من النضال إلى التجسس... حكايات الراقصات مع السياسة

السبت 27 مايو 201702:09 م

على مدار عقود القرن العشرين، اقتحمت راقصات عدة دهاليز السياسة بإرادتهن أو رغماً عنهن، ولعب بعضهن دوراً سياسياً مكشوفاً حيناً، وغير مرئي حيناً آخر، وحققت أخريات مكاسب شخصية من وراء الاقتراب من السياسيين ورجال الحكم. إن أيّة امرأة تعمل في مجال التمثيل أو الرقص وتتمتع بمكانة في المجتمع، تكون عادة معرضة للاستمالة، في ظل قدرتها على التسلل بين الشخصيات العامة، وبالتالي "يمكن اعتبارها طعماً بشرياً قادراً على اصطياد أيّة شخصية سياسية"، بحسب ما قالت لرصيف22 الناقدة الفنية خيرية البشلاوي. وذكرت البشلاوي أن الأدوار السياسية التي قامت بها الراقصات تنوعت ما بين المعلنة للجميع مثل التعبير عن موقف سياسي، كما في حالة تحية كاريوكا، أو غير معلنة مثل التخابر وهذا ما فعلته حكمت فهمي.

بديعة مصابني: علاقات بالساسة واصطياد جنود الاحتلال

ولدت في لبنان عام 1889، ونزحت إلى القاهرة عام 1919، وبعد شهرتها أسست كازينو الأوبرا عام 1939. كان للراقصة الراحلة علاقة بكل رجال السياسة في ذلك الوقت، لأن ملهاها الليلي كان ملتقى سهرات كبار الدولة والسياسيين مثل محمد طلعت حرب مؤسس بنك مصر، ومن ثم لعبت دوراً سياسياً خلف الكواليس، قال لرصيف22 حنفي المحلاوي، مؤلف كتاب "ليالي القاهرة في زمن بديعة".

وكان كازينو بديعة مقراً دائماً لسهرات جنود الاحتلال الإنكليزي، وكان الفدائيون المصريون يختبئون فيه لمراقبتهم، وعند خروج الجنود سكارى من الكازينو كانوا يصطادونهم واحداً تلو الآخر.

بعد تراكم الضرائب عليها وعدم قدرتها على سدادها، اضطرت مصابني للهرب إلى لبنان على متن طائرة خاصة هبطت في منطقة صحراوية بمصر الجديدة (مكانها الآن حديقة الميرلاند) واستقلتها إلى مسقط رأسها، ولم يكن هذا ليحدث بدون مساعدة من كبار السياسيين في مصر ممن كانت تربطهم بها علاقة قوية.

حكمت فهمي: الرقص أمام هتلر

بدأت شهرتها في كازينو بديعة مصابني في ميدان إبراهيم باشا بجوار فندق الكونتنينتال الذي كان مقراً للقيادة البريطانية، أثناء الحرب العالمية الثانية. وذكر محمود صلاح في كتابه "السادات والجاسوس" أن شهرة فهمي تعدت حدود مصر إلى أوروبا، خاصة العاصمة النمساوية فيينا التي كانت تتزين جدران ملاهيها بصورة كبيرة للراقصة المصرية. أثناء الحرب العالمية الثانية شاهد رينهارد هيدرنغ رئيس المخابرات الألمانية فهمي وهي ترقص في النمسا، فدعاها للرقص فى ألمانيا، ورقصت أمام هتلر ووزير دعايته غوبلز الذي أعطى تعليماته لرجال المخابرات الألمانية بتجنيدها لصالحهم، خاصة أنهم كانوا يعرفون حجم وتشعب علاقاتها مع كبار الضباط الإنجليز رغم كرهها لهم، بحسب صلاح. وافق غوبلز على ملف سري للغاية يحمل عنوان "عملية كوندور" هدفها زرع جاسوس ألماني في قلب القاهرة لمساعدة القائد الألماني روميل، وإمداده بالمعلومات عن الاستعدادات العسكرية البريطانية في معركته الحاسمة ضد جيوش الحلفاء في شمال إفريقيا. اختارت المخابرات الألمانية لهذه العملية شخصاً ألمانياً عاش في مصر يدعى حسين جعفر أو "إبلر"، الذي استطاع تجنيد الراقصة بعدما التقاها في فيينا، ثم عرض عليها الأمر في القاهرة داخل ملهى "الكيت كات" الشهير في تلك الأيام. وافقت فهمي على العمل لصالح الألمان بسبب كراهيتها الشديدة للإنكليز، وساعدت إبلر في استئجار عوامة على شاطئ النيل في الزمالك بجوار عوامتها، وعوامة أخرى يسكنها ميجور بريطاني يعمل في مخابرات الحلفاء سرعان ما تعرف عليه إبلر ودعاه عدة مرات لتناول الويسكي معه، وخرجا معاً للعب الغولف في نوادي القاهرة. أمدّت فهمي إبلر بمعلومات مهمة حصلت عليها من الضباط الإنكليز خاصة الميجور سميث الذي أحبها وعرض عليها الزواج فوز انتهاء إجراءات طلاقه من زوجته التي تعيش في لندن.

وروى صلاح أنها في إحدى السهرات دست للميجور البريطاني منوماً في الويسكي، واستطاعت الحصول منه على تقرير يتضمن معلومات عسكرية قبل معركة العلمين، اشتمل على بيانات تفصيلية عن القوات العسكرية النيوزلندية ووحدات جنوب إفريقيا والوحدات الأسترالية التي كانت تستعد للقيام بخط دفاعي أخير عن الإسكندرية والدلتا. اكُتشف أمر الخلية التي ضمت أيضاً محمد أنور السادات عندما كان ضابطاً بالجيش المصري، وخضعت فهمي للتحقيق، وقضت سنة في سجن الأجانب عانت فيه من ضغوط نفسية كبيرة، حتى أنها أعلنت إضرابها عن الطعام. حاولت صديقتها مصابني أن تتوسط للإفراج عنها بوساطة سيدة كانت تتمتع بنفوذ كبير، ولم تخرج من السجن إلا بعد أن دفعت 200 جنيه كرشوة لهذه السيدة. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تعمل فيها فهمي لحساب الألمان. فقد لفت صلاح إلى أنها كانت قبل لقائها بإبلر تتصل بهم عن طريق موظفي السفارة السويدية في القاهرة، وكانت تحركاتها تربك البريطانيين الذين كانوا يراقبونها ويحاولون معرفة اتصالاتها دون جدوى.

بديعة مصابني، تحية كاريوكا، نجوى فؤاد... نجمات الرقص الشرقي وأدوارهن السياسية
من هي الراقصة التي قال لها الملك فاروق إنه نسي في اهتزازات جسمها أعباء الدولة ومشاغل الحكم؟

إيفيت: التجسس للوكالة اليهودية

لعبت إيفيت دوراً في كشف عملية كوندور التي كانت تتكون من إبلر وحكمت فهمي والسادات وغيرهم. وروى صلاح في كتابه أن الجاسوس الألماني تعرّف عليها في ملهى الميتروبوليتان بالقاهرة، وكان مكان السهر المفضّل لكثير من الضباط البريطانيين والمراسلين العسكريين. وروى أن إيفيت قالت لإبلر إنها فرنسية من مواليد بيروت وتعمل راقصة في القاهرة إلا أنها كانت جاسوسة لحساب الوكالة اليهودية في مصر، وكانت في كل مرة تنصرف فيها من عوامته تذهب لتكتب تقريراً للوكالة عما دار بينهما. وفي أحد التقارير كتبت: "هذا الرجل الذي أقابله قال لي إنه مصري، وإن اسمه حسين، لكني متأكدة أنه ألماني وهو عصبي جداً، ومعه نقود كثيرة"، وكانت تعليمات المشرفين على الوكالة اليهودية لإيفيت هي الاستمرار في العلاقة مع هذا الرجل والحصول على كل معلومة عنه، وهي المعلومات التي نقلتها في ما بعد إلى المخابرات البريطانية وساهمت في ضبط إبلر وأعضاء الخلية.

تحية كاريوكا: مساندة الفدائيين ونقد ناصر

في كتابه "شخصيات لها تاريخ" روى جلال أمين أن تحية كاريوكا كانت ترقص في أحد الملاهي الليلية، فإذا بالملك فاروق يظهر جالساً إلى إحدى الموائد، فذهبت إليه لتعاتبه قائلة: "إن هذا المكان لا يليق بملك، والأفضل لك أن تعود إلى قصرك"، فترك المكان فوراً. ووفقاً لأمين، ساهمت كاريوكا في إنجاح العمليات التي كان يقوم بها الفدائيون ضد جنود الاحتلال الإنكليزي على طول خط قناة السويس في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، عبر استخدام سيارتها في نقل ما يحتاجون إليه من عتاد ومواد أخرى. وبعد قيام ثورة يوليو 1952، انتقدت كاريوكا ممارسات قيادة الثورة خاصة بعد عزل محمد نجيب، وقالت: "ذهب فاروق وجاء فواريق"، أي أن المستبد الواحد حل محله عدة مستبدين، قاصدة بذلك الإثني عشر ضابطاً المكونين لمجلس قيادة الثورة وقتها، بحسب أمين. وروى أن هذا القول نُقل إلى عبد الناصر، وكانت النتيجة وضع كاريوكا في السجن مئة يوم، ولكن سرعان ما عاد الصفاء إلى العلاقة بينها وبين الثورة في 1956، وهي السنة التي عاد فيها أيضاً الصفاء بين الثورة وسائر المصريين بعد قيام ناصر بتأميم قناة السويس.

وفي نفس العام مثّل فيلم "شباب امرأة"، من بطولة كاريوكا، مصر في مهرجان كان، وفي ذلك الوقت كان التوتر شديداً بين مصر وإسرائيل وانعكس على المهرجان. تعاطف بعض الفنانين العالميين مع إسرائيل ضد مصر، وكان من بينهم الممثلة الأمريكية سوزان هيوارد التي صدرت عنها حين تسلمت دعوة إلى حفلة مصرية بالمهرجان عبارة فيها إهانة لمصر. فما كان من كاريوكا إلا أن أشبعتها سباباً، وقيل إنها خلعت فردة حذائها وضربتها بها. وكافأ عبد الناصر كاريوكا على موقفها هذا بمنحها جائزة عن دورها في الفيلم.

في نهاية الستينيات كونت كاريوكا فرقة مسرحية باسمها، وقدمت مسرحيات سياسية ناجحة تضمنت إشارات نقدية كثيرة للنظام، واستقبل الجمهور هذا النقد بحماسة، إذ كان ذلك عقب هزيمة 1967، وكان شعور الناس بالإحباط قد وصل ذروته، مما اضطر الحكومة إلى وقف بعض مسرحياتها. وكانت كاريوكا تقابل الجمهور خارج المسرح وتخبره بأن الحكومة هي التي أوقفت المسرحية. في سنة 1988، كما يذكر أمين، سافرت كاريوكا إلى أثينا وقبرص مع مجموعة من الفنانين المصريين للاشتراك في تظاهرة لتأييد انتفاضة الفلسطينيين وجمع تبرعات لهم، ثم اشتركت في اعتصام مع الفنانين المصريين بالقاهرة وأضربت عن الطعام احتجاجاً على قانون سيئ للنقابات الفنية.

زينات مجدي: تهريب أموال

تعرّف عليها الملك فاروق في إحدى الكباريهات التي كان يتردد عليها. وروى أشرف توفيق في كتابه "مشاهير وفضائح" أن زينات استطاعت أن تهرّب أموالاً كثيرة إلى الخارج باسم فاروق أحياناً وباسمها أحياناً أخرى. وبعد أن سأم الملك من زينات، قذف بها إلى أنطونيو بوللي سكرتيره الخاص الذي فرح بها جداً بل أحبها، واشتركت معه في تهريب كميات من الذهب إلى سويسرا. 

سامية جمال: هزة تنسي مشاغل الحكم

في كتابه "ليالي فاروق" ذكر مصطفى أمين أن أنطونيو بوللي مدير الشؤون الخاصة في القصر الملكي اصطحب الملك فاروق إلى إحدى الكباريهات لرؤية سامية جمال وهي ترقص، إلا أنها لم تستطع انتزاع إعجابه بل كان يراها سمجة وثقيلة الدم. وفي إحدى ليالي عام 1949 رأى فاروق سامية جالسة مع فريد الأطرش، إذ كانت تربطهما علاقة عاطفية، فأثار ذلك غيرته وقرر انتزاع الراقصة منه، وبالفعل اتصل بوللي بمسيو رفائيل متعهد حفلات القصر وطلب منه إحضار سامية جمال وفرقتها إلى القصر. ذهب رسول إليها يبلغها أن الملك معجب بها، وبالفعل ذهبت سامية ورقصت أمام فاروق الذي قال لها إنه نسي في اهتزازات جسمها أعباء الدولة ومشاغل الحكم. بعد انتهاء الحفل انصرف أعضاء الفرقة، بينما بقيت هي وقضت الليلة مع الملك في ركن فاروق بحلوان جنوب القاهرة.

نجوى فؤاد: الرقص أمام كيسنجر

رقصت نجوى فؤاد أمام وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر خلال زياراته المتعددة لمصر في السبعينيات حين لعب دوراً سياسياً كبيراً في المنطقة بعد حرب أكتوبر، كما ذكر طارق الشناوي لرصيف22. وروت الناقدة الفنية ماجدة موريس لرصيف22 أن فؤاد طُلب منها أن ترقص أمام كيسنجر، وهذا ليس معناه أنها كانت على علاقة به، أو أنها أدت دوراً سياسياً ما في تلك الفترة.

كيتي فوتساتي

ولدت عام 1927 في أسرة يونانية وعملت راقصة وشاركت في عدد من الأفلام، إلا أنها اختفت في أواخر الخمسينيات لأسباب غامضة، دعت البعض إلى الحديث عن تورطها في شبكة تجسس مع الفنان السوري إلياس مؤدب الذي قُبض عليه وحُقّق معه ثم أخلي سبيله وعاد إلى بلاده.

آخرون ربطوا اختفاءها بعلاقة ربطتها بالجاسوس المصري رفعت الجمال الشهير برأفت الهجان، مستندين إلى حديثه في مذكراته عن علاقته براقصة اسمها بيتي تكبره بعام واحد، وهي صفات تنطبق تماماً على كيتي. وفي تصريحات صحافية، نفت كل من مريم فخر الدين ونجوى فؤاد علاقة كيتي بالمخابرات الإسرائيلية. وأكدت الأخيرة أن سبب اختفائها هو إصابتها بالسرطان وتفضيلها الموت في أثينا.

غياب ظاهرة

خلال الثلاثين سنة الأخيرة غابت ظاهرة الراقصات صاحبات المواقف السياسية. وترجع موريس ذلك إلى تراجع نظرة المجتمع للرقص الشرقي بصفة عامة كنتيجة طبيعية لظهور موجة التشدد الديني في مصر خلال الثمانينيات، ثم استخدام مصطلح الفن النظيف وهذا تعبير زائف، فقد بات ينظر للراقصات على أنهن يقمن بشيء غير جاد، وأنه من الصعب أن يعبّرن عن مواقف سياسية مثلما فعلت بعضهن في القرن الماضي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard