حذار، جوجل وفيسبوك يزيدان الاستقطاب في المجتمع

حذار، جوجل وفيسبوك يزيدان الاستقطاب في المجتمع

نميل، نحن البشر، للانجذاب إلى الناس الذين يفكرون مثلنا، إذا ما اتفقنا مع أحد ما في المعتقدات والآراء، فهذا يزيد من إمكانية تكوين صداقة مع هذا الشخص، كما أننا نحيط أنفسنا بالمعلومات التي تتطابق مع معتقداتنا وآرائنا في الحياة. قد يبدو هذا منطقياً للوهلة الأولى، ولكنه يعني أننا نغض الطرف بشكل غير واعٍ عن أي معلومات قد تهدد وجهات نظرنا الأخرى، ذلك أننا نحيط أنفسنا بأناس ومعلومات تحملنا على التيقن بصحة ما نفكر فيه، وتجعلنا بالمقابل أكثر تمسكاً به.

يدعى هذا الانحياز التأكيدي، ويحدث عندما نختار بشكل انتقائي مصادر المعلومات التي تؤكد معتقداتنا. نحن نوافق من يوافقنا الرأي، لذلك نزور المواقع التي تعبر عن آرائنا السياسية، وللسبب ذاته نمضي أوقاتنا مع من لديهم ذوق أو وجهة نظر مشابهان لذوقنا ووجهة نظرنا، ونفضل الابتعاد عن الأفراد أو المجموعات، أو حتى مصادر الأخبار التي تدفعنا للشك في وجهة نظرنا. يمكن تعريف الانحياز التأكيدي بأنه ذلك التصرف غير الواعي الذي يدفعنا للميل إلى وجهات النظر التي تغذّي آراءنا المسبقة، وفي الوقت عينه لتجاهل أو رفض الآراء - بغض النظر عن مدى صحتها - التي تهدد نظرتنا للعالم الخارجي.

في الماضي، قبل عصر الإنترنت، كنّا نقوم بذلك بشكل مقصود، وواضح، فنشتري جريدة دون غيرها، ومجلة معينة دون غيرها، نستمع لإذاعة دون غيرها، ونتابع القناة التلفزيونية التي تغذي آراءنا السياسية، والتي توافق توجهاتنا الإجتماعية. وإذا كنّا نقوم بذلك سابقاً بشكل واع ومقصود، فإن شبكة الإنترنت الآن تقوم بذلك عوضاً عنا بشكل غير مباشر، وذلك بواسطة خوارزمياتها الخفيّة.

على سبيل المثال، تقوم محركات البحث المختلفة، وعلى قمتها محرك البحث جوجل، بالإضافة لشبكة التواصل الإجتماعية فيسبوك، باختيار النتائج التي تتوافق مع آرائنا السابقة، وذلك عندما نقوم بالبحث عن موضوع معين. تقوم هي بذلك متعلّلة أنها تعرض النتائج التي تعتقد أنها مهمة لنا، بعبارة أخرى تختلف النتائج التي نحصل عليها عبر جوجل من شخص لآخر. بالمقابل يستخدم فيسبوك خوارزمية برمجية، يختار أهم أخبار الأصدقاء التي يعتقد أنها تهمنا، ويعرضها بعد دخولنا إلى الموقع، ويختار دون استشارة جديِّة منا ما يراه مناسباً من حوالي 1500 خبر متاح له.

يشرح إيلي باريسر مؤلف كتاب فقاعات الترشيح Filter bubble تلك الظاهرة المخيفة، والتي تم تسميتها بمصطلح فقاعات الترشيح، لأنها تصفي وترشّح المعلومات وفق اهتماماتنا السابقة، عوضاً عن عرضها كلها. تتمثل فقاعات الترشيح بقيام خوارزميات محركات البحث بتخمين المعلومات التي قد يرغب المستخدم في أن يراها بناءً على معلومات عنه (مثل مكان وحوده، ما يستعرضه سابقاً، ميوله الفكرية...) ونتيجة لذلك، يصبح المستخدم منعزلاً عن المعلومات التي لا تتفق مع وجهات نظره، وهو وما يعزله في فقاعاته الثقافية أو الفكريّة الخاصة به.

إذا كنت تستخدم فيسبوك، فلابد أنك قد لاحظت أنه يقوم دون استشارتك بإخفاء منشورات أصدقاء لك من ذوي الآراء السياسية المختلفة عنك، أو الأصدقاء الذين لا تهتم برأيهم ولا تقوم بالإعجاب بمنشوراتهم، وشيئاً فشيئاً تختفي هذه المنشورات من صفحة فيسبوك العامة، حقيقة الأمر أن فيسبوك يراقب سلوكك، وما إن يلاحظ أنك لا تهتم بشخص ما، ولا تقضي وقتاً طويلاً في صفحته، ولا تقوم بالإعجاب بمنشوراته أو التعليق عليه، يبدأ بتقليل عرض منشورات ذلك الشخص لك، وبعبارة أخرى ستزيد منشورات الآخرين الذين تتفق معهم فكرياً، والذين تقوم بالإعجاب بآرائهم، والتعليق عليهم باستمرار.

أما محرك البحث الأشهر جوجل، فقد طلبنا في تجربة بسيطة من مجموعة من الأصدقاء السوريين المقيمين في دول مختلفة، البحث عن جملة “أخبار سورية” ضمن محرك البحث جوجل، وإرسال صورة عن النتائج وترتيبها. كانت الصور التي أرسلوها متوافقة مع ما سبق، إذ اختلف ترتيب المواقع حسب ميولهم الفكرية، والسياسية، وحتى الفنية.  ففي حين كان الخبر الأول لأحدهم عن فوز حازم شريف بلقب آراب آيدول، كانت النتيجة الأولى لشخص آخر، أحدث تصريح لـبوغدانوف عن سورية منقولاً عن موقع قناة روسيا اليوم.

لقد اختلفت النتائج من شخص لآخر وفق الحالة السياسية بشكل واضح، إذ تربّعت نتائج بعضهم المواقع المؤيدة لأطروحات النظام السوري، في حين تربعت نتائج آخرين المواقع المعارضة للنظام، ولا داعي لإخباركم أن جوجل استكشف ميول كل شخص، نتيجة ما يقوم بقراءته سابقاً، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الشخص عادة ما ينقر على النتائج الأولى في عملية البحث، بعبارة أخرى سينقر على النتائج الأولى التي اختارها جوجل له بناء على توجهاته، وبالتالي سيؤدي ذلك لتعزيز رأيه وزيادة استقطابه، ومتابعة قراءة الأخبار التي توافق رأيه المسبق، وتالياً تعزيزها أكثر فأكثر، وعدم اطلاعه على الأخبار المخالفة لرأيه، رغم أنه قام بالبحث، أي ما يفترض أنه بحث موضوعي عن موضوع معيّن.

في المحصلة، تكمن خطورة ذلك، أن كل شخص يعيش ضمن عالم المعلومات الفريد الخاص به، ويعتقد أنه يمثل الإنترنت، ويصبح لكل شخص فقاعة الترشيح الخاصة به، والتي تقوم بشكل مبرمج بترشيح المعلومات له وفق ميوله، مما يؤدي إلى تقليل تعرّضه لوجهات نظر متباينة، وينعزل فكريًا في فقاعة معلوماته الخاصة مما يزيد انحيازه التأكيدي. كل ذلك يؤدي في الأخير لزيادة الاستقطاب في المجتمع، وعدم معرفة وجود الآراء الأخرى، قبل قبول تقبلّها أصلاً.

 

التعليقات

المقال التالي