وثيقة حماس تعيد رسم المشهد الفلسطيني: من يناصر دولة الـ67 ومن يرفضها؟

الجمعة 30 يونيو 201701:42 ص
على مدار أربعة سنوات، انكبّت حركة حماس على صياغة "وثيقة المبادئ والسياسات العامة"، فخرجت بها إلى النور محرّكة أسئلة راكدة في المشهد الفلسطيني. على عكس ميثاقها الأصلي، الذي تفرّد بكتابته رجل واحد بينما كانت الحرب تُشن على الحركة، كُتب الميثاق الجديد بجهد جماعي لا ينقصه الذكاء، وبعيون مفتوحة على الداخل الفلسطيني وفرصه السياسية وعلى المجتمع الدولي ورضاه. من بين 42 بنداً ضمتهم الوثيقة، أبرز الإعلام الدولي والعربي بصوت واحد البند 20 وفيه خبر اعتراف حماس في وثيقتها بحدود الـ67. وتدفقت التحليلات حول تلميع حماس خطابها تجاه إسرائيل وخروجها من عباءة الإخوان المسلمين، وصولاً إلى تخليها عن "مشروع التحرر" لصالح "مشروع السلطة". وصف البعض الميثاق بأنه كسر لاحتكار فتح مشروع الدولة الفلسطينية على حدود الـ67، ووصفه آخرون بتغير استراتيجي. لكن العودة إلى تصريحات المؤسس الشيخ أحمد ياسين، مروراً بتصريحات القادة في السنوات القليلة المنصرمة، انتهاء بالميثاق تؤكد حضور الـ67 في الخطاب. وهكذا، لم يكن البند 20 جديداً في جوهره تماماً. لكن مع ذهاب حماس إلى تعمد الاعتراف العلني الموثق بهذا الشكل، قد يفيد هنا قراءته بدقة مقارنة بموقف فتح، مروراً بالفصائل والقوى والمنظمات الأخرى كالجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية وأطياف اليسار، وصولاً إلى مقارنته بموقف منظمة التحرير (الجامعة للفصائل) الذي تعددت ترجيحات سعي حماس للعودة إليها عبر الميثاق الجديد. ولا ننسى بطبيعة الحال الجهاد الإسلامي، بما جمعته بحماس العباءة الإسلامية وراية الإخوان المسلمين وما فرقته لاحقاً الرؤى والمصالح.

حماس وفتح

هل تبعت حماس حركة فتح التي كانت قد تركت منذ مدة طويلة مشروع "التحرر الوطني" لصالح التحول إلى حزب سياسي، أظهر سعيه لاسترضاء إسرائيل مراراً، في إطار سياسي يقدمه كحزب سلطة في دولة لم تقم فعلياً بعد؟ في البداية، تجدر الإشارة إلى أن "فتح" كانت أول المرحبين بـ"التطور الإيجابي" للحركة. ثم طالبتها بالاعتذار من منظمة التحرير، فـ"بعد ثلاثين عاماً من التخوين والتكفير، الأمر الذي تسيب بانقسام حاد في الشارع الفلسطيني، توجته حماس بالانقلاب في العام 2007"، ها هي حماس تتبنى متأخرة بثلاثين عاماً الموقف نفسه. ثم أبدت فتح، التي يرأسها محمود عباس، عتباً كبيراً يشبه التأنيب، مذكرة بأن "إقامة دولة فلسطينية في حدود الرابع من يونيو 1967 كصيغة توافقية، وتطبيق القانون الدولي هو تماماً الموقف الذي خرجت فيه كل الفصائل (أثناء انعقاد المجلس الوطني في الجزائر) في العام 1988، ولم يكن ذلك موقفاً لفتح، وإنما موقفاً توافقياً لكل الفصائل". ولكن ذلك لا يعني تماهي الطرفين. لقد أصرت حماس على حدود الـ67 كـ"صيغة توافقية وطنية مشتركة". مع ذلك، أبقت شروطها بـ"رفض الاعتراف بإسرائيل، والتخلي عن أي بقعة في أرض فلسطين من نهرها إلى بحرها، والإصرار على عودة جميع اللاجئين والنازحين إلى ديارهم". وبينما ما زالت حماس تؤكد رفضها التفاوض المباشر، على عكس فتح، وصف خالد مشعل خطوة حماس بالـ"براغماتية المنضبطة". ينفع هنا التذكير بخيار الانحناء (ترويج فكرة الاعتدال) في وجه العاصفة الدولية التي تضيق على الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية عموماً.

حماس ومنظمة التحرير... والفصائل المتأرجحة

تضم منظمة التحرير كل من فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة والجبهة العربية الفلسطينية وجبهة التحرير الفلسطينية وجبهة التحرير العربية وجبهة النضال الشعبي وحزب الشعب الفلسطيني وحزب الاتحاد الديموقراطي الفلسطيني ومنظمة طلائع حزب التحرير الشعبية، بحسب ما يرد في موقع منظمة التحرير الرسمي. منذ نشأتها، دخلت حماس في تنافس مع منظمة التحرير ورأت نفسها بديلاً  محتملاً عنها. لكن المنظمة، التي تضم معظم الفصائل والقوى الوطنية الوازنة، باستثناء حركة الجهاد، بقيت عصية على حماس. هكذا انتقلت حماس من المنافسة إلى فكرة الانضمام لصفوفها سعياً وراء الانخراط في المشهد السياسي الكامل. على طول ذلك المسار، تعددت مواقف حماس من المنظمة، انطلاقاً من التصريحات المتكررة بأنه "لا يمكن القبول بمنظمة التحرير ممثلاً  للشعب الفلسطيني إلا إذا أصبحت إسلامية"، مروراً باعتبار "منظمة التحرير الفلسطينية مشروعاً من مشروعات السلطة وهي تحت عباءة رئيس السلطة محمود عباس". ثم انتهى المطاف اليوم من خلال الوثيقة الجديدة، ببندها التاسع والعشرين، للتأكيد أن "منظمة التحرير الفلسطينية إطار وطني للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يجب المحافظة عليه، مع ضرورة العمل على تطويرها وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية، تضمن مشاركة جميع مكونات وقوى الشعب الفلسطيني، وبما يحافظ على الحقوق الفلسطينية".

تشبه حماس الجبهة الشعبية. ترفض أوسلو ولكن تنخرط في مؤسساتها، تبجل الكفاح المسلح ولكن تمارسه بشروط غير مؤذية

وبينما أفتى البعض أن حماس تسعى للانضمام للمنظمة، رأى آخرون أنها تفاقم الانقسام الحاصل من خلال سعيها للاستئثار بالسلطة والمشهد السياسي عموماً، وإلا كيف يمكن تفسير عدم تقديمها الوثيقة للرئيس الفلسطيني، بل اعتمادها على الجانبين التركي - القطري أساساً؟ لكن كما أنهك التأرجح الأيديولوجي، الذي لازم الحركة الوطنية الفلسطينية، الفصائل الفلسطينية وكوادرها، وشغلهم عن التعامل بمنهج واضح مع الصراع، يتوقع كثر أن تؤول إليه الحال بحماس. وكما ظهرت مشكلة فتح بالتحول إلى حزب سلطة ومشروع سلطة، وكما قدمت المنظمة "التحرير" على "الدولة" سابقاً، ثم تراجعت، يتوقع محللون أن يكون ذلك مصير حماس. هي اليوم تقدم مشروع التحرر على ما عداه، لكنها تحث الخطى باتجاه منزلق "الدولة" ذاته. يمكن اعتبار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الأقرب في وجه الشبه إلى حماس اليوم. ما زالت ترفض اتفاقية أوسلو لكنها تنخرط في مؤسساتها وانتخاباتها. تعلن قبولها بالدولة على حدود 1967 لكنها تشترط أنها برنامج مؤقت. تبجل الكفاح المسلح لكنها تمتنع عنه، وعندما تقرر ممارسته تراعي الظروف التي لا تضعها في صدام مع السلطة أو في مواجهة ضارية مع الاحتلال.

حماس والجهاد الإسلامي

إلى وقت قصير، كانت حماس، مع الجهاد، آخر الباقين خارج نادي القبول بحدود الـ67 (بشكل مرحلي أو دائم)، وها هي اليوم بعد انضمامها للنادي تترك الجهاد وحيدة خارجه.>اعتبرت الجهاد أن حماس تعجلت قبولها بدولة على حدود الـ67، معتبرة أن ذلك يعطي شرعية للاحتلال، ومذكرة أن "مبرر وجود كل حركات المقاومة هو تحرير كل شبر من أرض فلسطين (من النهر إلى البحر حسب ميثاقها) عبر خيار المقاومة الوحيد". عموماً، لطالما كانت العلاقة بين الحركتين شديدة الجدلية. رفضت حركة الجهاد اتفاقية اوسلو كما رفضت التعامل مع كل مفرزات الاتفاقية كالانتخابات. في المقابل، رأت أن حماس حاولت أن تزاوج بين السلطة والمقاومة. في المقابل، بنت حماس قاعدة جماهيرية أكبر من تلك التي بنتها الجهاد، ساعدتها في ذلك استراتيجية عمل الأخيرة على الأرض وتركيزها على العمل العسكري، بينما مدت حماس أذرعها في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard