القارىء الإلكتروني لا يحل محل الكتاب

القارىء الإلكتروني لا يحل محل الكتاب

قد يُقال عمن يفاخر بتفضيله القراءة في كتاب مطبوع على القراءة في شاشة كمبيوتر أو في القارىء الإلكتروني، إنه حالم يحنّ إلى فن يتلاشى شيئاً فشيئاً وتكنولوجيا تستبدل الكتاب "التقليدي" بصفحات إلكترونية.

سبب هذا الحكم السريع والمخطىء على القارىء "التقليدي" هو أن العالم ينظر للقراءة في شاشة الكمبيوتر أو في أجهزة القراءة الإلكترونية على أنها بديل من القراءة في صفحات الكتب المطبوعة. غير أن دراسات عدة تؤكد أن مع اختلاف الوسيلة المستخدمة يختلف أسلوب القراءة، مما يؤثّر على قدرة القارىء في الاستيعاب وعلى قدرة ذاكرته في حفظ أو تسجيل المعلومات من النص المقروء. نتيجة هذه البحوث تسعد قارىء الكتاب التقليدي وتؤكد له صواب خياره، وتنزع عنه سمة "المتحجّر" إذ تصنّفه من القراء الباحثين عن قراءة معمّقة لا يمكن إيجادها إلّا في الكتاب المطبوع.

يؤكد علماء الأعصاب أن عقل الإنسان لم يُصمّم للقراءة بشكل خاص، على النحو الذي صُمم لفهم اللغة أو إدراك معانٍ لما تلتقطه حواسه الخمس. ولكن تمّ تدريب العقل البشري على القراءة تدريجياً عبر العصور مع تطوّر أسلوب نقل المعلومات في المجتمعات وانتشار الحرف ثم الورق والطباعة.

هكذا جرى تكييف العقل البشري مع "القراءة الخطية" Linear Reading وهي قراءة النصوص العربية مثلاً، من اليمين إلى الشمال، ومن السطر الأول إلى الأخير، ومن الصفحة الأولى إلى الأخيرة، حتى مع وجود صور أو رسوم إلى جانب النص في بعض الكتب المطبوعة.

تبيّن الدراسات أن القراءة المعمقة التي يؤمنها الكتاب المطبوع لا تتوفّر عندما تتمّ القراءة في شاشة الكمبيوتر. سبب ذلك هو أن القراءة عن صفحات الإنترنت توفّر إمكانية "التصفح" Scanning، كما أنها تشغل العقل ببضع صفحات، وبروابط عدّة داخل النص، وعناوين على هامش الصفحة. ما يجعل القراءة غير منتظمة، ويصعب التعمّق في النص وفهمه. هذه المشكلة لا نواجهها مع القارىء الالكتروني، لكون صفحاته مصمّمة لتشبه قدر الإمكان الصفحات الورقية.

لكن من ناحية فعالية عمل العقل على التركيز على النص وفهم المعلومات وحفظها، لا يختلف الأمر عندما تكون القراءة في شاشة القارىء الإلكتروني. والسبب أن لدى العقل البشري قدرة على تسجيل المعلومات وحفظها في الذاكرة بالشكل والتصميم اللذين وردت فيهما تلك المعلومات في النص. وتتجلى هذه القدرة عندما يحاول القارىء أن يتذكر معلومة وردت في نص، فيربط بين تصميم الصفحة والخطوط فيها ليساعداه على استرجاع مكان ورود المعلومة، فيتذكرها. ولأن القارىء الإلكتروني والكمبيوتر لا يؤمنان للقارئ إحساسه بماديّة الكتاب وهويته أو التفريق بين صفحة وأخرى، فهما لا يساعدانه على تحديد مكان ورود المعلومات بعد قراءتها لحفظها بسهولة في ذاكرته.

وبعكس صفحات الكتاب المطبوع التي تؤمن قراءة معمّقة، يقوم القاريء الإلكتروني- كما صفحات الإنترنت- بالحدّ من قدرة القارىء على التعمّق في القراءة، بسبب التهاء العقل بانتقاء المعلومات من خلال البحث عن كلمة مفتاح واردة في النص. ففي العقد الأخير، ومع ازدياد الاعتماد على القراءة في صفحات الإنترنت، يؤكد الخبراء أن أسلوب القراءة اختلف مع التغيّرات التكنولوجية التي أمنّت وسائل جديدة للقراءة.

عوضاً عن أن يحل القارىء الإلكتروني  محلّ الكتاب المطبوع، حلّت القراءة السطحية السريعة، أو فعل "التصفح"، محلّ القراءة المعمقة. ويعني ذلك أن قارىء الكتاب المطبوع أصبح أقلّ قدرة على قراءة الكتاب بشكل تقليدي نظراً لاعتماده، ولو عن غير قصد، "التصفح" في قراءة صفحات الإنترنت.

ورغم محاولة استبدال الكتاب المطبوع بالقارىء الإلكتروني، تبقى القراءة المعمّقة (وتعريفها أنها "عملية استيعاب متطوّرة، وتمثّل جسراً إلى الفكر") ميزة الكتاب المطبوع في وقت تشجع شاشة القارىء الإلكتروني على  "التصفح" عوضاً عن التعمق في القراءة، وتنهك صفحات الإنترنت العقل وتتعب العيون وتضيع تركيز القارىء.

التناقض بين مفهوم التمرير (Scrolling) مقابل تقليب الصفحات الورقية، وبين وجود هوية خاصة بكل كتاب مقابل ثبات أداة القراءة، وبين قدرة الانتقال بين الصفحات عبر الروابط مقابل التركيز في نص واحد، يقدم عناصر تؤكّد أن تجربة القراءة تختلف مع تغيّر الوسيلة المعتمدة.

لذا، فليس على القارىء التقليدي أن يرمي الكتب المطبوعة جانباً كي يلحق بالعصر، بل عليه أن ينغمس في قراءة خطوطها وتلمس صفحاتها بحثاً عن قراءة معمّقة، فيما غيره يتصفح المقالات المختلفة أو الكتب بشكل سريع كي يأخذ منها ما يبحث عنه من معلومات لا أكثر.

كلمات مفتاحية
الكتاب مقارنات

التعليقات

المقال التالي