استخدامات غير متوقّعة للطيّارات بدون طيّار

استخدامات غير متوقّعة للطيّارات بدون طيّار

هنالك بضع تقنيات أساسية بدأت لأسباب أمنية وعسكرية، ثم أصبحت مهمة في الحياة المدنية، ولعل أشهرها الكمبيوتر، الذي أنجزه البريطانيون للتجسس على الألمان في الحرب العالمية الثانية. فماذا عن الطائرات بدون طيار، التي تستخدم في مجال التجسس والمراقبة، خصوصاً في غارات على مناطق مختلفة من العالم، تخلف فيها الدمار وتقتل مدنيين بشكل عشوائي. فهل ينتقل استخدامها إلى الحياة المدنية؟

انطلقت محاولات استخدام هذه التقنية لأغراض عملية، فشركة "أمازون"، على سبيل المثال، تحاول الضغط على الكونغرس الأمريكي لتمرير قرار يسمح للشركة باستخدام هذه التقنية في بريدها (وإيصال البضائع للمشترين). وفي تقرير لهذا الشهر من مركز دراسة الطيارات بدون طيار (من جامعة بارد الأمريكية)، أفادت دراسات أن الاستعانة بهذه التقنية في الخدمات الإسعافية ازدادت بنسبة عالية، مقارنة بالمجالات الأخرى.

اعلان


بحسب تقرير مركز ستوكهولم العالمي لأبحاث السلام، فإن أكبر مصدري الطائرات بدون طيار ذات الأهداف الحربية (مثل AirMule)، هو إسرائيل، فهي وحدها مسؤولة عن نسبة تصل إلى 61% من مجموع التصدير العالمي. إلا أنها اليوم تُطور نوعاً إسعافياً قادراً على تحميل 1,400 باوند (نحو 635 كغ)، وتطير بسرعة تفوق 100 ميل (160 كم) في الساعة. هدف هذه الطائرات نقل الجنود المصابين من مناطق الحرب التي لا يمكن للطوافات المروحية العادية أن تصل إليها. وهناك أمثلة لاستخدام هذه التقنية بطريقة خلاقة في أرجاء العالم.

 

في التظاهرات السلمية

من اليابان أنزل مواطن ياباني طيارة بدون طيار على سطح بيت رئيس الوزراء في احتجاج سلمي على سياسات بلاده في ما يخص الطاقة النووية، ما استدعى صدور قانون يحرم تحليق الطائرات بدون طيار فوق أماكن حساسة، كبيت رئيس الوزراء، وقصر الإمبراطور.

 

في مجال الإعلان والتسويق

طور فريق من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في مدينة زيوريخ (ETH Zurich)، شكلاً جديداً للمناطيد الهوائية باستخدام تقنية الآليات الطائرة بدون طيار، مع غاز الهيليوم. قطره 3 أمتار، له 4 محركات إلكترونية، على شكل عين متحركة، خفيف الوزن، يعمل ساعتين متواصلتين بعد شحنه، وأطلقوا عليه تسمية "Skye".

وهو مفهوم جديد للإعلان، يضمن قدراً عالياً من الحركة، ومجالاً للتفاعل مع الناس والاقتراب منهم، إلى درجة لم تكن ممكنة مع أشكال الإعلانات التقليدية، مثل اللافتات وحتى المناطيد التي تحمل إعلانات. يفتخر مصمموه بـ"أمان" هذا المنتج، وهو أحد المخاوف التي حدٰت من استخدام الطائرات بدون طيار في مجال الإعلانات. أما Skye، فعلى عكس الآليات بدون طيار، التي قد تسقط بسبب أي عطل، فهو يتحول بفضل الهيليوم في داخله، إلى بالون كبير ويطير في الجو في حال توقفت محركاته.

وعلى الرغم من خفته، فإن Skye مصمم لحمل كاميرات، كما يمكن التحكم بتصميماته ليحمل اسم منتج أو شركة معينة. اليوم يمكن مشاهدته في قسم سويسرا في أكبر معارض العالم للتكنولوجيا، معرض CeBIT 2016 الذي يقام في مدينة هانوفر الألمانية هذا الشهر.

 

الطيارات بدون طيار في الفنون

image

ما يندرج تحت هذا العنوان يشمل فناً استخدم التقنية أو اختارها كموضوع، البعض اعتبرها طريقة للاحتجاج على الاستخدامات العسكرية، أو محاولة لتحويلها أداةً للتعبير الفني. في كلتا الحالتين، يعطي هذا الفن مساحة لمناقشة ردود فعل الناس على هذه التكنولوجيا، وإدراجها في مفردات الحياة اليومية. وجود الطائرات بدون طيار في الفن يفتح باباً لمناقشة دور "الأمن" و"المراقبة" و"الحرب"، وحدود "الخصوصية". وجميعها مواضيع باتت هاجساً في حياتنا المعاصرة، وللفن فرصة لبحثها من وجهة نظر خلاقة وحيوية.

 

الطيارات بدون طيار في صناعة الأفلام

بدأ في أواخر العام الماضي مهرجان للسينما يتخصص بالأفلام التي تستخدم هذه التقنية، هوالمهرجان العالمي لأفلام الآليات الطائرة (كاميرات الطائرات بدون طيار). منح المهرجان الجائزة الأولى لفيلم "All Away" Art of Shades، وهو فيلم ليس اهتمامه الأول القصة والأبطال، بل حركة الكاميرا ومنظورها في أقل من 5  دقائق، وفيه تبرز الجماليات التي يمكن أن تحققها هذه التقنية.

 

الطائرات بدون طيار في خدمة المساعدات الإنسانية

لعل أكثر قصص هذه التقنية رهافة هو دورها في تقديم المساعدات الإنسانية للمناطق. من فريق خلاق وإنساني قدم "مشروع الجسر الجوي السوري"، وهو مجموعة من السوريين وغير السوريين المبدعين علمياً والمخلصين لمساعدة الناس، هدفه إيصال الإمدادات للسوريين الذين قطع عنهم الدواء والغذاء، وهذا بات تكتيكاً تستخدمه الأطراف المتحاربة كسلاح سياسي. فكرة المشروع خلاقة لأن المساعدات الإنسانية التي تصل عبر الطائرات العادية عرضة للحرب السياسية وللقصف. أما إرسال مساعدات إنسانية في عدد من الطائرات بدون طيار، فيمكنه أن يقوم بالكثير. يسمي فريق المشروع هذه الفكرة "الجسر الجوي المزدحم"، ويشبهونه بسرب من النمل. يستخدم المشروع أربعة أنواع من الطائرات:

النوشة (وهي مناسبة للرحلات السريعة، وممتازة للمبتدئين)، والاسم هو اسم مؤسسة منظمة مشروع أمل وسلام، نوشة قبوات، التي تساعد أطفال اللاجئين خصوصاً في تركيا. الثانية اسمها "الإسراء" وهي طائرة اف اكس 16 الشبح. والاسم اختير احتراماَ لذكرى الطفلة إسراء المصري التي توفيت جوعاً في مخيم اليرموك. الثالثة هي "الوليد" من نوع اكس يو اي في تايلون، طائرة قليلة التكاليف ومثالية لهذا المشروع، لأنها متينة وقادرة على نقل حمولة كبيرة.

أما الرابعة فهي طائرة السلام بدون طيار "انسلي." احتفظت باسمها الأصلي، وهي مصنوعة من صفائح الفلين بكلفة دولار واحد، وغراء وشريط لاصق. وجاء الاسم للتأكيد على هدفها الإنساني في "السلام"، ولتمييزها في الوقت نفسه من الطائرات بدون طيار التي ارتبطت وظيفتها بالحرب والدمار.

في كل يوم جديد تقريباً يقفز العلم إلى الأمام بما لا يخطر على بال قد يصل حتى الخيال، فإلى أين سنصل في مسيرة هذه الابتكارات المذهلة، وهل ننجح في توسيع وظائفها، بدلاً من الحروب والتجسس، في مجالات من حياتنا المدنية، كي تنمي إنسانيتنا نحو الإبداع والسلام؟

 

إيناس خنسه

إيناس خنسه باحثة سورية مختصة بشؤون العالم العربي. عملت كأكاديمية ودبلوماسية في عاصمة الولايات المتحدة واشنطن. حاصلة على شهادة دكتوراه من جامعة جورج تاون وعلى منحة زمالة ميلون من جامعة هارفارد. إيناس تكتب بشكل مستمر لرصيف22.

كلمات مفتاحية
العالم تكنولوجيا

التعليقات

المقال التالي