الحرب على أرض وسائل التواصل الاجتماعي

الحرب على أرض وسائل التواصل الاجتماعي

ما إن أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما اللجوء إلى طلب التفويض من الكونغرس، فيما خص الضربة التي كان يزمع توجيهها إلى النظام السوري على خلفية المجزرة التي حدثت في الغوطة، حتى تحولت المقتلة السورية إلى مادة تجاذب إلكترونية وغصت صفحات أعضاء الكونغرس الفايسبوكية، وحساباتهم على تويتر، بصور الأشلاء البشرية المقطعة، وبأنفاس الأطفال المتحشرجة، وأصوات طلقات الإعدامات الميدانية.

توازياً مع الكباش العالمي القاسي الذي كان يدور بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، ومع المعارك الدائرة على الأرض بين طرفي النزاع في سوريا، ظهرت منازلة على صفحات الإنترنت بين مناصري النظام ومعارضيه المؤيدين للتحرك الأميركي بهدف تخليصهم من النظام.

حمل كل من الفريقين عدته الافتراضية من صور وشعارات، ورمى بها على صفحات أعضاء الكونغرس، بعض هذه العدة كان منظماً وجماعياً، وبعضها الآخر كان عشوائياً وعفوياً وفردياً. خطاب واحد من الرئيس الأميركي كان كفيلاً ببعث الإيمان في نفوس المناوئين والمؤيدين للنظام السوري بإمكان تحقق ديمقراطية كونية بوساطة الكونغرس.

دشن المعارضون للضربة المؤيدون للنظام السوري بسرعة هذا المجال، وقد أنشأوا صفحة فايسبوكية، في اليوم التالي لإعلان أوباما طلب التفويض. توجهت هذه الصفحة إلى أعضاء الكونغرس وحملت همّ تنسيق الحملات الدعائية والإعلانية، وقد بلغ عدد المشتركين فيها بعد مرور يوم واحد على إعلانها حوالي 6000 معجب. أمّا عدد أعضائها اليوم فيناهز الـ 35 ألف مشترك. يمكن اختصار السياسة العامة لهذه الصفحة بالتالي "عندما تبدأ القنابل بالتساقط، لا نستطيع التحكم في ما سيحدث بعد ذلك". وهي عبارات قالها أوباما عندما كان سيناتوراً يعارض الحرب على  العراق. مقصد هذا الشعار هو تهديد الولايات المتحدة الأميركية من مغبة المشاركة المباشرة مجدداً في نزاعات الشرق الأوسط. يترابط هذا الأمر مع إعلان النظام السوري وحلفائه بأن الضربة قد تعني حرباً طويلة الأمد، وفق ما أعلن عنه السفير الإيراني في لبنان عندما قال إن الأميركيين قد  "يتخذون قراراً ببداية الحرب ولكن ليسوا أصحاب القرار في نهايتها".

لقد ساهمت هذه الصفحة في توجيه المشتركين فيها للمشاركة في الاستفتاءات التي نظمها أعضاء الكونغرس حول الموضوع، كالتصويت الذي طرحه ممثل نيو جيرسي رودني فيرنجلاسين Rodney Frelinghysen أو العريضة التي نشرها آلان غريسون Alan Grayson ممثل ولاية فلوريدا على صفحته الفايسبوكية ليستخدمها في الضغط على زملائه النواب. إضافة إلى ذلك فقد حضرت جرائم المتطرفين الإسلاميين في سوريا كمادة تحشيد ضد الضربة، فغصت صفحة نانسي بلوسي Nancy Pelosi زعيمة الديموقراطيين في مجلس النواب الأمريكي بأخبار انتهاكات جبهة النصرة، مثال المقال الذي يسرد عملية إعدام الطفل الحلبي بائع القهوة بالإضافة إلى التعليقات المرفقة بالفيديوهات التي تعرض أبشع الجرائم التي ترتكب في سوريا، وتحذر من القاعدة كمنظمة إرهابية عالمية لا ينبغي للولايات المتحدة أن تقاتل من أجلها، كما جاء في تغريدات عديدة على حسابات أعضاء الكونغرس على تويتر. لقد تعمد مؤيدو النظام الإشارة إلى وقائع تطال الوجدان الغربي، فنشروا فيديو يعرض صور تجنيد الأطفال من قبل الجيش الحرّ، واستحضروا، في رسالة مترجمة، مكانة بلدة معلولا المسيحية، وهدفهم من ذلك شدّ العصب  "المسيحي" عند النواب الأميركيين.

أما حركة المؤيدين للتدخل العسكري، فقد ظلت بطيئة وغير منظمة إلى حد كبير، وقد اقتصرت على بعض مقاطع الفيديو التي تعرض للمجزرة، كالوثائقي المعنون "ذبح بلا دم" الذي أعدته الجزيرة وترجم إلى اللغة الإنكليزية، وقد دعت  "صفحة الثورة السورية ضد بشار الأسد"  الفايسبوكية مشتركيها إلى نشره على أوسع نطاق، خصوصاً على صفحات أعضاء الكونغرس الأميركي. كما طرحت هذه الصفحة دعوة إلى التصويت علىعريضة موجهة إلى الكونغرس تحثه على التحرك في سوريا، وقد اختفت هذه العريضة فيما بعد عن الانترنت.

على قاعدة ردّ الحجة بالحجة، نشر المؤيدون للتدخل تصريحاً ورد على لسان المفتي بدر الدين حسون يهدد فيه الغرب بعمليات انتحارية وتظهر التعليقات هدف طرحه في سياق تحميل الأسد مسؤولية الحركات الارهابية في العالم. حاول داعمو التحرك العسكري من السوريين تعميم صفحة فايسبوكية تدعو أعضاء الكونغرس إلى التصويتبنعم لكنها بقيت دون المستوى المطلوب، إذ لم يناهز عدد أعضائها الـ 1500 مشترك، وقد عرضت صور أطفال المجزرة وإحصائيات توثق ضحايا قمع النظام، ودعت مشتركيها إلى إرسالها إلى صفحات أعضاء الكونغرس أو إلى عناوين البريد الإلكتروني الخاص بكل واحد منهم، بعد أن نشرت صفحة تحدد ذلك.

يعكس حجم اهتمام مؤيدي النظام بأسلوب الضغط هذا اقتناعاً داخلياً بضرورة البحث عن حجج تعادل هول صور مجزرة الكيميائي، الأمر الذي يفسر حاجتهم إلى تنويع أساليب ضغطهم؛ كما يستبطن إيمانهم بقدرة ما على التأثير الجماهيري على القرار الأميركي، وهذا ما يتناقض مع التصريح بالمؤامرة المعدة سلفاً، ويتوافق مع ثقة عميقة بالديمقراطية الأميركية.  أما مؤيدو التدخل فقد اعتبروا أن الصور المجزرة كفيلة بذاتها بتحريك وجدان أي صاحب ضمير في هذا العالم.

التعليقات

المقال التالي