السلفيون يعودون إلى مساجد مصر بدعم رسمي

السبت 10 سبتمبر 201605:04 م

طوال الفترة الماضية، سعت الدعوة السلفية إلى السيطرة على المساجد. هكذا عملت على توطيد علاقتها بالدولة بعد 30 يونيو، لترسي دعائم التعاون، على غرار ما فعلت مع نظام الإخوان إبان حكمهم. ولكن في الأيام الأخيرة تكللت مساعيها للعودة إلى المنابر بالنجاح، بعدما منحتها وزارة الأوقاف ثلاثمئة تصريح خطابة.

السلفيون إلى المساجد

يطرح السلفيون أنفسهم كتيار معتدل يمكن أن تعتمد عليه الدولة لمواجهة قوى التطرف والإرهاب. وكانت وزارة الأوقاف ترفض السماح لهم باعتلاء المنابر، بسبب خطابهم المتشدد على المستويين الدعوي والسياسي. ولكن بعد أن كانت تقول إن الدولة لن تسمح للسفليين بأن يتخذوا من المساجد مقارَّ انتخابية مجانية لهم، عادت لتعلن أنها منحت تصريحات لعدد معين من رموز الدعوة السلفية، نافيةً رقم الثلاثمئة الذي تناقلته بعض وسائل الإعلام.

وانتشرت أنباء عن مباركة الأزهر عودة السلفيين إلى الخطابة، وهو ما نفاه وكيل مشيخة الأزهر عباس شومان قائلاً: "لسنا بحاجة للتنسيق مع أحد لإصدار تصريحات خطابة"، مضيفاً في تدوينة له على حسابه على فايسبوك أن الدستور يكفل للأزهر هذا الحق تحت بند الوعاظ.

وأثار قرار الأوقاف علامات استفهام بسبب تحولها عن موقفها الرافض لاعتلاء السلفيين المنابر. وبررت الوزارة الأمر بأنه جاء بعد جلسة مصالحة توافقية بادرت إليها الدعوة السلفية، مؤكدةً أن من حازوا تصريحات الخطابة تنطبق عليهم شروط ميثاق الشرف الدعوي كافة، من حيث التعهد بالتزام الموضوع الموحد للخطبة ومدتها وعدم تسييسها، بحسب ما صرح به الشيخ سيد عبود، وكيل الوزارة لشؤون المساجد والقرآن.

قلق على الاعتدال

وسببت هذه التصريحات امتعاضاً في نفوس المواطنين المتطلعين إلى خطاب ديني معتدل. وتحدث البعض عن ازدواجية الدولة في طرح حلول للأزمة، بتجاهلها التيارات التنويرية وعودتها للاعتماد على تيارات متشددة، وهي بهذا تغسل تاريخ السلفيين الزاخر بشواهد على غلوّهم.

واعتبرت بعض النخب الثقافية أن قرارات الأوقاف هي حلول انهزامية لا تعدو كونها سعياً إلى كسر شوكة بشوكة. فبرأيها، لا تختلف الدعوة السلفية عن تنظيم داعش، إلَّا في السلوك الظاهر، وكلا التيارين يتفقان على الخطاب نفسه.

وكانت قد ظهرت عن الدعوة السلفية وقائع تطرف كثيرة، أبرزها قتلهم أحد معتنقي مذهب التشيّع في مصر، حسن شحاتة، وثلاثة ومن أنصاره والتمثيل بجثثهم، فضلاً عن  فتوى المهندس عبد المنعم الشحات، في ندوة له بمحافظة الفيوم، بأن الديمقراطية حرام شرعاً.

وآخر الشواهد على تطرف السلفيين المصريين ما صرح به نادر بكار، في برنامج "مصر في يوم"، مع الإعلامية منى سلمان، الذي تعرضه قناة دريم2 بأن الأقباط كفار، وبأن لا مجاملة في الأمور العقائدية، مضيفاً: "واسألوا شيخ الأزهر". هذا بالإضافة إلى كم كبير من التصريحات التي تؤكد أن السلفيين لا يتعاملون مع الدستور ونظام الدولة ومؤسساتها إلَّا من منطلق "حكم المضطر".

السلفيون بديل الإخوان؟

وأكدت مصادر مقربة من وزير الأوقاف الدكتور محمد مختار جمعة أنه التقى بالقياديين السلفيين ياسر برهامي ويونس مخيون سرّاً في مقر مديرية الأوقاف بالإسكندرية أثناء زيارته الأخيرة للمحافظة، بترتيب مسبق من مدير أوقاف الإسكندرية، وأنه منحهما تصريحاً بالخطابة رغبةً منه في تلطيف الأجواء وخشيةً من مساومتهم على رحيله من الوزارة في حال فوزهم بمقاعد في البرلمان. وفي المقابل تنازلت الدعوة السلفية عن القضايا التي ترفعها ضد الأوقاف.

وتعد الدعوة السلفية نفسها لتكون البديل الشرعي لجماعة الإخوان المسلمين، ولا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، إذ صرح المتحدث بإسم الجبهة السلفية (الخصم السلفي لجماعة الدعوة السلفية)، مصطفى البدري، بأن سلفية برهامي أبدت استعدادها لتقديم تنازلات للسلطة السياسية، مقابل السماح لهم بالسيطرة على الكثير من المساجد حتى يكونوا هم البديل لجماعة الإخوان.

ولا يزال مسلسل تواطؤ الدولة مع التيارات الإسلامية التي ساندتها في 30 يونيو مستمراً على حساب تجديد الخطاب الديني، إذ أكد الشيخ سيد عبود، وكيل وزارة الأوقاف لشؤون المساجد والقرآن، لرصيف22، أن الدولة وضعت ثقتها في التيار السلفي بعد موقفه المؤيد للإطاحة بالإخوان.

رخصة السلفيين إلى السياسة

وشكلت الشروط غير المحكمة التي وضعتها الوزارة لمنح تصريحات الخطابة عائقاً أمام مسيرة التنوير التي يتبناها الأزهر لمواجهة داعش فكريّاً. إذ تنص أهم هذه الشروط على أن يكون الخطيب قد تلقى تعليماً أزهريّاً، وقد بدا هذا الشرط فرصة ثمينة للسلفيين، لا سيما أن أغلبهم تربى في الأزهر ثم انحرف عن فكره، لتنطبق الشروط على كثيرين منهم.

وعن هذا قال الشيخ سيد عبود: "لم يصعد برهامي المنبر إلّا بعد خضوعه للامتحان وتوقيع ميثاق الشرف الدعوي وموافقة ضمنية من قِبَل الأوقاف، والوزارة بصدد استخراج تصريح موقّت ومشروط له فقط، باعتباره أزهريّاً".

وحول لجوء الأوقاف إلى الدعوة السلفية على أنها الأنسب لمحاربة الغلو والتطرف المتمثلين في داعش، اعتبر عبود "أن السلفيين لا يصلحون للمقاومة أو مواجهة قوى الظلام التي تهدد أمن البلاد كي نستعين بهم لمواجهة تنظيم داعش".

وقال هيثم أبو زيد، الباحث في الشؤون الإسلامية، لرصيف22: "إن ادعاء الأوقاف بأن برهامي سيلتزم الشروط كافة الواردة بالميثاق الدعوي سيثبته الزمن أو ينفيه". وحول نفي الأوقاف منح 300 تصريح على الأقل للدعوة السلفية، أضاف: "إن هذا الأمر سينكشف على حقيقته عما قريب، فمن حازوا التصريحات لن يصعدوا المنبر سرّاً، والوزارة لا تدرك أبعاد هذا الأمر وتتعامل معه بالقطعة متجاهلةً ما قد يبديه المستقبل من تناقضات".

في السادس من مارس الجاري، ألقى ياسر برهامي، نائب رئيس الدعوة السلفية، خطبة جمعة. وأوضح أنها لم تكن الأولى، وأنه ألقى خطباً خلال الأسابيع الماضية بموجب تصريح موقّت من وزارة الأوقاف، في انتظار حصوله على تصريح رسمي في الثامن من مارس. كما أكّد أنه التزم الخطبة الموحدة، وكان موضوعها حول "الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة"، ولم يتجاوز الشروط.

وعلى ذلك، علق هيثم أبو زيد: "التيار الإسلامي لن يستطيع التفريق بين العمل السياسي والعمل الدعوي. وليس الخوف من تسييس الخطب فحسب، بل أنهم سيتسغلون هذه الرخصة لتوجيه الناس نحو فكر السلفية الوهابية".

وأضاف أن الأزهر والأوقاف كانا يجنحان إلى الفتوى بالإباحة في القضايا الفقهية المختلف عليها، أما السلفيون فسيحرمونها تحت مظلة التصريح، موضحاً أن وزارة الأوقاف لا تقتصر على الوزير ومعاونيه في مقر الوزارة، بل هي تشمل أئمة المساجد.

وأكد أن فكرة الاستعانة بتيار ما لمواجهة تيار آخر أثبتت فشلها في التجارب جميعها، "فالتيار الذي تستعين به الدولة الآن لمواجهة الفكر المتطرف لدى تنظيم داعش سيتغوَّل مستقبلاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard