22 أنه وفق المعطيات الموجودة فإن أفضل الخيارات السيئة لحماس هو فوز رئيس الحكومة الحالية بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية لرغبته في المحافظة على حالة الهدوء واستكمال مباحثات اتفاق التهدئة والتخفيف من الأزمة الإنسانية في غزة، وهذه أولويات الحركة حالياً.

ويضيف أن الهدف من رغبة نتنياهو في التهدئة هو تعزيز الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ضمن المخطط الإسرائيلي لضرب المشروع الوطني الفلسطيني.

ويعتبر عوكل أن السلطة في المقابل تفضّل الجنرالات الذين لديهم رؤية باتجاه حل الدولتين، بعكس نتنياهو الرافض بالمطلق وبشكل علني لحل الدولتين، إذ تأمل السلطة بأن يُعيد صعود الجنرالات الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات، وهو ما تسعى إليه منذ سنوات.

وفي طرحه السياسي، تحدّث حزب "أبيض أزرق" عن رؤيته في ملف من 45 صفحة، أعرب فيه عن استعداده لخوض مفاوضات مع الفلسطينيين، وتطرق فيه إلى المسائل السياسية الأساسية الكبرى ذات الصلة بالحل السياسي، وأعلن رغبته في "الانفصال عن الفلسطينيين" دون ذكر صريح لدعم "حل الدولتين"، لكنه رفض الانسحاب من الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية ومن غور الأردن والجولان، كما طالب ببقاء "القدس الموحَّدة" عاصمة لإسرائيل.

وشدد عوكل على أنه مع قبول بعض الأطراف القليلة في إسرائيل، مثل الجنرالات، بحل الدولتين، فإن فرص العودة إلى المفاوضات تبقى ضعيفة، لأن إسرائيل حالياً تعمل على إزاحة كل الحقوق والثوابت الوطنية عن الطاولة مثل القدس واللاجئين والحدود.

وقد تؤثر طبيعة الفائز بالانتخابات الإسرائيلية على الطروحات النهائية التي ستتضمنها الخطة الأمريكية للسلام المعروفة إعلامياً بصفقة القرن.

ورغم أن تفاصيل هذه الصفقة لم تُعلن حتى الآن، فإن ما نشرته وسائل إعلام عربية وغربية تشير إلى أنها مبنيّة على تصوّر أقرب إلى حزب الليكود، كونها تربط الحل النهائي للقضية الفلسطينية بتطبيع الدول العربية مع إسرائيل ودمجها في المحيط العربي، مع الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وبدون أي ذكر لحقوق اللاجئين.

"المفاضلة الصعبة"

من الصعب المفاضلة بين الأحزاب الإسرائيلية كونها تتساوى في عدائها للجانب الفلسطيني وتخوض معركتها الانتخابية على حسابه، فقد بات عرفاً انتخابياً أن يجري التشدد في الخطاب ذي الصلة بالفلسطينيين، لرفع الأسهم الانتخابية.

ومنذ أن أُعلن عن موعد الانتخابات المبكرة، يجري تصعيد كبير في مدن الضفة والقدس، إذ كثّف الجيش الإسرائيلي من الاقتحامات والاجتياحات التي ينفّذها في الضفة الغربية والقدس كما كثّف من هجماته في غزة.

وهناك مؤشرات لا يمكن تجاهلها وهي أن نتنياهو هو الشخصية الأقوى في إسرائيل حتى الآن والأقدر على فرض أي اتفاق، وإذا ما فاز في الانتخابات المقبلة وتولّى ولاية خامسة، سيكون صاحب أطول مدة في رئاسة الحكومة في تاريخ إسرائيل، وبالتالي يمكن أن يتوصل إلى اتفاق تهدئة طويل مع حماس وهو ما تسعى إليه الحركة.

ومن ناحية أخرى، منع نتنياهو الحرب ضد غزة عدة مرات في السنوات الأخيرة بحسب التصريحات الإسرائيلية، وذلك لعدم رغبته في التورط بوحولها، في ظل غياب رؤية سياسية للتعامل مع القطاع الذي يعتبره عبئاً كبيراً، إذ لا توجد أطماع لدى إسرائيل فيه.

وذكرت صحيفة "إسرائيل اليوم" في تقرير أن السبب الحقيقي وراء رفض القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية مهاجمة غزة هو أنها عرضت على عدّة دول عربية تحمّل المسؤولية في القطاع، ولكنها رفضت، ما يمنع إسرائيل من مهاجمته لعدم وجود بديل عن حماس، خاصةً أن السلطة الفلسطينية بقيادة فتح ضعيفة في القطاع المحاصَر.

وبالتالي فإن الحل العسكري لن ينهي مشكلة القطاع، لذا يعزز نتنياهو معادلة الهدوء مقابل الهدوء التي تضمن أمن مناطق جنوب إسرائيل.

من الصعب المفاضلة بين الأحزاب الإسرائيلية كونها تتساوى في عدائها للجانب الفلسطيني وتخوض معركتها الانتخابية على حسابه... ولكن قراءة كل من حركة حماس وحركة فتح لمشهد انتخابات الكنيست تختلف كثيراً
بقدر ما تفرض غزة نفسها على أجندة المرشحين للكنيست، بقدر ما تتأثر بحملاتهم الانتخابية وبشكل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، كون الأخيرة ستحدد مصير عدة ملفات عالقة، أبرزها التهدئة وصفقة الجنود الإسرائيليين الأسرى

بدورها، تراهن حماس على أن نتنياهو هو رئيس الوزراء الذي عقد معها صفقة تبادل الجندي جلعاد شاليط، عام 2011، بوساطة مصرية، وإذا ما تولّى رئاسة الحكومة القادمة سيكون على استعداد لعقد صفقة أسرى جديدة مقابل الجنود الإسرائيليين الأسرى في غزة.

وفي ذات السياق، فإن نتنياهو غير مقتنع بأي حل سياسي وأنهى حل الدولتين فعلياً بسياسة الأمر الواقع، وهو ما أضعف حركة فتح والسلطة الفلسطينية التي تسعى منذ سنوات إلى إحياء المفاوضات، في مواجهة خصمها السياسي حماس. وفوز نتنياهو يعني أن لا أمل بأيّة مفاوضات وحلول سياسية، وبالتالي سيستمر في سياسة إضعاف السلطة والعمل على اتفاق مع حماس لتهدئة جبهة غزة.

وعلى النقيض، فإن فوز تحالف الجنرالات المحسوبين على اليسار والوسط الإسرائيلي سيدفع نحو سياسة ردع أكبر لحماس وعدم عقد أيّة اتفاقات معها وإنما العودة إلى المفاوضات مع السلطة الفلسطينية والسعي للتوصل إلى حل سياسي، وبالتالي إنعاش مشروع التسوية في مقابل إضعاف حماس.

ويعتبر اليمين الإسرائيلي أن عقد اتفاق تهدئة في غزة دون الضفة، وبعيداً عن السلطة، يحقق مصلحة إسرائيلية كونه يعزز حالة الفصل بين الضفة وغزة ويصعّب إمكانية قيام دولة فلسطينية، وهو ما يسعى إليه هذا اليمين الذي يرفض أي شكل للدولة الفلسطينية. وقد صرح نتنياهو عدة مرات بأنه لن يقبل بقيام دولة فلسطينية ولن يسمح للفلسطينيين إلا بحكم ذاتي.

نتنياهو يسوّق الهدوء

ذكرت شركة الأخبار المتلفزة الإسرائيلية في 21 فبراير 2019 أن إسرائيل نقلت إلى حماس عبر وسطاء دوليين ومصريين رسالة شديدة اللهجة مفادها أن خرق الهدوء على الحدود مع القطاع سيقابَل بإجراءات صارمة من جانب إسرائيل بغض النظر عن قرب موعد الانتخابات العامة في البلاد.

وبالفعل، شهدت الأيام الماضية تطوراً خطيراً بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي إطلاق صاروخين من قطاع غزة على منطقة تل أبيب دون وقوع ضحايا، وهي المرة الأولى التي تصل فيها الصواريخ إلى هذه المنطقة منذ انتهاء حرب 2014. وحمّلت إسرائيل حماس المسؤولية عن الصاروخين لأنها "المنظمة الرئيسية في قطاع غزة"، رغم نفي الأخيرة أيّة علاقة لها بإطلاقهما، وردّت بشن أكثر من 100 غارة على قطاع غزة.

يؤكد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية تيسير محيسن لرصيف22 أن تفاهمات التهدئة جاءت نتيجة مسيرات العودة وعدم رغبة الاحتلال في الدخول في عدوان موسع على غزة، وكان الهدف من التهدئة منع الانفجار والانزلاق نحو الحرب.

وانطلقت مسيرات العودة في 30 مارس 2018 وما زالت مستمرة بفعاليات أسبوعية شكّلت ضغطاً كبيراً على الاحتلال الإسرائيلي ما دفعه إلى القبول بتخفيف الحصار المفروض على غزة عبر إجراءات اتخذها في يونيو 2018، كان من أبرزها إدخال المنحة القطرية التي تُقَدّر بمبلغ 25 مليون دولار شهرياً، منها 10 ملايين للكهرباء و15 لدفع رواتب موظفي الحكومة في غزة ولإعانة الأسر الفقيرة.

وكان من المفترض الانتقال إلى المرحلة الثانية من التفاهمات التي تقضي بتوسيع مساحة الصيد إلى 20 ميلاً بحرياً وربط قطاع غزة بإسرائيل عبر خط الكهرباء 161، وفتح المعابر والسماح بإدخال السلع الممنوعة إلى القطاع، بينما تقضي المرحلة الثالثة بإنشاء ممر مائي بين غزة وقبرص يسمح بحركة السكان والبضائع، إلا أن مسار التفاهمات تعطّل نتيجة الانتخابات الإسرائيلية المبكرة. ويأمل الجانبان في استكمال الاتفاق عقب الانتخابات.

وأشار محيسن إلى أن نتنياهو يسوّق لنجاعة أسلوبه في التعامل مع غزة، بمعنى أن جبهة غزة مسيطَر عليها والتكتيك الذي يستخدمه لم يكلّف الاحتلال الكثير في مقابل الحصول على الهدوء وبالتالي هو الأفضل إذا ما قورن بالتصريحات التي تصدر عن اليمين المتطرف في إسرائيل.

ولفت محيسن إلى أن الجميع يحاول توظيف معطيات الواقع لكن الهدف واحد وحتى قيادات اليمين لا ترغب في الدخول في مواجهة موسعة مع غزة، لكنهم يطلقون خطابات حربية أحياناً طالما هم خارج الحكومة وخارج مركز القرار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard