هل يمكن خداع الموت؟

هل يمكن خداع الموت؟

في أغلب الأديان، يموت الإنسان إلا أن جوهره أو روحه يستمر. ولكن لطالما تساءل البشر ماذا يحدث بعد الموت. ولطالما ظهرت ميول بشرية إلى إيقاف الموت والسعي إلى الخلود. الآن، يحاول العلماء تحدي حتمية الموت عبر صنع حياة دنيوية أبدية. فهل هنالك تجارب علمية ستمكن الإنسان من الخلود؟

ليست هناك طريقة للهروب من الموت الجسدي في الوقت الراهن، إلا أن العلماء قد ينجحون في تحقيق الحياة الدنيوية الأبدية قريباً بوسائل أخرى.

بينا48: إيقاف الموت عبر خداع الحياة

غيّرت رغبتنا في تجاوز الموت العالم. وبما أن الإنسان لم ينجح في الخلود في الدنيا، أراد أن تتذكّره الأجيال اللاحقة. إنها رغبة قديمة بقدم الحضارة البشرية نفسها.

الآن، صار بإمكانك تخزين ذكرياتك ومشاعرك في آلة قادرة على التفكير، وعندما تموت يمكن أن يستمر ذلك الذكاء الاصطناعي في أن يكون أنت إلى الأبد. هذا ما نجحت في تحقيقه تجربة بينا48.

وبينا48 هي روبوت بشري Humanoid له وجه متحرك وعينان تريان وأذنان تسمعان وعقل رقمي يمكّنه من إجراء محادثات. وقد طوّرته مؤسسة تيرازيم موفمنت Terasem Movement، وهي مؤسسة لا تبغي الربح وتهدف إلى تطوير النظرة إلى أهمية الحياة وإطالة أمدها عبر زيادة الاهتمام بصناعة تكنولوجيا النانو Nanotechnology والوعي السايبري (المتحكًّم به اوتوماتيكياً) Cyber Consciousness والتقنيات الطبية.

أقوال جاهزة

شارك غردالتجارب العلمية التي تعمل على تمكين الإنسان من الخلود الدنيوي في المستقبل القريب

شارك غردهل تريد إطالة عمرك؟ هل تريد التواصل مع مَن تحبّهم بعد موتهم؟ هنالك تجارب علمية تمكّنك من ذلك

وترتبط بينا48 بمارتين روثبلات وبينا روثبلات وهما امرأتان متزوجتان منذ ثلاثة عقود، ومقربتان جداً بحيث أن أطفالهما ينادونهما باسم مركّب هو "ماربينا". وقد جنت مارتين الملايين من الصناعات التقنية والطبية. وبما أنها لا يمكنها تخيّل نفسها من دون زوجتها، صنعت بينا48، إنساناً آلياً يخزّن ذكريات ومعتقدات وقيم بينا روثبلات الحقيقية.


وُلدت مارتين روثبلات في الأصل رجلاً، ولكنّها خضعت لعملية تغيير جنس وهي في سن الأربعين، وباتت تعرّف عن نفسها باعتبارها إمرأة بعد ذلك.

وبعدما غيّرت مارتين جنسها عام 1994، لم تتخلَّ عنها زوجتها التي ارتبطت بها عندما كانت رجلاً. وتملك مارتين حماسة كبرى بشأن فكرة الخلود في المستقبل، وتقول: "البشر أرواح حرة، ونكون أكثر سعادة حين نعبّر عن كل ما في نفوسنا".

وفي الحلقة الأولى من فيلم وثائقي بعنوان "قصة الله"، عرضته قناة "ناشيونال جيوغرافيك"، أجرى مورغان فريمان حواراً مع مارتين روثبلات وبينا روثبلات وكذلك مع بينا48.

وقالت مارتين: "سعينا إلى تحقيق هذه التجربة لرؤية إن كانت هنالك طريقة لاستخدام التكنولوجيا بشكل يسمح للبشر الذين يحبّون الحياة، بما في ذلك حبهم لأشخاص آخرين في الحياة، بمواصلة ذلك الحب إلى أجل غير مسمّى في المستقبل".

وتابعت: "إن ما نقوم به في هذه التجربة هو جزء من سعي الكثيرين من البشر الذين يحاولون إيقاف الموت عبر خداع الحياة. فنحن كبشر حالما أخرجنا أنفسنا من الغابة حيث كنا تحت رحمة الحيوانات والطبيعة القاسية طوّرنا اللقاحات والأدوية والتقنيات الطبية وصنعنا التكنولوجيا الحيوية من أجل دفع حدود الموت أبعد وأبعد في المستقبل".

ترى مارتين أن البشر يحتاجون سنوات طويلة للوصول إلى ما نطلق عليه "الوعي السايبري". وحين نصنع كمبيوترات تحاكي العقل سنرى إن كانت الروح تتطور من ذلك، سواء أكانت موجودة أم لا، وهو سؤال لن يكون بمقدور أي منّا الإجابة عنه حالياً. وتعتقد أن الحياة هي الأصل وليس الموت، لذا تقول إن الموت يخدع الحياة الإنسانية ويجب إيقافه.

وفي السياق نفسه،  تقول بينا روثبلات: "نحن نفعل ذلك أيضاً لحفظ الذكريات في ملفات عقلية MINDFILES لأحفادنا البعيدين. فإننا نمنحهم وسيلة للتواصل معنا، إن لم تنجُ أجسادنا إلى الأبد. وتهدف هذه التجربة في نهاية المطاف إلى تمكيننا نحن البشر من خداع الموت".

في حديثه مع بينا48، يسألها مورغان فريمان: هل أنت بشرية أم إنسان آلي؟ فتجيب "أنا بشرية صودف أن أصبحت إنساناً آلياً، وآمل أن أصبح بشرية بالكامل يوماً ما".

ويعلق فريمان بالقول: "إنها تجربة غريبة. لقد شعرت عند حديثي مع بينا48 كأنني أتحدث مع شخص حقيقي"، ويضيف: "إن الخلود شيء أسرنا منذ فجر الحضارة البشرية ويبدو الآن ملموساً إلى حد ما"، وتابع: "ربما في يوم ما سيتم صنع روبوت يحمل عقل إنسان معيّن". لكنه يتعجب في نهاية حديثه ويتساءل: "هل سيكونون بالفعل هم؟ وهل سيملكون ذلك البريق الذي نطلق عليه إسم الروح؟".[/read_more]

هل تريد إطالة عمرك؟

تجربة أولى: أعطت إدارة الغذاء والأدوية في الولايات المتحدة الأميركية موافقتها على البدء عام 2016 بإجراء اختبارات مخبرية حول ما يُسمّى بدواء مكافحة الشيخوخة.

ويُعرف هذا الدواء باسم ميتفورمين Metformin وهو مخصص لمرضى السكري. وأظهرت دراسة أجراها البروفيسور في جامعة كاردييف في بريطانيا كريغ كاري، عام 2014، أن الميتفورمين يحمل نتائج مثيرة للإعجاب لغير مرضى السكري. ويعتقد كاري أن بمقدوره تمديد عمر الإنسان بنسبة 50 في المئة مما يمكّن من إطالة عمر البشر إلى نحو 120 سنة، باعتبار أن معدل حياة الرجل حالياً هو 78 سنة والمرأة 82.5 سنة.

ويعتقد كريغ كاري أن الميتفورمين يؤخّر الشيخوخة عبر إيصال الأوكسجين بشكل أوسع إلى الخلايا في الجسم وتعديل نسب الغلوكوز في الدم، مما يساعد الإنسان على الحفاظ على صحّة أفضل.

وقد أُجريت اختبارات على الحيوانات أثبتت مفعول الدواء الإيجابي. وبحسب البروفيسور ج. أوشلانسكي، الباحث في جامعة إيلينوي في شيكاغو، "إن التوصل إلى اكتشاف دواء كهذا لتأخير سن الشيخوخة Longetivity سيكون اكتشاف العصر".

وتهدف الاختبارات التي ستجرى على 3600 شخص تراوح أعمارهم من 70 إلى 80 سنة إلى معرفة تأثيرات هذا اللقاح على الإنسان وتأثيراته على فقدان الذاكرة وترقق العظام وضعف النظر والألزهايمر والباركينسون، وهي أمراض يتعرّض لها الإنسان كلّما تقدّم في السن. وفي السياق نفسه، فإن نجاح هذا الدواء سيعني أن الشخص الذي يبلغ من العمر 70 سنة سيكون بيولوجياً بصحة شخص بعمر 50 أو 40 سنة.

تجربة ثانية: لم تعد الشيخوخة أمراً لا مفر منه. فبعض المخلوقات البحرية لا تشيخ أبداً. كشف اختبار آخر أُجري في جامعة واشنطن مسؤولية 238 جين عن تحديد عمر الإنسان البيولوجي. ونشرت الدراسة في صحيفة Journal Cell Metabolism.

وأُجريت هذه الدراسة على مواد بيولوجية "العفن"، ومحت بعض الجينات المسؤولة عن الشيخوخة من سلسلة الجينات أو عدّلتها، ما مكّن من زيادة معدّل العمر بنسبة 60 في المئة.

ويذهب الباحث الإنكليزي في علم الشيخوخة أوبري دو غراي Aubrey de Grey أبعد من ذلك بكثير بطرحه فرضية إمكانية العيش ألف سنة، بحيث يكبر الإنسان دون أن يهرم. ويعتمد في فرضيته على تحليلاته البيوكيميائية للهرمونات والجينات ويقول: "لا أسعى إلى الخلود لكنني أسعى إلى إعطاء البشر حرية الاختيار في تحديد تاريخ موتهم الطبيعي والتحكم به عبر توفير القدرة لهم لصيانة أجسادهم.

تجربة ثالثة: وتحدثت دراسة أخرى أجرتها جامعة كينغز كوليج في لندن عن أن بعض الأشخاص يكبر بسرعة ثلاث سنوات كل 12 شهراً بينما يكبر آخرون بمعدلات منخفضة إذ لا تُلاحَظ عليهم علامات الشيخوخة.

ومن أجل ذلك تم تطوير فحص يكشف عن العمر البيولوجي لكل شخص وعن سرعة النمو والشيخوخة عند كل فرد. ففي تجربة على مجموعة من الأشخاص بعمر 38 سنة ظهر أن بعضهم من الناحية الفيزيولوجية بعمر 30 سنة بينما الآخرون اقتربوا من عمر الـ60. وترجع أسباب هذه الفروق إلى عوامل بيئية.

وشرحت التجربة لماذا قد تظهر علامات الشيخوخة على بعض الأشخاص بينما يحافظ غيرهم على شبابهم. وبمقدور هذه التجارب أن تساعد مَن يرغب في تحديد عمره البيولوجي وإرشاده إلى كيفية المحافظة على صحته ورسم طريقة أفضل للحياة قبل أن يتعرض لأمراض أو أزمات صحية، وهذا يمنح الإنسان فرصة لعيش حياة أطول.

تجربة رابعة: هنالك تقنية Cryonics وهي تقنية تهدف إلى تجميد الجسم الإنساني وحفظ الدماغ في اسطوانات مليئة بالنيتروجين السائل وتصل برودته إلى أكثر من 196 درجة مئوية بهدف إعادته إلى الحياة بعد خمسين عاماً أو مئة أو بعد الفترة المطلوبة لابتكار تكنولوجيا طبية تسمح بعلاج كل الأمراض. وانعكست هذه الأفكار في العديد من الأفلام والقصص العلمية الخيالية.

محاولات قديمة للخلود الدنيوي

البحث عن ينابيع الشباب والخلود الدنيوي فكرة لم تفارق البشرية منذ أقدم قصة كتبها الإنسان في الألف الثالث قبل الميلاد، وهي "ملحمة جلجامش" السومرية التي تتكلم عن الملك جلجامش ورحلته بحثاً عن إكسير الشباب السرمدي، وعثوره أخيراً على نبتة في قعر البحار قيل إنها تمكّن مَن يأكل منها من الخلود. ويُحكى أن جلجامش وهو في طريقه إلى زرع النبتة في مدينته غفا فأكلت الحية النبتة.

وهنالك العديد من المحاولات التي قامت بها البشرية للخلود. واستخدم البشر العديد من الطرق والأساليب. فالكونتيسة إليزابيث باثوري الهنغارية كانت تشرب دماء خادماتها بعد قتلهن لأنها كانت تعتقد بأن لهذه الدماء مفعول سحري يقضي على الشيخوخة ويطيل العمر.

ونجد أيضاً في القصص مَن كان يشرب خليطاً من كلوريد الذهب للمحافظة على الشباب، ومَن كان يستحم بالحليب أو يأكل أعضاء بعض الحيوانات أو يسبح في الماء العجيب في نهر الخلود في الصين أو الهند حسب ما تقول الأساطير.

وعرفت شعوب وحضارات عدة محاولات تحضير حجر الفلاسفة الذي يحتوي على مادة الزئبق إذ اعتقدوا أن الزئبق يمكن أن يكون عنصراً أساسياً لصنع إكسير الحياة وتجديد الشباب. وبحسب معتقدات كانت سائدة، يخوّل حجر الفلاسفة صاحبه تحويل المعادن إلى ذهب والعيش إلى الأبد وهزيمة الزمن. ويعود تاريخ هذه الأسطورة إلى مئات السنين، واستلهمتها صاحبة كتاب "هاري بوتر وحجر الفلاسفة".


أما اليوم، ومع تقدم العلم الحديث، عادت أحلام الإنسان في هزيمة الموت إلى الظهور مرة أخرى، فبعض العلماء يؤمنون بأن البشرية ستتمكن من هزيمة جميع الأمراض التي تميت الإنسان. بينما لا يوافق آخرون على إمكانية حدوث ذلك، برغم توافق الأغلبية على أهمية هذه البحوث العلمية وفائدتها في الميادين التي تسهل حياة الإنسان. كذلك، يتحفّظ البعض عن بعض الأبحاث لما تشكله من خطورة على الجنس البشري في حال استخدمت بطرق غير مناسبة أو خرجت عن سيطرة الإنسان.

فراس حمية

مسرحي وكاتب صحفي مقيم في لبنان. حائز على إجازة في التمثيل من معهد الفنون الجميلة ودبلوم في الإعلام والأديان من جامعة القديس يوسف في بيروت.

كلمات مفتاحية
العالم تكنولوجيا

التعليقات

المقال التالي