شيوخ الإنترنت، مصالحة مع التكنولوجيا أم صفقة رابحة؟

شيوخ الإنترنت، مصالحة مع التكنولوجيا أم صفقة رابحة؟

ناصب رجال الدين العداء لعالم الانترنت طويلاً، غير أنهم أدركوا اليوم أن قطار العصر يسير بسرعة فائقة، وأنهم إن أرادوا اللحاق به عليهم نشرُ خطابهم بلغة الجيل الجديد.

تمثل شبكة الإنترنت أرضاً خصبة لتناقل الدعوة الدينية بكثير من السرعة، وفيها يجتمع ما يُطرَح من محاضرات ولقاءات وفتاوى المساجد والمحطات الفضائية. سهّلت وسائل الاتصال الحديثة تسجيلَ وتوثيق كل ما يقدمه الشيوخ، وجعلَه في متناول ملايين المستخدمين ببساطة فائقة.

فإذا ألقى شيخ ما درساً في أحد الجوامع الصغيرة أمام بضع عشرات من الحضور، قد تحالفه شهرة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي بعد ساعات قليلة، وخصوصاً إذا كان الدرس يحتوي فتوى لا تخلو من الغرابة، فتجد التسجيل ينتشر في الشبكة كالنار في الهشيم، تتبعه عاصفة من الجدل في الفضائيات والصحافة "الفضائحية". في المقابل، يقوم روّاد مواقع التواصل برفع تسجيلات للشيوخ من القنوات الفضائية أو أخبار من الصحافة المقروءة، لتصل إلى فئة الشباب الذين تزداد قطيعتهم يوماً بعد آخر مع هذه المصادر. بالطبع، إن أكثر التسجيلات المتداولة هي ما يثير الدهشة والاستهجان والبلبلة بين المتابعين، كفتوى الشيخ محمد المنجد على قناة "المجد" الفضائية، بوجوب قتل "ميكي ماوس"، وفتوى الشيخ محمد المصري على قناة "الناس" والتي حرّم فيها كرة القدم باعتبارها "مؤامرة صهيونية"، وفتوى الدكتور جمال البنا بجواز تبادل القبلات بين الشباب والفتيات في الجامعات اتقاء لانفلات الكبت الجنسي، ومناظرة على قناة "اقرأ" حول الجن، يروي فيها أحد الشيوخ قصة حبه وزواجه من إحدى الجنيات، وغيرها كثير من فتاوى يصعب إحصاؤها.

تبقى شبكة الإنترنت بالتأكيد فضاء أوسع للشيوخ، إذ تمكّنهم من طرح خطابهم الديني بعيداً عن الرقابة السياسية والضوابط المهنية التي قد توجد في وسائل الإعلام التقليدية المرئية والمقروءة والمسموعة، لذلك تُعتبَر مناخاً ملائماً لنشر الدعوات المتطرفة وتكريس الاحتقان الطائفي. فالشيخ وجدي غنيم، في تسجيل له على موقع يوتيوب، هاجم المسيحين ووصفهم بـ "الصليبيين"، وانتقد قيام الإعلام المصري بما سماه "نشر الكفر" من خلال نقل مراسم حفل تنصيب الأنبا تواضروس بابا  للكنيسة القبطية، كما انتقد حضورَ رجال الدين المسلمين لهذا الحفل ولعزاء البابا شنودة الراحل والذي وصفه غنيم بـ "رأس الكفر". وفي تسجيل  مشابه للشيخ المصري عبد الله بدر، عبّر هذا الأخير بشكل صريح عن كرهه للمسيحين واليهود و"قرفه" منهم!

أما الشيخ الأردني السلفي ياسر العجلوني، فقد نشر تسجيلاً على يوتيوب يبيح من خلاله لمقاتلي المعارضة السورية أسر ”سبي“ النساء غير المسلمات أو اللاتي ينتمين لطوائف من غير أهل السنّة، وأجاز معاملتهن كـ "مُلك يمين"، قبل أن يتراجع عن هذه الفتوى في تسجيل آخر ويعتذر عنها، وقال إن سوء فهم حدث بسبب استغلال الإعلام لحديثه الذي قصد فيه أسرَ النساء، وليس الاعتداء عليهن جنسياً، إضافة إلى فيديو للشيخ محمد العريفي يقول فيه إن سفك الدم وسحق الجماجم وتقطيع الأجزاء هو شرف للمؤمن!

وإذا أردنا مقارنة نسب جمهور رجال الدين بين مجتمعاتنا وغيرها، (بابا الفاتيكان يتابعه على موقع "تويتر" مليونا ونصف مشترك)، فإننا نلاحظ أن للشيوخ في العالم العربي شعبية هائلة على الشبكة. الشيخ محمد العريفي، على سبيل المثال، يتابع أكثر من خمسة ملايين مشترك حسابَه الرسمي على تويتر، وأكثر من مليونين على فيس بوك، أما الشيخ عائض القرني فيتابعه أكثر من 3 ملايين مشترك على تويتر، وحوالي نصف مليون على فيس بوك، والشيخ سلمان العودة يتابعه أكثر من مليون على فيسبوك، ومليون متابع أيضاً لحساب الشيخ عدنان العرعور على تويتر. تحظى أقسام الإفتاء في المواقع الرسمية للشيوخ بمتابعة كبيرة أيضاً، فعلى سبيل المثال، يبلغ عدد زوار قسم الإفتاء في موقع الشيخ أبي اسحاق الحويني أكثر من نصف مليون.

ويعود هذا الإقبال الشديد على أقسام الإفتاء في مواقع الشيوخ إلى الخصوصية التي تعطيها للسائل والتي لا تتوفر له في المحطات الفضائية، خصوصاً بالنسبة للأسئلة التي قد تسبب الإحراج لصاحبها، وتحتوي معظم هذه المواقع أقساماً متعددة للفتاوى تشمل المعاملات، كأحكام الزواج والطلاق والأعمال والمواريث والعبادات والأخلاق والجهاد، كما تتميز بسرعة الحصول على الرد غالباً. من خلال جولة على هذه المواقع، يظهر عدد ضخم من الأسئلة المتعلقة بالمواضيع الجنسية وتفسير الأحلام والحسد وعذاب القبر، إضافة إلى عدد كبير من الأسئلة الغريبة والطريفة أحياناً.

على موقع الدكتور محمد راتب النابلسي، مثلاً، نجد أسئلة مثل: "ماهي صفات الحور العين التي وعدنا الله بها في الجنة"، "هل الاحتفال بعيد الميلاد وعيد الأم محرم؟"، "هل يجوز التحدث مع شاب عبر الفيس بوك فقط؟"، إضافة إلى أسئلة كثيرة حول حكم العادة السرية وحكم الزواج بنيّة الطلاق بعد فترة معينة، وأحكام الرقية الشرعية. على موقع الشيخ أبي اسحاق الحويني أيضاً أسئلة كثيرة عن حكم سماع الموسيقى و الأغاني، وأحكام "رضاع الكبير"، وعن جواز الإقامة في "بلاد الكفر"، والتحدث بلغة غير اللغة العربية.

يعمد كثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي على تداول الفتاوى الغريبة والطريفة فور صدورها، دون التأكد إن كانت حقيقية أم لا، وسرعان ما تنتقل  بعض الفتاوى المكذوبة لتصبح موضع جدل في برامج التوك شو على الفضائيات، كما تتصدر عناوينَ الصحف العربية وحتى العالمية، كما حدث مع الفتوى التي تحرّم على النساء تشغيل المكيفات في غياب أزواجهن عن المنزل. انتشرت هذه الفتوى بسرعة خيالية حتى وصلت إلى بعض الصحف العالمية كـ واشنطن تايمز Washington Times وغيرها. بالعودة إلى أصلها، تبيّن أن الفتوى صادرة عن حساب على موقع تويتر لرجل دين يدعى أبو البراء، وكان من الواضح أن الحساب وهمي ساخر لا أكثر.

نفى كذلك الدكتور علي الربيعي أن يكون قد أصدر الفتوى الشهيرة المنسوبة له، والتي تنص على أن خلع الزوجين لملابسهما أثناء الممارسة الجنسية يبطل عقد الزواج شرعاً، واستغرب الربيعي من قيام الصحف بنشر فتاوى مزيفة وسخيفة رغم أنها من حساب مزيف وكلام تافه لا يصدقه عاقل، حسب وصفه. كما نفى الشيخ محمد العريفي أيضاً مسؤوليته عن إصدار فتوى "جهاد النكاح" التي تبيح للنساء أن يمارسن الجنس مع مقاتلي المعارضة في سوريا دون عقد زواج، باعتبار ذلك جهاداً، وقال العريفي إن  هذه الفتوى مفبركَة عبر برنامج فوتوشوب، لكن وسائل الإعلام تناقلتها على الفور دون التحقق من نسبتها إليه. يدور الحديث مؤخراً عن أنّه يرجح كون هذه الفتوى دعاية ساهمت وسائل إعلام موالية للنظام السوري في انتشارها.

رغم السلبيات السابقة المطروحة عن تأثير الإنترنت في نقل الخطاب الديني المتطرف لبعض الشيوخ، إلا أنه يعطي الفرصة أيضاً لوجهة النظر الأخرى التي تقوم بحملات على مواقع التواصل لفضح أصحاب الفتاوى الشاذة والدعوات المتطرفة التي قد لا تتجلى بخطورتها الكبرى، إذ تنخر جسد المجتمع شيئاً فشيئاً، على مستوى الدروس والخطب في المساجد الصغيرة، لتشكل قنابل موقوتة قد تنفجر في أية لحظة.

نشر هذا المقال على الموقع في تاريخ 21.10.2013

التعليقات

المقال التالي