هل يدفع فيسبوك ثمن تجاربه على المستخدمين؟

هل يدفع فيسبوك ثمن تجاربه على المستخدمين؟

تواجه الشركات العاملة في عالم التكنولوجيا والاتصالات تحديّات كبيرة للبقاء في القمة في سوق تتغيّر باستمرار. وكثيراً ما نرى شركات ضخمة (مثل كوداك Kodak) تقع ضحية عدم مواكبتها للتغييرات التكنولوجية والتأقلم مع كل جديد بالسرعة المطلوبة. يحاول فيسبوك أن يحافظ على نمو قيمته السوقية في سوق الأسهم، التي دخلها في مايو 2012 من خلال عقد صفقات لضمّ شركات واعدة بمليارات الدولارات في سياسة اقتصادية انتهجها الموقع منذ تأسيسه عام 2004.

فاقت قيمة الصفقات التي أعلن عنها فيسبوك منذ تأسيسه في عام 2004 الـ22  مليار دولار للاستحواذ على 47 شركة منها انستغرام (مليار دولار) وواتساب (19 مليار دولار) وآخرها شركة إعلانات الفيديو لايف ريل LiveRail.

لقد نجح فيسبوك في أن يصبح وسيلة التواصل الاجتماعية الأكثر شعبية في العالم خلال عقد من الزمن، فهو اليوم يجذب أكثر من 1.23 مليار مستخدماً في الشهر، 82 مليوناً منهم من العالم العربي. غير أن العديد من الإجراءات والقرارات التي أخذها مديرو فيسبوك في السنوات الأخيرة قد تؤذي صورة الموقع على المدى البعيد، إذ يتخوّف البعض من تدخّل فيسبوك في خصوصيات حياتهم، لا سيّما بعدما انكشفت معلومات عن إجراء فيسبوك تجربة على 689,003 من مستخدميه بدون معرفتهم وخلافاً لشروط الاستخدام المتوافق عليها بين المستخدمين والموقع.

في تفاصيل التجربة التي أنتجت دراسة نفسية، عدّل فيسبوك محتوى صفحات المستخدمين المختارين الرئيسية  ليدرس تأثير ما ينشره الأصدقاء والإعلانات والأخبار الإيجابي أو السلبي، على مزاج المستخدم ومضمون مشاركاتهم.

أثار نشر الدراسة ضجة في شبكات التواصل الاجتماعي وانتقد عدد من المدوّنين والكتّاب على صفحات الانترنت وفي الصحف العالمية، أسلوب فيسبوك معتبرين أنه "غير أخلاقي"، لا سيما أن الموقع أجرى تعديلات على شروط الاستخدام بعد التجربة التي أقامها في يناير 2012 بأربعة أشهر.

بعد سيل الانتقادات الموجهة لفيسبوك، ذكر متحدث بإسم الشركة في رسالة أنه "من الواضح أن التجربة أزعجت الناس، ونحن نتحمّل المسؤولية عن ذلك ونريد أن نحسّن الأداء في المستقبل بناء على رد الفعل. أجريت التجربة في ظلّ حماية كافية للمعلومات الفردية، ويسعدنا أن نجيب عن أي تساؤلات قد تطرحها الجهة التنظيمية".

فيما عزا الموقع الانتقادات التي وجّهت له على خلفية التجربة إلى "سوء الإعلان"، قدمت مديرة تشغيل فيسبوك شيريل ساندبرج Sheryl Sandberg اعتذاراً بإسم الشركة لمحاولتها التحكم بمستخدميها أثناء الدراسة. وأضافت: "هذا البحث كان جزءاً من الأبحاث المستمرة التي تجريها الشركات لاختبار مختلف منتجاتها. هذه هي الحقيقة. ولكن تم الإعلان عن هذه الدراسة بشكل سيئ ونحن نعتذر عن هذا الخطأ في الإعلان. لم نرد قط إزعاجكم (المستخدمين)".

لكن القضية لم تقتصر على الرأي العام، بل تعدّت ذلك لتصبح قضية قانونية، يحقق فيها مكتب مفوّض المعلومات البريطاني لمعرفة إذا كانت شركة فيسبوك قد انتهكت قوانين حماية المعلومات بإجرائها التجربة.

من السابق لأوانه تحديد ما هي المادة التي خرقها فيسبوك في القانون الأوروبي، وما هي العقوبة التي قد تقع على الشركة في حال إثبات خرقها للقوانين. علماً أن طريقة إجراء هذه الدراسة قد تؤثر على نظرة المستخدمين الحاليين إلى الموقع وتحدّ من نمو الإقبال عليه في المستقبل، في ظل المخاوف المتجددة من خرق وسائل التواصل الاجتماعي خصوصيةَ الأفراد.

ما يزيد من احتمال أن يكون لهذه التجربة تأثيرات سلبية على مستقبل فيسبوك، هو أنها ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها الإعلام عن انتهاكات لخصوصية المستخدمين من قِبل فيسبوك نفسها، أو عبره، على أيدي أجهزة استخبارية.

ففي مارس من العام الحالي، كشف عميل المخابرات الأمركيية السابق إدوارد سنودنEdward Snowden دخول وكالة الأمن القومي الأمركيية إلى الملفات في أجهزة الكمبيوتر من خلال بث البرمجيات الخبيثة malware في نص رسائل يبعثون بها إلى البريد الالكتروني الخاص.

وفي يونيو من العام نفسه، نشرت صحيفة "الغارديان" وثيقة سرية تؤكد أن وكالة الأمن القومي حصلت على ضوء أخضر للوصول إلى معلومات الأفراد المسجّلين في بضعة مواقع، منها فيسبوك، وذلك ضمن برنامج Prism الاستخباراتي الذي يتيح للمسؤولين جمع مواد عن وسائل التواصل الاجتماعي، كتاريخ البحث الخاص بالمستخدمين ومحتوى رسائلهم ومحادثاتهم الحية.

لقد سبق كذلك للشركة أن حللت محادثات ومعلومات المستخدمين ونشرت دراسات عديدة، منها دراسة عن تعاطي أفراد العائلة الواحدة بعضهم مع بعض على الموقع (2013)، ودراسة أخرى عن مدى فعالية التأثير الاجتماعي والتعبئة السياسية في وسائل التواصل الاجتماعي على المستخدمين (2012)، بالإضافة إلى مدى تمكن فيسبوك من معرفة ما إذا كان المستخدمون على أبواب الدخول في علاقة.

غير أن ما جاء في التجربة، التي اقتضت تَغيير محتوى صفحات المستخدمين من تلاعب بالمشاعر، بدون إنذار، يشكّل خطأً فادحاً قد يحتّم على بعض المستخدمين إعادة النظر في علاقتهم بالموقع. فهل يدفع فيسبوك ثمن تحويله مستخدميه إلى حقل تجارب أم أن المستخدمين أصبحوا متعلّقين بملفاتهم الافتراضية أكثر من أن يأخذوا موقفاً حازماً من هذا الانتهاك للخصوصية؟

التعليقات

المقال التالي