القراءةُ عمل شاقٌّ.. هل الإدمان على الإنترنت يحوّلنا إلى كائنات افتراضيّة؟

القراءةُ عمل شاقٌّ.. هل الإدمان على الإنترنت يحوّلنا إلى كائنات افتراضيّة؟

منذ ثلاثين عامًا أعمل عشرَ ساعاتٍ كلَّ يومٍ بما فيها أيام العطل. عملي ليس صعبًا ليجعلَني أتعرّق أو ألهث، لكنّه في زعمي أصعب من ذلك؛ إنّه عملٌ يصيبك أحيانًا بالدّوار أو الصدمة أو يجلب لك الجلطةَ أو يكسر ظهرَك ورقبتك؛ إنّه عملٌ ذهنيٌّ؛ عملٌ مكتبيٌّ أدمنتُ عليه منذ أمدٍ بعيدٍ وهو جلُّ حياتي.

بدأ هذا العمل الشّاقُّ قبل ذلك بسَنواتٍ؛ وجدت نفسي ذات يومٍ أمام مكتبةٍ لا أذكر معالمَها أو هيئتَها الآن، في بيتِ جدّي. وضع أحدُهم -خالي على الأغلب- كتابًا أمامي، ربّما كنتُ رأيتُه يقرأ في كتاب، وهو نفسُه من كان حريصًا على إهدائي قصصًا وكتبَ أطفالٍ، منها المزمار السحريّ، وكتاب أربع رغبات، على ما أذكر. هذا العنوان الأخير حفر في نفسي عميقًا، فاستوحيتُه دون وعيٍ منّي، عنوانًا لأحدِ كتُبي غيرِ المنشورة، والذي لن ينشرَ على الأغلب.

جدّتي نفسُها، رحِمَها اللهُ ورحمَ أمواتِكم، تلك القرويةُ التي تعبد العملَ، تنهض إلى الأرض قبلَ الفجرِ، وتعود إلى غرفتِها بعد المغرب. خلال نهارِها الطويل ترعى دجاجاتِها وتجمع العشبَ وعرانيسَ الذرةِ الفقيرةَ والنحيلةَ لبقرَتِها، أو تجني حبّات البندورةِ والفليفلة وتجمع حشائشّ القرصعنة والهندباء وغيرها لطَبقٍ خفيفٍ لذيذٍ مغذٍّ، وتتناول طعامَها تحت عريشةٍ قرب البيت الحجريّ. جدّتي تحفظ كثيرًا من شعرِ المعلّقات، وتقرأ القرآن، بعد أن تلبسَ نظّارتيْها. هي من أفهمتْني أن القراءةَ عملٌ؛ فقد خيّرتْني مرّة بين العملِ في الحاكورةِ او القراءة في كتابٍ ما، وطبعًا اخترتُ القراءةَ لاعتقادي أنّها الأسهل، ولأنّ شمسَ ذلك اليوم القائظِ كانت حارقةً فوق تلّة السنديان.

أقوال جاهزة

شارك غردكان أبي كلّما أجبتُه على  سؤالِه الدائم ماذا تعمل أو ماذا تفعل، بأنّني أقرأ أو أكتب، ينطق بحكمتِه العفويّةِ الخالدة "زراعةُ خطّ بندورة أفضل من كلّ كتاباتِ البشرية"!

شارك غردأقول لنفسي إنّ الكتابةَ ليست سوى قراءة أخرى أكثر جديّة، أكثر طراوة وطلاوة، والعالم ليس سوى كتابٍ مفتوح على مصراعيه.

هكذا، وبفضلِ خالي وجدّتي، وجدتُ نفسي في قاربِ القراءةِ اللّذيذ أوّلَ الأمر، لكنّ هذه اللّذةَ سرعان ما أشْقتْني؛ فخالي نفسُه بعد سنواتٍ، عشرين ربّما، أشار لي بكلماتٍ مقتضبةٍ أنّ الكتبَ ربّما تبعث المرءَ إلى الجنون. وكان ما لم يعلمْه الخالُ هو أنّ الجنونَ رحمة! والكتبَ إنّما تبعث المدمنَ إلى ما هو اسوأ: التفكير. والتفكيرُ في مجتمعٍ مغلقٍ نصفِ بدائيٍّ يؤدّي إلى التكفير، ومن ثمّ إلى السّجن طبعًا، وأحيانًا إلى القتل.

العمل الذهنيُّ البحتُ رغم جلالِه، بزعمِنا البشريّ، هو الأداةُ الوحيدة المتوفّرة ما بعد الموت وفي الأبديّة. فلماذا لا نستغلّ حياتَنا القصيرة جدًّا في عملٍ جسديّ عضليّ لن يتوفّرَ لنا غدًا، بعد الموت؟

في هذه المقاربةِ المقارنةِ يصبح العملُ الجسديّ العضليُّ في حياتِنا هو العملُ الجليل، وليس العملُ الذهنيّ. فالنادرُ هو الأثمن والأغلى. ومن خلال هذه المقاربة المقارنة يصحّ النظرُ أيضًا إلى كلّ مسكرٍ من خمرٍ ومخدّرٍ على أنّه حرام بالمعنى الكونيّ سالفِ الذّكر؛ فالأبديّة هي حالةُ سكرٍ طويلةٍ جدًّا، وحرامٌ أن نمضيَ حياتَنا الأرضيّة في غيبوبةِ الخمر والمخدّرات.

النّاس في بلادِنا عمومًا تفضّل العملَ العضليَّ على العملِ الذهنيّ، قراءةً كان أم كتابةً أم بحثًا، لأنّها تربط أهميّة الأشياء بمردودِها الماديّ. فهُم يعرفون مثلًا أن رغيفَ خبزٍ خيرٌ من مكتبةٍ؛ وأنّ العملَ في التجارةِ أو الصناعة خيرٌ من الثّقافة؛ فالثّقافةُ بزعمِهم "كلام فاضي" لا تُطعم خبزًا.

كان أبي كلّما أجبتُه على  سؤالِه الدائم ماذا تعمل أو ماذا تفعل، بأنّني أقرأ أو أكتب، ينطق بحكمتِه العفويّةِ الخالدة "زراعةُ خطّ بندورة أفضل من كلّ كتاباتِ البشرية"!

القراءة بواسطة الكتابة

القراءة عمل شاقٌّ بالطبع، لاسيّما حين تلد القراءاتُ المتراكمةُ أو قراءتُك لكتبِ الآخرين قراءةً شخصيّة، حينها تأتي الكتابةُ بجلالِ قدرِها أو بجلالةِ قدرتها.

أعترف أنّي حالَ ما بدأتُ الكتابة، تراجعتْ ساعات قراءتي، بدايةً، ثمّ صرتُ أعجز عن إنهاء كتابٍ مهما كان ممتعًا، بعدما كنتُ في بدايةِ عهدي مع القراءةِ أصل الليلَ بالنّهار، فلا أنهض من مجلسي إلا وتنطوي صفحاتُ نصفِ كتابٍ أو ربعه. أمام هذا التحدّي، رحت أحتال على نفسي؛ أبدأ القراءةَ من منتصفِ الكتاب وأحيانًا من آخرِ فصولِه؛ أقرأ أكثر من كتابٍ في وقتٍ واحد، وأحيانًا أكثر من كتابين. وجاء وقتٌ عجزت فيه تمامًا عن قراءةِ أكثر من صفحاتٍ بعدَدِ أصابعِ اليد الواحدة. برّرتُ لنفسي أنّ امتناعي عن القراءة ما هو سوى خضوعٍ لأمر أصدره عقلي الباطن، ثمّ أقنعتُ نفسي أنّي استبدلتُ القراءةَ بقراءةٍ أخرى أكثر فاعلية وإبداعًا؛ إنها الكتابة. أقول لنفسي إنّ الكتابةَ ليست سوى قراءة أخرى أكثر جديّة، أكثر طراوة وطلاوة، والعالم ليس سوى كتابٍ مفتوح على مصراعيه؛ كتاب أبَديّ يكفيك أن تعيشَه كي تقرأه، ويكفيك أن تكتبَه كي تقرأه، والعكس صحيح.

عشتُ سنوات على هذه الحال قبل أن يأتي الانترنت، او قبل أن أصل إليه. نصحَني صديقٌ شاعر بشراءِ كمبيوتر مهما كلّف الأمر، "حتى لو بعت ثيابك" قال. وهذا ما كان، إنّما بعد جهدٍ جهيدٍ استمرّ سنةً أو أكثر. كثّفت نشاطي في إلقاء المحاضرات، لكن كان عليّ أن أتغلّب على شعورِ التوتّر والخشيةِ كلّما صعدت المنبرَ لأواجهَ الجمهورَ وأقرأ.

بفضل أجورِ المحاضرات ومساعدةٍ بسيطة من أصدقاء استطعتُ شراء كمبيوتر. حينها تغيّرت كلُّ طقوس القراءة وموضوعاتها؛ وجدتُ نفسي في عالمٍ جديد، على ضفافِ بحرٍ، غيّر حياتي كليًّا. ووجدتُ نفسي عالقًا في عالم يسمّونه افتراضيًّا، حيث يمكنك أن تقرأ كتبًا يستحيل أن تجدها في مكتبة عربية؛ كتبًا ممنوعة، ونصوصًا طازجة كُتبت للتوّ؛ جارحة، صريحة، وفاضحة.

هكذا وقعتُ في فخّ هذا العالم "الافتراضي"، و"ذبت" فيه لدرجةٍ أحسب فيها نفسي اليوم "كائنًا افتراضيًّا" أو "إنسانًا افتراضيًّا"!

 

التعليقات