هل تمتلك السعودية "أوراقاً" لنقل الصراع إلى داخل إيران؟

الأحد 4 يونيو 201710:31 ص

"لن ننتظر حتى تصبح المعركة في السعودية بل سنعمل لكي تكون المعركة لديهم في إيران". بهذه الكلمات عبّر الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي ووزير الدفاع، في 3 مايو الماضي، عن تبني بلاده لتوجه جديد في صراعها مع إيران.

فهل تمتلك الرياض القدرة على ذلك؟ وهل لديها "أوراق" تسمح لها بضرب النظام الإيراني من الداخل؟ وكيف يمكنها أن تستخدم تلك الأوراق؟

قبل أيام قليلة من هذا التصريح، جرت عملية مسلحة جديدة لجماعة جيش العدل، أبرز حركات البلوش المسلحة الناشطة على الحدود الإيرانية الباكستانية، أسفرت عن مقتل 9 عناصر من قوات حرس الحدود الإيراني، فيما فرّ المسلحون البلوش إلى الأراضي الباكستانية.

INSIDE_IranKSA_2

بين حين وآخر، تخرج تصريحات عن مسؤولين إيرانيين يتهمون فيها السعودية بمحاولة العبث بأمن بلادهم. يلخص هذه الاتهامات كلام قاله وزير الاستخبارات الإيراني محمود علوي قبل نحو سنة، واتهم فيه السعودية بدفع 500 ألف دولار لكل عملية إرهابية تُنفّذ في إيران، وبدفع 3 آلاف دولار كمرتب لكل عنصر إرهابي يعمل لصالحها في إيران.

كما قال علوي إن إحدى المجموعات الإرهابية التي تديرها المخابرات السعودية تتألف من 120 فرداً، مؤكداً أن السلطات الإيرانية ترصد تحركات كل الإرهابيين داخل إيران وخارجها.

وفي الكلمة نفسها، أعلن مقتل "أبو جفص البلوشي"، وعرّف عنه بأنه أحد قادة "الإرهابين" كما أعلن اعتقال العناصر التابعة له داخل الأراضي الإيرانية، واتهم السعودية بالسعي لزعزعة استقرار جنوب شرق إيران عبر دعم "الإرهابيين".

طبعاً هذا الكلام هو في إطار الحرب الإعلامية بين البلدين، ولكنه يعكس قلق إيران من العلاقة بين السعودية والبلوش.

إشغال إيران

يوضح الكاتب والمحلل السياسي أسامة الهتيمي أن أهمية تصريحات بن سلمان تعود إلى أنها صدرت عن شخصية رئيسية ومحورية في توجيه السياسيات وصناعة القرار السعودي في الفترة الحالية، كما أنها تجاوزت الحدود الدبلوماسية التي كانت تتسم بها تصريحات الساسة الخليجيين في ما يخص العلاقات مع إيران.

وأكد الهتيمي لرصيف22 أن المعركة التي قصدها محمد بن سلمان ليست الحرب التقليدية التي تستخدم فيها الجيوش وإنما حرب إشغال إيران بنفسها.

تعاني إيران من العديد من المشاكل القومية والدينية، ما يجعلها مجتمعاً هشاً، بعكس ما تحاول تصوير نفسها عليه، برأي الهتيمي الذي يعتبر أن "قادة إيران يحاولون أن يصدروا فشلهم في احتواء أزمات الداخل عبر تصدير التوتر والقلاقل إلى المنطقة لتبدو إيران أفضل حالاً من غيرها، وهو القول الذي يبدو حقيقة في ظل حالة الفوضى التي تعيشها سوريا والعراق والتوتر الأمني في المنطقة برمتها".

أوراق السعودية

يرى الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية محمد محسن أبو النور أن السعودية لديها وسائل ضغط كثيرة على إيران و"خاصة أن طهران منخرطة في عمليات تجنيد عملاء داخل الأراضي السعودية، بما يسمح للرياض الرد بالمثل"، كما قال لرصيف22.

السعودية أعلنت تبنيها لتوجه جديد في صراعها مع إيران... هل لديها القدرة على ضرب النظام الإيراني من الداخل؟
النفوذ والإمكانات المالية السعودية تفوق بمراحل ما تمتلكه إيران. هل يخدمها ذلك في الصراع بين البلدين؟

ويعدد الهتيمي عدة أوراق تسمح للسعودية بمارسة ضغط على إيران من داخلها:

  • ورقة الأقليات العرقية

تقوم إيران على عدد من الأقليات العرقية التي تشكل نصف سكانها فيما يمثل العنصر الفارسي النصف الآخر، غير أن الأخير يسيطر على القرار السياسي والثروات الاقتصادية في البلاد، الأمر الذي يخلق لدى أغلب هذه القوميات حالة من الحنق والاستياء تدفع بعضها إلى التمرد وتشكيل تنظيمات وجماعات مسلحة ترفع بعض المطالب.

لا توجد إحصاءات دقيقة حول العرقيات في إيران، غير أن جميع العرقيات باستثناء الفرس الموجودين في قلب إيران، تمثل قوميات لها امتداد خارجي وتنتشر في المناطق الحدودية.

فينتشر الأكراد ومعظمهم سنّة في الشمال الغربي من إيران ولهم امتداد في تركيا والعراق وسوريا وما زال يراودهم حلم الاستقلال، وهم يشكون من إجبارهم على تعليم الفارسية والتخلي عن لغتهم القومية وعدم تعيينهم في المناصب الحكومية.

وينتشر البلوش في المناطق الحدودية مع باكستان وأفغانستان وهم سنّة ونسب التعليم في أوساطهم متدنية للغاية ويشعرون بالاضطهاد، بسبب ما يرون أنه محاولة لتذويب هويتهم وحرمانهم من ثقافتهم واستخدام لغتهم الخاصة.

هذا الواقع دفع بكثيرين منهم إلى تبني المقاومة المسلحة التي يقودها حالياً جيش العدل، ومطالبهم تتلخص في إقامة فيدرالية، ودخلوا في صراع شديد مع النظام الإيراني، وتعرض كثيرون من قادتهم للإعدام والاعتقال.

INSIDE_IranKSA_1

وتواجه السلطة الإيرانية اعتراضاً في منطقة الأحواز (الأهواز) العربية. ورغم أن أغلبية عرب الأحواز من الشيعة فإنهم يشكون من الاضطهاد. وتتضارب الإحصاءات حول أعداد عرب الأحواز، فبعضها يشير إلى أنهم بين 9 و12 مليوناً فيما تقول إحصاءات إيرانية أن نسبتهم لا تتجاوز 2 أو 3% من حاملي الجنسية الإيرانية.

وتكمن أهمية إقليم الأحواز، وفق الهتيمي، في أنه يضم معظم ثروات إيران، فـ87% من إنتاج النفط الإيراني، و90% من الغاز الإيراني موجود في الأحواز، كما أن نصف المخزون المائي لإيران في تلك المنطقة التي تمر فيها 5 أنهار، واستقلالها عن إيران يجعل الأخيرة دولة بلا مقدرات مالية تقريباً.

ووجه رموز المعارضة الأحوازية مناشدات كثيرة للقادة العرب وطالبوا بطرح قضيتهم على الجامعة العربية التي لم تستجب لهم حتى الآن.

من جهتهم، قام الأذريون بعدة انتفاضات ضد النظام، آخرها انتفاضة كبيرة في عام 2015، بسبب استخدامهم كمادة للتنكيت والسخرية. ورغم أن معظم الاذريين شيعة وأعدادهم في إيران تفوق أعدادهم في أذربيجان نفسها، فإن النظام الإيراني قابل انتفاضتهم بقمع شديد. وهم لا يطلبون الانفصال بل بضمان حقوقهم وحماية هويتهم ومنع التمييز ضدهم.

ويرى الهتيمي أن الرياض بإمكانها أن تقوم بالتواصل مع قادة وزعماء هذه الأقليات العرقية في إيران، خاصة عرب الأحواز وتقديم الدعم المالي والسياسي لها وتسليط الضوء على معاناتها، فضلاً عن تدويل قضاياها.

دعم قائم

ويؤكد المحلل السياسي صلاح لبيب لرصيف22 أن السعودية لها علاقات مع الجماعات المناوئة للسلطة الإيرانية داخلياً، فكثيرون منها موجودون في السعودية أو يحظون بدعمها المعلن.

ويشير لبيب إلى أن عرب الأحواز مثلاً لهم وسائل إعلامية في الرياض، وكثيراً ما تظاهروا دعماً للسعودية في قلب إيران، كما دعمت شخصيات من الأحواز والبلوش عملية عاصفة الحزم وطالبت بشن عاصفة على إيران.

فجيش العدل، أكبر الحركات العسكرية السُنية البلوشية المناوئة لإيران، أعلن تأييده عام 2015 لعاصفة الحزم، داعياً السعودية إلى مساندته في أعماله المسلحة ضد قوات النظام الإيراني.

كما ساندت حركة النضال العربي لتحرير الأحواز والمنظمة الوطنية لتحرير الأحواز السعودية، وأكدت استعدادها لمشاركة المقاومة البلوشية والكردية أي تصعيد ضد النظام الإيراني.

ودعمت "جبهة الشعوب غير الفارسية"، التي تضم أفراداً من مجموعات تعتبر نفسها شعوباً (أذربيجان الجنوبية، بلوشستان، تركمانستان الجنوبية، كردستان الشرقية) العملية السعودية في اليمن، وطالبت بـ"دعم مالي وعسكري لثورة داخل إيران يكون أبطالها الشعوب غير الفارسية".

ويرى أبو النور أن السعودية يمكن أن تدعم مطالب الأحواز في الانفصال والاستقلال، ولا سيما أن الأحواز كانت إمارة مستقلة حتى عام 1925 قبل أن يضمها الشاه رضا خان إلى فارس ويسميها إيران، مؤكداً أن هذا الملف قد يؤرق الساسة بطهران إذا استغلته السعودية.

ويبقى أن كل هذه الملفات لا توجد حولها معطيات دقيقة تسمح برسم صورة واضحة للواقع الداخلي الإيراني. فمن ناحية، من المؤكد أن حديث السلطة الإيرانية عن شعب موحّد حول قيادته غير صحيح.

ولكن في المقابل، فإن معظم إدعاءات الحركات القومية داخل إيران مضخّمة، فلا أحد يعرف حجم تمثيلها وما إذا كانت تمثل فعلاً شرائح واسعة من المجموعات التي تتحدث باسمها.

الأقلية السنية

يبلغ عدد السنة من مختلف القوميات في إيران 20% من الشعب، بحسب إحصاءات ذكرها الهتيمي، غير أنهم، كما يقول، يعيشون حالة من التمييز والاضطهاد إذ يُمنعون من إنشاء مساجد في طهران، ومن تقلد المناصب العليا في البلاد، وهو ما يمثل ثغرة تستطيع أن تنفذ من خلالها المملكة.

ويرى أبو النور أن دعم الأقلية السنية الموجودة في أماكن كثيرة، منها خراسان وزهدان وسيستان وبلوشستان وطهران، يمثل أهم ورقة بيد السعودية.

  • المعارضة الإيرانية بالخارج

أبرز تنظيمات المعارضة الإيرانية في الخارج منظمة مجاهدي خلق التي كانت حتى اندلاع الثورة الإيرانية جزءاً منها، لكن سرعان ما نشب خلاف كبير بين قادة المنظمة وباقي قادة النظام الإيراني، ونشبت حرب بين الطرفين انتهت بخروج المنظمة من إيران واستقرارها في العراق ثم انتقال أفرادها إلى عدد من الدول الأوروبية حتى أصبحت فرنسا مقر زعيمة المنظمة "مريم رجوي".

INSIDE_IranKSA_3

وبدأت الرياض بالفعل في استغلال هذه الورقة، إذ شارك رئيس استخباراتها السابق الأمير تركي الفيصل في مؤتمر مجاهدي خلق في باريس العام الماضي وهو ما أثار جدلاً شديداً في إيران ودفع ببعض قادتها إلى توجيه انتقادات شديدة اللهجة للسعودية.

وبرأي الهتيمي، يمكن للسعودية تحسين استغلال هذه الورقة، وتقديم الدعم اللازم للمنظمة وتوفير مظلة سياسية لها تساعدها على إطلاع العالم على حقائق ما يجري بالداخل الإيراني، كما يمكنها استخدام نفوذها لفتح مكاتب تمثيل للمنظمة في بعض الدول.

  • الأوراق الخارجية

إضافة إلى الأوراق الداخلية، يمكن للرياض أن ترفع من سقف الدعم المقدم لكل الرافضين لتمدد النفوذ الإيراني سواء في العراق أو سوريا أو اليمن أو لبنان "ما سيساهم في استنزاف القدرات المالية الإيرانية"، بحسب الهتيمي.

وأشار الهتيمي إلى أن إيران تنفق ببذخ شديد على الصراع في هذه الدول لصالح حلفائها والموالين لها، وهو ما انعكس سلباً وبشدة على الأوضاع الاقتصادية الإيرانية ما يرجح من ارتفاع وتيرة الاحتجاجات الشعبية الرافضة لتوجيه كل هذه الأموال وإنفاقها على معارك لا طائل منها في الوقت الذي تعاني أغلبية الإيرانيين من تدني مستوى المعيشة.

ويعتبر الهتيمي أن كل المؤشرات حتى اللحظة تؤكد أن السعودية لم تضع إستراتيجية محددة المعالم إزاء استخدام هذه الأوراق. وبرأيه: "إذا وضعت خطة محددة لمواجهة النفوذ الإيراني فستحقق الكثير من النجاحات، لأن النفوذ السياسي والإمكانات المالية السعودية تفوق بمراحل ما تمتلكه إيران".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard