هذا ما يسمح لك Facebook أن تعرفه وتراه

هذا ما يسمح لك Facebook أن تعرفه وتراه

لا بد أن معظم من يقرأون هذا المقال هم من المستخدمين الأوفياء لـFacebook، الذي بات بشكل أو بآخر نقطة تواصل رئيسية مع الآخرين، كما هو حال الهاتف والبريد الإلكتروني. لكن Facebook، الذي ينضم إليه أبناء المنطقة العربية باطراد منذ عام 2005 تقريباً، يتغير بشكل مطرد أيضاً، خصوصاً بعد إدراج سهمه في بورصة نيويورك. ومعظم هذه التغييرات تصب في اتجاه قدرة الموقع على جني المزيد من الأرباح المالية، بعد أن كان توجهه في البدايات لجمع المزيد من المستخدمين، وإزاحة شبكات التواصل الاجتماعي الأخرى من المنافسة. لكن أثر هذه التغييرات عليكم، انتم المستخدمون المجانيون، تؤدي إلى حصركم تدريجياً ضمن قوقعة مؤلفة من جهة ما، مما هو سائد بين أصدقائكم بغض النظر عن الاهتمامات المشتركة، ومن يرغب من أصحاب المال في أن يكون داخل قوقعتكم من جهة أخرى.

"صفحتكم" الرئيسية

حين تدخلون إلى Facebook، تقوم مجموعة من اللوغاريتمات بإجراء مسح لكل ما نشره في الأسبوع الماضي كل أصدقائكم ومن تتابعونهم، وما نشر في المجموعات التي أنتم أعضاء فيها وكل صفحة أنتم معجبون بها. عدد هذه المنشورات يصل في حالة المستخدم العادي إلى نحو 1500 منشور، وفي حال كان لديكم عدة مئات من الأصدقاء، قد يصل الرقم إلى 10,000 منشور. يقوم بعدها اللوغاريتم باختيار أيها سيظهر على صفحتكم الرئيسية، بناءً على عدد من المتغيرات، تبدأ من كونكم معجبون بصفحات أو منشورات مشابهة في الكلمات أو الاهتمامات المستخدمة، أو إعجاب عدد كبير من أصدقائكم، أو الأشخاص الذين تتقاطعون معهم في الإعجاب بمنشورات أو صفحات معينة، إضافة لاعتبارات أخرى، كتوقيت المنشور أو نشاط الصفحة الأخير، أو مستوى الاهتمام العام على Facebook عالمياً أو إقليمياً في المنطقة الجغرافية المحيطة بكم بموضوع معين (Trends).

اعلان


هذه المتغيرات هي جزء صغير مما يحدد ما يظهر على صفحتكم الرئيسية، والتي تعرف في حالة Facebook بأنها "لوغاريتمية"، على عكس المباشرة أو الكرونولوجية المستخدمة في تويتر، الذي أعلن بدوره الانتقال قريباً لاستخدام اللوغاريتمات، التي تقوم بترتيب المنشورات زمنياً من الأحدث إلى الأقدم. والانتقال إلى وضع "آخر المنشورات" (Most Recent) بدلاً من "المنشورات الأهم" (Top News)، لن يجعل صفحتكم الرئيسية تعمل كرونولجياً، إذ يمكن لبقية المتغيرات أن تتبع متغير الزمن. مثلاً بناءً على إعجابات أو تعليقات أصدقائكم في الساعات الأخيرة، التي تشمل عدداً هائلاً من المنشورات من المستحيل أن تتسع لها صفحتكم الرئيسية. وعلى صعيد آخر هناك متغير يحكم عدداً كبيراً مما يظهر على صفحتكم الرئيسية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالروابط الخارجية (مواقع إلكترونية غير Facebook) أو الصفحات. هذا المتغير هو المنشورات والمواقع والصفحات المدفوعة، التي يدفع أصحابها مبالغ مالية لـFacebook مقابل وصولها إلى عدد أكبر من المستخدمين.

 

كيف يربح Facebook؟

في 18 مايو 2012 طرحت الشركة أسهمها للتداول العام لأول مرة، وكانت الأيام الأولى كارثية على سهم Facebook، فخسرت في أحدها وفي ساعة ونصف الساعة فقط 14% من قيمتها السوقية. كان رأي المحللين حينها أن الأمر طبيعي، نظراً لمبالغة الشركة في تقدير قيمتها السوقية، ولكون الموقع ما زال عاجزاً عن استغلال جماهيريته الواسعة في تحقيق إيرادات مالية حقيقية. إذ كانت الإعلانات هي تقريباً مصدر الربح الوحيد في Facebook، ولم نكن نراها بكثرة في دول الشرق الأوسط الفقيرة، نظراً لعدم استهداف الشركات المعلنة لجمهور هذه المنطقة، إضافة إلى بعض العقوبات والعقبات القانونية التي عطلت الأمر.

اليوم، وبعد أقل من أربع سنوات على إدراج سهم Facebook، بلغت قيمته السوقية نحو 113 دولاراً أمريكياً،وكان سعر الاصدار 38دولاراً أمريكياً. فما الذي حصل؟

في العام نفسه أطلقت الشركة خدمة الصفحات والمنشورات المدفوعة، والتي تسمح بدفع مبلغ مقابل ضمان انتشار منشور معين لمدة ثلاثة أيام، والنقطة المهمة أن الدفع يضمن وصول المنشور إلى المستخدمين المعجبين بالصفحة أصلاً، ما يعني أن إعجابكم بصفحة ما لا يعني بالضرورة مشاهدة منشوراتها على صفحتكم الرئيسية. فمنشورات صفحة ما تصل بشكل مجاني غير مدفوع إلى نحو 16% فقط من المعجبين بها وفقاً لـ Facebook for Business، وأقل من 4% وفقاً لمديري عدة صفحات كبرى. ما يعني أنكم أصبحتم مضطرين أن تدفعوا نقوداً لـFacebook مقابل أن يرى من أعجبوا بصفحتكم أساساً منشوراتها. منذ إطلاق هذه الخدمة ارتفعت أرباح Facebook من 1.19 مليار دولار (EBITDA) سنة 2012، إلى 3.93 مليارات دولار سنة 2013، ثم 6.2 مليارات دولار في 2014 و8.17 مليارات في 2015.

 

تضييق الخناق

كأي مؤسسة ربحية، يسعى Facebook إلى المزيد من الأرباح والمزيد من احتمالات الربح، وفي ظل عدم وجود منتج حقيقي يقدمه الموقع، واعتماده بشكل شبه كلي في نجاحه على المستخدمين، فإن كل ما يمكنه فعله هو تعديل البنية البرمجية للموقع ولوغاريتماته بما يناسب المعلنين أولاً، وبما يؤدي لابتعاد مستخدميه عن أي مواقع أخرى ثانياً. وعلى رأس هذه التعديلات مثلاً إعطاء الأولوية لفيديوهات Facebook على فيديوهات YouTube على صفحتك الرئيسية، وللمقالات الآنية (خدمة جديدة) على روابط الأخبار من المواقع الأخرى.

لتتمكنوا من فهم حجم الاحتكار الذي يمارسه Facebook على تصفحكم للإنترنت، جربوا أن تراجعوا التاريخ (history) في متصفحكم، فستجدون أن النسبة التي تشغلها المواقع الأخرى، بما فيها محركات البحث وبريدكم الإلكتروني والمواقع المتعلقة بعملكم، لا تزيد عن 1% من إجمالي صفحات الويب التي شاهدتموها. ومن بين هذه المواقع ستجدون الكثير منها تتبع لمؤسسات كبرى، والمدونات الشخصية، والفنانين، والكتاب، والإعلام المحدود التمويل، وغيرهم من آلاف الشخصيات والمؤسسات التي قد تثير اهتمامكم على شبكة الإنترنت. هذه كلها لن تصلكم ما لم تعبروا من إجماع من يحيطون بكم أو من نافذة Facebook المدفوعة.

وفي حين قد لا تتجاوز كلفة إنشاء موقع إلكتروني ونشره 50 دولاراً أمريكياً، فإن كلفة صفحة ناجحة على Facebook قد تصل إلى 10,000 دولار أمريكي، ما يعني أننا بشكل أو بآخر عالقون من جديد في زمن ما قبل شبكات التواصل الاجتماعي. إذ تملك الحكومات ووسائل الإعلام الكبرى، والمال الذي يقف وراءهما، القدرة على الوصول إلينا والتأثير فينا.

مناف زيتون

كاتب ومدون وصحفي سوري.

كلمات مفتاحية
facebook

التعليقات

المقال التالي