قبل بروز النزعات الوطنية... أجانب أسسوا وقادوا جيوش ست دول عربية

الاثنين 5 يونيو 201709:30 ص
حين كانت بعض الدول العربية تكوّن جيوشها في العصر الحديث، خلال عهود الاحتلال الأوروبي أو العثماني، لم يكن قادة هذه الجيوش من أبناء الوطن، في أحيان كثيرة، وكذلك جنودها. ولكن بالتدريج بدأت النزعة الوطنية تظهر، خاصة مع الاستقلال. والملاحظ أن جيوش ست دول عربية "حديثة" أسسها قادة غير وطنيين، بل ليسوا بعرب في بعض الأحيان.

سليمان الفرنساوي

INSIDE_Army_egypt عام 1815 عُزل الكولونيل جوزيف أنتيلمي سيف من الجيش الفرنسي، ومعه الكثيرون، بعد عودة الملكية وانكسار نابليون بونابرت. اضطر سيف، المقاتل المحترف، إلى العمل بالتجارة، لكن الأمر لم يرق له. سمع أن شاه العجم "إيران" يطلب ضباطاً محترفين لتدريب جنده، فأرسل إلى الكونت بول دي سيفور، وهو رجل من نبلاء فرنسا، يطلب منه التوسط لدى الشاه كي يقبله. رد عليه دي سيفور بأن الأفضل له الذهاب إلى مصر، لأن واليها محمد علي باشا يسعى إلى تطوير جيشه، وأرسل معه خطاب توصية إلى الباشا، فأحسن استقباله عام 1819، بحسب كتاب "تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر" لجرجي زيدان. يقول زيدان إن الجنود المصريين كانوا حتى ذلك العهد على النمط القديم، لا يعرفون الخطوط والمربعات، ولا ما شاكل كل ذلك من الأنظمة العسكرية، "فإذا ما نزلوا ساحة الوغى، ركب كل جواده، واستل حسامه أو بندقيته أو رمحه، وهجم على ما يتراءى له". محمد علي، الذي استقل بمصر عن الدولة العثمانية "نسبياً"، كان منبهراً بالخطط والتكتيكات العسكرية للجيش الفرنسي إبان حكم نابليون بونابرت، والتي مكنته من الانتصار على أعتى القوى. وبعد أن اختبر ولاء سيف وجديته في العمل، أوكل إليه مهمة إعادة بناء جيشه على الطريقة الحديثة. بدأ الأمر بتدريب فرقة من الجنود الأرناؤوط (مجموعة جنود قدموا من ألبانيا)، فتمردوا على سيف، بدعوى أن ما يقوله بدعة و"كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"، فقرر محمد علي الاعتماد على المصريين، إذ كانوا أكثر استجابة. وعلى يد سيف أنشأ مدارس الحربية والفرسان والطوبجية (جنود المدفعية)، لتخريج الأفراد المؤهلين، بالإضافة إلى معامل لصناعة المدافع والذخيرة، بحسب زيدان. ويوضح زيدان أن سيف اعتنق الإسلام وسماه محمد علي "سليمان الفرنساوي"، ومنحه لقب بك، ثم باشا، وكان أهم شخصية في مصر بعد محمد علي وابنه إبراهيم، القائد العام لجيوشه، إذ تولى منصب رئاسة الجهادية "وزير الحربية". وبجانب دوره في التدريب والصناعة العسكرية، شارك سيف في القتال بنفسه خلال حروب الشام واليونان، وظل في منصبه إلى ما بعد وفاة محمد علي، خلال عهود إبراهيم وعباس الأول وسعيد، حتى توفي في 11 مارس 1860، ولا يزال ضريحه قائماً في منطقة مصر القديمة بالقاهرة.

طارق الإفريقي (النيجيري)

INSIDE_Army_tarek بعد تأسيس ما كان يعرف بمملكة الحجاز ونجد عام 1926، قبل تغيير اسمها إلى السعودية عام 1932، كان جيش عبد العزيز آل سعود الذي استطاع السيطرة على مناطق واسعة من شبه الجزيرة العربية يشبه في تكوينه العصابات أو جيوش القرون الوسطى. ولم يكن أمام ابن سعود سوى الاستعانة بمَن لديهم خبرة من خارج البلاد لإعادة بناء جيشه على الطريقة الحديثة، بحسب ما ذكر المؤرخ العسكري أحمد عطية الله لرصيف22. أشار عطية الله إلى أن ابن سعود استجلب لذلك قادة من دول الجوار، وعلى رأسهم محمد طارق عبد القادر الإفريقي، الذي كان أول مَن تقلد رتبة رئيس الأركان في الجيش السعودي، بعد استحداثها.
جيوش ست دول عربية "حديثة" أسسها قادة غير وطنيين، بل ليسوا بعرب في بعض الأحيان
من سليمان الفرنساوي في مصر، إلى البريطاني غلوب باشا في الأردن... قادة الجيوش العربية الأجانب
وطارق من مواليد عام 1888. وتروي ابنته نعمات أن جدها لوالدها كان ليبياً، بينما كانت جدتها نيجيرية، مؤكدة أن والدها ولد ونشأ في نيجيريا، ولذلك لقب بالنيجيري، ثم حصل على الجنسية السورية. ويوضح المؤرخ الدكتور محمد سعيد القشاط، سفير ليبيا السابق لدى الرياض، أن طارق عاد من نيجيريا والتحق بالمدارس النظامية في طرابلس خلال العهد العثماني، ثم انتقل إلى إسطنبول، والتحق بالكلية العسكرية، حيث كانت السلطنة العثمانية تطلب الليبيين للتجنيد. كما حارب مع السلطنة في روسيا والبلقان. وحين غزت إيطاليا طرابلس عاد إليها لينضم إلى المقاومة، كما حارب الإيطاليين في الحبشة، ثم ذهب إلى دمشق وتزوج هناك وحصل على الجنسية السورية. وفي هذه الأثناء، ذاع صيته في المنطقة، فأشار البعض على ابن سعود بالاستعانة به. شكل طارق الفرقة الأولى للفرسان في الجيش السعودي، ووحد الزي العسكري للجيش، وألغى غطاء الرأس القديم "الغطرة" واستحدث الباريه، ووضع نظاماً إدارياً للتجنيد وتنظيم القوات، كما فتح أكثر من مدرسة عسكرية في المملكة، ثم حدثت خلافات بينه وبين بعض المسؤولين في المملكة فغادرها إلى سوريا، بحسب أحمد عطية الله.

البريطاني غلوب باشا

INSIDE_Army_glubb عام 1921، تأسست إمارة شرق الأردن، أو ما يعرف بالمملكة الأردنية الهاشمية الآن، وكان جيشها هو الذي استولى به الأمير فيصل على دمشق عام 1918، أو ما عرف بالجيش العربي، خلال الحرب العالمية الأولى، إذ كان يقاتل ضد الدولة العثمانية، لصالح بريطانيا، التي كلفت العقيد فريدريك جيرارد بيك بقيادته، بحسب مذكرات غلوب باشا "حياتي في المشرق العربي". وبعد أن استقرت الأمور للأمير فيصل في حكم العراق، أرسل إليه أخوه حاكم الأردن، الأمير عبد الله، بتنسيق مع بريطانيا، في طلب السير جون باغوت غلوب لبناء قوات مسلحة تحافظ على صحاري الأردن من هجمات آل سعود، بدلاً من قوات الانتداب البريطاني. كان غلوب ضمن القوات البريطانية العاملة في العراق، واشتهر ببنائه علاقات وطيدة مع البدو. يقول غلوب في مذكراته: "استدعتني الحكومة الأردنية لتولى السيطرة على الصحراء التابعة لها، وعلى هذا الأساس مُنحت رتبة لواء في الجيش العربي". ويضيف: "بادرت بتسجيل مئة رجل وسبعين من الهجانة وثلاثين رشاشاً محمولاً على سيارات، وهي القوة الصحراوية نفسها التي سبق لي إنشاؤها في العراق". مشيراً إلى أن ذلك كان بتمويل من بريطانيا. غلوب الذي حصل على لقب باشا، استطاع أن يصبح رئيساً لأركان الجيش الأردني بمعاونة عدد من الضباط الإنكليز، ثم وزيراً للدفاع، ليبني أقوى جيش عربي في الربع الثاني من القرن العشرين، من حيث التسليح والكفاءة القتالية. إلا أن وثيقة بريطانية أوردها محمد حسنين هيكل في كتابه "العروش والجيوش"، أشارت إلى أن غلوب تواطأ مع بريطانيا في حرب فلسطين عام 1948، وكان ذلك من أسباب هزيمة العرب. ولفت إلى أن وزير الخارجية البريطاني، إرنست بيفن، طلب من غلوب ألا تتخطى قواته حدود قرار التقسيم بين العرب واليهود في فلسطين، بل وتحاول منع القوات العربية الأخرى من التقدم، فغيّر الخطة التي كان قد اتفق عليها مع الجيوش العربية الأخرى، دون أن يخطر قادتها، ما تسبب في الهزيمة، بحسب ما ذكر الدكتور عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ الحديث لرصيف22. وعن نهاية غلوب، يقول الدسوقي إنه في عام 1956، وقعت أزمة بينه وبين الملك حسين بن طلال، فأراد الأخير ترقية ضباط أردنيين، تمهيداً لتسلم المهمات من الضباط الإنكليز، فرفض غلوب، ولم يجد حسين حلاً إلا طرده.

الجيش اليمني والفقير

INSIDE_Army_fakir كان الجيش اليمني بدائياً، لا يعتمد على الوسائل الحديثة في التدريب أو التسليح، حتى عام 1919، حين تأسس ما عرف بالجيش المظفر الذي لم يستطع الدفاع عن أرض اليمن ففقدت نجران وعسير وجازان، عام 1934 لصالح السعودية، الدولة الناشئة في ذاك الوقت، بحسب دراسة لمركز الجزيرة للدراسات. في تلك الأثناء، قرر حاكم اليمن، الإمام يحيى حميد الدين، الاستعانة بالسوري حسن تحسين الفقير، لتأسيس جيش الدفاع اليمني. ويعرّف خير الدين الزركلي، في موسوعته "الأعلام" حسن تحسين الفقير، بأنه من مواليد دمشق، وتخرج من المدرسة الحربية في الآستانة عام 1901. خاض الحرب العالمية الأولى ضمن صفوف الجيش العثماني، وكانت له بطولات في معركة ميسلون أمام فرنسا في سوريا، ثم عيّنه علي بن الحسين وزيراً لحربية مملكة الحجاز. لكنه فرّ من مدينة جدة، بعد استيلاء قوات ابن سعود عليها، إلى اليمن التي كان إمامها في احتياج إليه، وبالفعل جعله قائداً ومؤسساً لجيشه الجديد، ثم غادر صنعاء إلى دمشق التي توفي فيها عام 1948.

السنوسي والجيش الثامن البريطاني

INSIDE_Army_sanousi منذ عام 1911 وليبيا محتلة من إيطاليا، ولكن بعد قيام الحرب العالمية الثانية، وتحديداً عام 1939، قرر 40 من وجهاء ليبيا المنفيين إلى مصر تكوين جيش للمشاركة في الحرب، بعد أن وجدوا أن التحالف مع بريطانيا التي تحارب إيطاليا سيكون في مصلحتهم. وبالفعل فوضوا الأمير محمد إدريس السنوسي ليتفق مع البريطانيين على الدخول في تحالف معهم مقابل وعد باستقلالهم. ويؤكد عاصم الدسوقي أن مصر كانت تعج بالليبيين الهاربين من الإيطاليين، وتطوعوا عام 1940 للانضمام إلى الجيش البريطاني الثامن، بقيادة مونتغمري، تحت قيادة عقيد يدعى بروملي، وكونوا فرقة أطلقوا عليها "القوة العربية الليبية"، لتصبح النواة الأولى للجيش الليبي، أو ما كان يطلق عليه الجيش السنوسي. ولا يزال الجيش الليبي يحتفل بعيده في 9 أغسطس، وهو ذكرى اليوم الذي اتخذ فيه الزعماء الليبيون قرارهم بتشكيل جيش ليحارب تحت قيادة بريطانيا.

المغرب والجيش الفرنسي

INSIDE_Army_hassanII في 2 مارس 1956، اعترفت فرنسا باستقلال المغرب، وفي 7 أبريل من العام نفسه، وقعت المغرب مع إسبانيا على اتفاقيات استرجاع الأجزاء الشمالية التي كانت تحتلها الأخيرة، وهنا كلف الملك محمد الخامس ولي عهده، الحسن الثاني، بتكوين جيش وطني للمملكة المغربية. يقول أحمد عطية الله إن الجيش المغربي الذي تكوّن، دمج بين أعضاء منظمة جيش التحرير التي كانت تقاوم الاحتلال، والمغاربة الذين خدموا في الجيشين الفرنسي والإسباني، بالإضافة إلى حوالي ألفي فرنسي، كانت وظيفتهم تدريب الجيش وتنظيمه، مشيراً إلى أن فرنسا لم تسحب جيشها من المغرب بعد الاستقلال مباشرة، وكذلك إسبانيا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard