"توحيد البيت السنّي" في لبنان... مواجهة حزب الله أو استمرار التسويات غير الشعبية؟

الأربعاء 20 مارس 201903:53 م

يختلف أبناء الطائفة السنّية في لبنان في ما بينهم حول تعريفهم لوضعهم وهويتهم وموقعهم، في ظل التحولات الكبرى المتسارعة في منطقة شهدت في السنوات الماضية مشهد تدمير المدن السنّية العريقة، على وقع اتهام شرائح سنّية بالضلوع في إنتاج الإرهاب وصناعته أو بتوفير بيئة حاضنة له.

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، كان السنّة في لبنان ينتظرون أن تنجح هذه الثورة في حل كل المشاكل التي يعانون منها، وأن تنهي مرحلة اضطهاد النظام السوري للشعبين السوري واللبناني، وما يستتبع ذلك من وضع حد لمشروع حزب الله.

انطلاقاً من هذا "الأمل" الذي تبدد لاحقاً، تعامل السنّة في لبنان مع اللجوء السوري بوصفه حصتهم من المعركة النهائية. وكان اللاجئون السوريون يحظون باحتضان سنّي ملحوظ، إضافة إلى تدفق الدعم والتبرعات لهم من عدة دول عربية وخليجية.

ولكن بعد انفجار أزمة اللجوء وتحوّلها إلى أزمة تحاصر الحضور السنّي وتضيّق عليه، وفي ظل استعصاء الحلول السياسية للأزمة السورية، تحوّل الأمر إلى مشكلة مزدوجة، إذ صار اللجوء السوري يضغط على المكان السنّي والعيش والاقتصاد السنّي، وصار الطرف السياسي المسيحي يُوظَّفه سياسياً بتصويره على أنه تمهيد لغزو ديموغرافي سنّي سيغيّر هوية البلد ويقضي على التوازنات الدقيقة فيه.

على ضوء ذلك كله، وبعد فترة من الإقامة الإلزامية في الخارج، عاد رئيس تيار المستقبل سعد الحريري إلى لبنان، وأنتج "التسوية المستحيلة" التي وضعت خصمه السابق العماد ميشال عون، مرشح حزب الله، في سدّة الرئاسة، تحت شعار تغليب مصلحة البلد على كل ما عداها.

ابتلع الجمهور السنّي هذا العنوان بصعوبة، خاصةً أن مسار الأمور السابق واللاحق أيضاً أشعر شرائح واسعة منهم بأنهم مواطنون من الدرجة الثالثة، إذ اعتبروا أن الخطط الأمنية لا تُطبَّق سوى في مناطقهم كما أن تهم التعاطف مع الإرهاب تسمح باعتقالهم دون محاكمات لفترات طويلة.

يُضاف إلى ذلك أن أوضاعهم الاقتصادية وحصتهم في الوظائف تقلّصت بعد سطوة التيار الوطني الحر وحزب الله على "سوق التوظيفات"، من خلال الوزارات التي سيطروا عليها بعد الانتخابات النيابية الأخيرة (2018) التي جرت وفق القانون النسبي الهجين الذي حجّم الجميع، بينما سمح للكتلة الشيعية بتأكيد هيمنتها على طائفتها من ناحية، وبفرض هيمنة عامة على البلد عبر تحالفاتها.

هذا الجو العام سبقته خلافات سنّية-سنّية داخل البيت المستقبلي، إذ كان وزير العدل الأسبق أشرف ريفي قد خرج على سعد الحريري رافضاً التسوية ومنطق مهادنة حزب الله، ما جعل المشهد السنّي مشتتاً ومتعدداً، وحوّل الحريري من ممسك بناصية القرار السنّي بشكل عام إلى مجرد قطب سنّي بارز، ولو كان الأبرز.

شكّل الحريري حكومته في ظل هذا الواقع، فكانت النتيجة تشكيلة يمسك حزب الله وحلفاؤه بالوزارات المهمة فيها. وبينما كان الجمهور السنّي ينتظر من الحريري، بعد إعلانه أنه "أب السنّة"، أن يترجم هذا العنوان إلى وظائف ودور ومكانة، يبدو أن واقع التسوية مع حزب الله والتيار الوطني الحر لا يسمح بذلك.

في هذه المناخات، فُتحت معركة الحرب على الفساد التي أطلقها حزب الله وتلقفها التيار الوطني الحر واتخذت طابع استهداف تراث الحريرية من خلال التصويب على رئيس الحكومة ووزير المالية الأسبق فؤاد السنيورة. تلقى السنّة جمهوراً ورجال دين وسياسيين الموضوع بوصفه تصويباً مباشراً على الطائفة، ما سمح بإنتاج ردة فعل وضعت السنيورة في موقع الممثل الرمزي للطائفة ككل.

سمح هذا الأمر باستيلاد مرجعية سنّية وظّفها السنيورة في إطار من الواقعية السياسية، فدفع باتجاه إجراء مصالحة بين الحريري وأشرف ريفي تمهّد لعدم خسارة تيار المستقبل لموقعه في عاصمة الشمال طرابلس.

ولكن حسابات الواقعية السياسية لم تلتقِ مع حسابات الجمهور السنّي، فقد تلقف الجمهور مشهد المصالحة بوصفه إعادة إنتاج لمنطق المواجهة مع حزب الله، لانتزاع الحق السنّي المسلوب، في حين أن المشهد لا يحتمل مثل هذا التأويل لأن ظروفه وأسبابه محددة. ولكن الجمهور والكثيرين من المحللين رفعوا عنواناً مغرياً هو عنوان "توحيد البيت السنّي".

بحثاً عن نسخة سنّية من الثنائية الشيعية

تعامل الجمهور السنّي اللبناني المحبَط مع المصالحة التي جرت بين الحريري وريفي بوصفها إعلاناً رسمياً عن نشوء ثنائية سنّية تختصر السنّة وتوحّدهم، على غرار الثنائية الشيعية (تحالف حزب الله وحركة أمل)، وتساهم في إعادة التوازن المفقود بينهم وبين الحضور الشيعي على كل المستويات.

راما الجراح فتاة جامعية تعرّف نفسها بأنها سنّية وتعتبر أن ما يهمها في هذه المصالحة هو "توحيد جميع القيادات السنّية تحت شعار شد العصب السنّي، لأننا إذا نظرنا إلى المقلب الآخر وإلى الطرف الشيعي المتمثل بحركة أمل وحزب الله، نجد أنه يتّفق على العناوين الرئيسية، ما يصعّب أيّة محاولة لكسره، في حين أننا كسنّة لا نفعل الأمر نفسه".

تعرّف الجراح السنّة على أنهم "طائفة مظلومة"، وتشدد على أن رفع الظلم لا يكون من خلال الأداء السياسي ولكن من خلال "تغليب مصالح الطائفة وأبنائها على الاعتبارات السياسية ومبادرة السياسيين السنّة إلى رعاية مطالب أبناء الطائفة قبل كل شيء".

تلفت إلى أن المصالحة في نظرها تنطوي على عنوان مواجهة هيمنة حزب الله، وتنظر إلى عنوان توحيد البيت السنّي بشكل يربطه مع عنوان معيشي يتعلق بالحصول على وظيفة مؤكَّدة، فهي ترى أن "كونك سنّياً الآن في لبنان، فهذا يُدخلك في نفق يصعّب عليك الحصول على وظيفة".

"توحيد البيت السنّي" بين المرحلي والإستراتيجي

لم يطرح أي من الطرفين عنوان توحيد البيت السنّي أو عنوان مواجهة حزب الله بشكل مباشر بل بدا الأمر وكأنه تموضع مرحلي في إطار معركة الانتخابات النيابية الفرعية التي ستجري في طرابلس، بعدما ألغى المجلس الدستوري عضوية فائزة في الانتخابات النيابية الأخيرة عن المقعد السنّي وطلب إعادة عملية الانتخاب. ولكن قراءات عديدة وضعت المصالحة المذكورة في إطار أوسع مما يبدو عليه.

عضو المكتب السياسي في تيار المستقبل مصطفى علّوش يعتبر أن لا أحد في تيار المستقبل "يتحدث عن توحيد البيت السنّي، ولكن المسألة تتعلق بضرورة اتخاذ قرار وطني ضد السلاح غير الشرعي وتداعياته، وهذا الوضع يستدعي إعادة النظر في المواقف التي دفعت باتجاه استضعاف مَن يحرصون على اتخاذ مثل هذا الموقف".

يشدد علّوش على عنوان المواجهة السياسة مؤكداً أن "الهدف من المصالحة لا يرتكز على منطق مذهبي، بل يرفع عنوان المواجهة السياسية، وإذا كانت قد اتخذت طابعاً سنّياً أو كان مَن ينادون بها من السنّة فهذا لا يعني تفريغها من طابعها الوطني".

من جانبه، يعتبر مستشار وزير العدل الأسبق أشرف ريفي والكاتب السياسي أسعد بشارة أن "فكرة المصالحة في المبدأ إيجابية، وتؤدي في هذا التوقيت وظيفة تفكيك ألغام الخلافات الداخلية والمعارك الجانبية، وتساهم في توحيد الجهود لمواجهة مشروع حزب الله المتمثل في قضم الدولة والانقلاب على الدستور وتحويل البلد إلى دولة فاشلة".

ويلفت الكاتب السياسي إلى أن تفكيك لغم الخلاف السنّي السنّي "يساهم في مواجهة حزب الله، وقد يشكل عاملاً فاعلاً فيها، ولكن المواجهة الفعلية لهذا المشروع لا تكون من خلال عنوان سنّي وحسب ولكن من خلال مشروع وطني عابر للطوائف".

ولكن في المقابل، يخفف الكاتب السياسي وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية رضوان السيّد من أهمية المصالحة معتبراً أن الأمر "لم يكن حدثاً كبيراً"، ومشدداً على الارتباط المباشر للموضوع بالانتخابات التي ستجري في طرابلس "إذ تؤمّن تجيير أصوات أشرف ريفي التي تبلغ حوالي 10 آلاف صوت لصالح مرشحة تيار المستقبل ديما جمالي"، ما يجعلها تفوز على خصوم الحريري السنّة الآخرين في المدينة.

ويلفت إلى أن المجتمع السنّي يأمل أن تترجَم هذه المصالحه بمنحه نوعاً من القوة "لأن أشرف ريفي وبعض الفعاليات السنّية يظنون أن السنّة مستهدَفون من قبل حزب الله والتيار الوطني الحر، وأن التضامن يؤمّن إمكانيات الصمود في وجه هذا الاستهداف".

حرب الديموغرافيا السورية السنّية

يتحدث البعض عن محاولة القيادات السنّية فرض التوازن بين الديموغرافيا السورية السنّية وسلاح حزب الله، والدفع الدولي في سبيل إنفاذ مثل هذه المعادلة التي تؤدي إلى بقاء اللاجئين السوريين في لبنان.

هذه الفرضية، وفق علّوش، ليست سوى "نوع من الفقاعة السياسية التي لا تستند إلى أيّة وقائع فعلية بل تُظهر متابعة مسارات الأمور أن مَن هجّر اللاجئين السوريين إلى لبنان، أي (الرئيس السوري) بشار الأسد، هو مَن يمنع عودتهم وإلا فلماذا لا تُفتح الحدود أمامهم؟".

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، كان السنّة في لبنان ينتظرون أن تنجح هذه الثورة في حل كل المشاكل التي يعانون منها، وأن تُنهي مرحلة اضطهاد النظام السوري للشعبين السوري واللبناني، وأن يوضع حد لمشروع حزب الله...
تلقف الجمهور السنّي اللبناني مشهد المصالحة بين سعد الحريري وأشرف ريفي بوصفه إعادة إنتاج لمنطق المواجهة مع حزب الله، لانتزاع الحق السنّي المسلوب، في حين أن المشهد لا يحتمل مثل هذا التأويل...

يشير علّوش إلى تفاصيل تتعلق بهذه المسألة مؤكداً أن النظام السوري لا يقبل بعودة سوى عدد ضئيل للغاية من ضمن الأسماء التي يقدّمها له جهاز الأمن العام اللبناني بشكل رسمي".

بدوره، يسخّف رضوان السيّد من عنوان الديموغرافيا السورية والسنّية ويعتبر أن الخوف من تغيير الهوية الديموغرافية للمجتمع اللبناني "ليس سوى نصب وعجز وتخريف، فلو كان الأمر كذلك لكان النصف مليون فلسطيني الذين يقيمون في لبنان نجحوا في تغيير الهوية، أو أمّنوا غلبة ديموغرافية سنّية، ولكن المفارقة أن المسيحيين من بينهم هم مَن تجنسوا فقط".

 يشير السيّد إلى أن السفير الروسي قال أمامه إن سبب فشل المبادرة الروسية حتى الآن هو "الرفض القاطع من النظام السوري لعودة اللاجئين، لذا فإن هذه المسألة لا تصب إلا في إطار زيادة التحريض الطائفي والعنصري والمذهبي، وهذا أمر بات بمثابة صناعة بائسة".

ويعتبر مستشار وزير العدل الأسبق أن إلباس مسألة اللجوء السوري في لبنان عنواناً سنّياً يجري لأغراض سياسية مباشرة، بينما تناقض الوقائع المباشرة العناوين التي يستخدمها حلفاء النظام السوري، الرافض الأول لعودتهم.

ويضيف: "ليس هناك بين سنّة لبنان مَن ينظر إلى اللاجئين بوصفهم خزّاناً بشرياً سنّياً يمكنه أن يؤمّن التوازن في مواجهة حزب الله".

ويشدد على أن اللاجئين في لبنان "يعيشون أوضاعاً بالغة الصعوبة وتحوّلوا إلى عبء كبير على أنفسهم وعلى المناطق التي تستضيفهم"، وبالتالي فإن المناخ العام عند الطائفة السنّية في لبنان "يميل إلى الدفع باتجاه عودتهم ولكن في المقابل فإنه من غير الممكن الضغط في سبيل إرجاعهم بشكل قسري يضعهم تحت مخاطر الاعتقال والقتل أو الخدمة الإلزامية، فالمطلوب هو العودة الآمنة".

التسوية غير الشعبية

يلخّص أستاذ الدراسات الإسلامية رضوان السيد جوهر الأزمة معتبراً أنها تكمن في التسوية الرئاسية التي جاءت بالجنرال عون رئيساً، مؤكداً أنه كان ولا يزال ضدها.

يعتبر السيّد أننا نعيش حالياً في لبنان مفاعيل هذه التسوية "ليس على المستوى السنّي وحسب ولكن على المستوى الوطني فقد كنت في الأساس ضد الإتيان بميشال عون رئيساً، والمشكلة الآن هي مشكلة أهل التسوية، من سعد الحريري إلى (رئيس حزب القوات اللبنانية) سمير جعجع و(الزعيم الدرزي) وليد جنبلاط، الذين لا همّ لهم سوى التعامل مع النظام السوري وحزب الله".

ويضيف: "مِن هنا أسأل ماذا سيكون لديهم من كلام يدلون به أمام وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الذي سيزور لبنان قريباً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard