كيف تتحوّل المنطقة العربية رائدةً في الابتكار والتكنولوجيا؟​

كيف تتحوّل المنطقة العربية رائدةً في الابتكار والتكنولوجيا؟​

"المملكة المتحدة متأخرة دائماً 18 شهراً عن الولايات المتحدة في كل ما يتعلق بالريادة والتكنولوجيا والابتكار"، لذا لا لوم على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لا سيما أنّ الأمور تتغيّر والمواهب تكثر والإمكانات متوافرة. هذا ما قاله لرصيف22 دومينيك تريغ Dominic Trigg، الشريك الإداري في شركة "روكيت فيول" Rocket Fuel للتوسيق البرنامجي العالمية خلال قمة "عرب نت" ArabNet الرقمية التي عُقدت في دبي في 27 و28 من الشهر الجاري.

أكثر من 30 شركة ناشئة شاركت في القمة، وهي تشكّل نموذجاً مصغراً عن العدد المتزايد للشركات الناشئة خلال السنوات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وكما في كل مرة، جمعت الدورة الثالثة من قمة "عرب نت" الرقمية أكثر من 70 متحدثاً دولياً ومحلياً، كما نجحت في استقطاب شركات عملاقة لتعكس الاهتمام المتنامي ببيئة الابتكار الحاضنة في المنطقة.

تهدف "عرب نت" إلى دعم شركات المنطقة في عملية التحوّل الرقمي من أجل نمو هذا القطاع وتحفيزه. وقد أشار عمر كريستيدس Omar Christidis، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ"عرب نت" في كلمة الافتتاح، إلى أنّ الشركات التقليدية بدأت تدخل بقوة، بعد تخوفها من التحدي الرقمي، إلى أسواق جديدة بفضل الحلول الإلكترونية، كما لفت إلى بحث صدر عن "مكنزي وشركاه" McKinsey & Company يبيّن أن النقلة الرقمية تؤدي إلى ارتفاع 50% من الأرباح خلال خمس سنوات. نقلة رقمية باتت تتوفّر عوامل نموّها في المنطقة، برغم وجود تحديات عدة تعوق سرعة تطورها.

A photo posted by ArabNet (@arabnetme) on May 28, 2015 at 12:32am PDT

التغييرات الإيجابية

شدّد ماثيو جونسون Mathew Johnson، الشريك في "500 ستارتبس" 500 Startups التي تستثمر في الشركات الناشئة والتي تتخذ من وادي السيلكون Silicon Valey مقراً لها، شدد على أنّ الشركة استثمرت في نحو 20 شركة ناشئة في منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى تزايد الابتكار في المنطقة، حتى لو كانت الأفكار غير جديدة. وأضاف: "معظم هذه الشركات تقدم أفكاراً واضحة جداً، إنما غير متوفرة في المنطقة على غرار التجارة الإلكترونية، علماً أنها تساهم في نهوض الابتكار لأنها تتبنى هذه الأفكار العالمية بطابع محلي".

وتثير مواقع التجارة الإلكترونية على مختلف أنواعها اهتمام العالم، فقد استحوذت مجموعة "روكيت إنترنت" Rocket Internet مثلاً على موقع "طلبات" الكويتي بصفقة بلغت 170 مليون دولار، في حين استحوذت منصة وصفات الطعام الأكبر في اليابان "كوك باد" Cook Pad على موقع "شهية" اللبناني مقابل 13.5 مليون دولار. علماً أن موقع التجارة الإلكتروني في الإمارات "سوق.كوم"، الذي يحصد حوالى 23 مليون زائر شهرياً، قد يحصل على استثمار بقيمة 300 مليون دولار، ويتحول إلى أول شركة في المنطقة بقيمة مليار دولار!

الأفكار المبتكرة التي صنعت 100% في العالم العربي متوفرة أيضاً، بحسب كريستيدس، لا سيما في مجال الأجهزة، على غرار "إنستابيت" Instabeat و"رودي تيونر" Roadie Tuner وذلك بسبب لجوء أصحابها إلى دول كالصين حيث التصنيع أقل تكلفة، بالإضافة إلى اعتمادهم حملات التمويل الجماعي التي سمحت لهم بتوفير الأموال اللازمة للتألق. كذلك شدّد كريستيدس على أن هذه الابتكارات المحلية التي تتحول إلى ابتكارات عالمية باتت ممكنة مع تدفق المزيد من الأموال إلى المنطقة والاهتمام المطرد لصناديق رأس المال المُخاطر. وأضاف "كلما ارتفع عدد قصص النجاح في المنطقة، تدفق المزيد من الأموال وكان المستثمرون على استعداد للمخاطرة".

ويرى هانس كريستنسين Hans Christensen، مدير حاضنة الأعمال "مؤسسو وادي السيليكون" Silicon Oasis Founders أن كل النقاط تلتحم من أجل دعم الريادة والابتكار في المنطقة، لا سيما مع تزايد عدد المستمثرين، مضيفاً أن المنطقة بدأت تنجح في تحديد نزعة خاصة في مجال التكنولوجيا الصحية أو حتى التكنولوجيا بشكل عام، ضارباً مثلاً شركة "شورت بوينت" Shortpoint لتصميم المحتوى الرقمي التي طورت 100% في الإمارات العربية المتحدة.

التحديات

إلا أن كريستنسين لفت إلى أن الوقت ما زال مبكراً لاعتبار منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا رائدين، حتى لو أن العزيمة والجهد متوفران. وفي دردشة لرصيف22 مع عبدالله بن مصعب السعدون، المحلل المالي في شركة وادي الرياض، الذراع الاستثمارية في جامعة الملك سعود، أكّد غياب رواد الأعمال والشباب الرائدين، لا سيما في المملكة العربية السعودية. وقال: "كانت شركتنا تهدف للاستثمار في ثلاثة قطاعات رئيسة هي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والرعاية الصحية والطاقة المتجددة في المملكة. إلا أن غياب الأفكار المبتكرة حملنا على تغيير توجهنا لتشمل 50% من استثماراتنا شركات عالمية، خاصةً في الولايات المتحدة وأوروبا من أجل نقل المعرفة والتكنولوجيا وجذب الاستثمارات إلى السعودية لسد هذه الثغرة".

وجزم السعدون بأنّ "التعليم والقوانين المرنة والبنى التحتية هي العوامل الغائبة عن تحول الشرق الأوسط إلى رائد في مجال التكنولوجيا والابتكار، بالإضافة إلى الأموال" مشدداً على أن التكنولوجيا قائمة على "الأبحاث والتطوير" R&D التي تحتاج إلى مبالغ طائلة.

لا شك في أن القوانين والأنظمة تلعب دوراً كبيراً في دفع الابتكار قدماً، وما زالت تحتاج إلى المزيد من التعديل في الدول العربية. يرى السعدون أن القوانين في السعودية قد لا تكون مثالية للقيام بالأعمال، إلا أن التغيير يأتي "حبّة حبة" ويتطلب وقتاً. كذلك أكد كريستنسين أن هذا العامل هو من أكثر العوامل التي تشكل عقبة أمام الشركات المبتكرة وتحتاج إلى الكثير من المرونة والقليل من المعاملات البيروقراطية.

دبي الذكية، مثال الريادة العالمية

وقد أبرمت "عرب نت" هذا العام شراكة مع "دبي الذكية" من أجل تسليط الضوء على مبادرات حكومة دبي الذكية والشركات الكبيرة والصغيرة التي تساهم في بناء هذه المدينة والاستثمار في التكنولوجيا الرقمية. وأشار كريستيدس إلى أن هذه الشراكة تأتي "لتعزيز الابتكار وتسليط الضوء على الشركات ورواد الأعمال الذي يقودون هذا الابداع".

 

Omar Christidis introducing Dr. Aisha Bin Bishr. Stay tuned for an amazing talk in Hall A at #ArabNetDS

 

A photo posted by ArabNet (@arabnetme) on May 27, 2015 at 3:39am PDT

وأشارت د. عائشة بنت بطي بن بشر، مساعدة المدير العام في المكتب التنفيذي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وعضو اللجنة التنفيذية لمبادرة تحويل دبي إلى مدينة ذكية،

إلى أن مبادرة دبي الذكية تركز بنسبة 20% على النشاطات الحكومية و80% على القطاع الخاص والأفراد، أكانوا رواد أعمال أو تجاراً أو مبتكرين. وأكدت لرصيف22 أن "دبي الذكية" ستكون رائدة لأنّ "الأفراد هم في قلب دبي الذكية وسيحدثون التمييز"، ولأن هذه المدينة "تقوم على سعادة الأفراد". برغم ذلك، لفتت بن بشر إلى أن الكثير من التحديات تقف أمام تحويل دبي إلى مدينة ذكية رائدة في العالم، لا سيما في ما يتعلق بأمن وخصوصية البيانات، وبالاستفادة من البنى التحتية الموجودة وجعلها متوفرة للجميع ليقدموا أفضل ما لديهم.

ليس جديداً القول إن المنطقة العربية تخطو بثبات نحو اعتناق التكنولوجيا والتحوّل الرقمي، إلا أنها تحتاج إلى توفير الكثير من العوامل لتحقيق الريادة. وقد أجمع الخبراء المشاركون في "عرب نت" الرقمية على أن البيئة الحاضنة في المنطقة لا تزال يافعة وتحتاج إلى المزيد من التجارب والخبرة.

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

كلمات مفتاحية
الـ22 قصص نجاح

التعليقات

المقال التالي