الإنترنت، حاضن الرغبات السرية

الإنترنت، حاضن الرغبات السرية

وصف الجاحظ "ألف ليلة وليلة"، الكتاب الذي عاصر انتشاره، بأنه كتاب للصبية وللبنات يخلو من القيمة الأدبية، ويعود ذلك بشكلٍ أساسي إلى ما احتواه الكتاب من قصص خيالية ووصف لمشاهد اللقاءات الجنسية والقصص الغرامية. احتاج الأمر إلى قرون لإعادة اكتشاف "الليالي" مرة أخرى، إلى جانب عشرات الكتب الأخرى التي تخصصت في آداب الجنس وقصص العشق والرغبات.

اليوم، تعيد دور النشر العربية طباعة الكتابات الإيروتيكية التراثية، كأعمال السيوطي والنفزاوي و"رجوع الشيخ لصباه"، لكن بينما توقفت المكتبات العربية عن إنتاج المزيد من هذه النوعية من الكتابات ذات الطابع الأيروسي، فقد تحول الإنترنت إلى مستودع لكل تلك الرغبات والأحلام والقصص المتخيلة والواقعية التي يتراوح مستواها الأدبي ما بين المستنسخات والكتابات ذات الأسلوب البدائي، الضعيف لغوياً أحياناً، ولكن المغاير لما هو سائد في المشهد الأدبي العربي.

اعلان


تتميز المواقع "البورنوغرافية" العربية باختلافها عن نظيرتها الأجنبية نظراً لعدم وجود صناعة "بورنو" عربية، لذا تقل الصور أو المواد البصرية لصالح المواد المكتوبة التي يتم توصيفها من قبل منتجيها تحت بند "قصص جنسية" أو "قصص أيروسية".

كتّاب مجهولون وآخرون بأسماء مستعارة

كانت المجموعات البريدية أول الوسائل التواصلية التي انتشرت قبل المواقع الاجتماعية والمنتديات، وتنوعت اهتمامات أعضائها بدءاً من الشؤون السياسية إلى التقنية، حتى القصص الجنسية. كانت البداية إعادة نشر تراث الأدب العربي الإيروتيكيّ المطمور، خصوصاً أعمال النفزواي والسيوطي. إلى أن ظهرت مجموعة "محبي د.نادية ط**" والتي كانت أكبر مجموعة مهتمة بالقصص الجنسية على الإنترنت، وتترأسها د.نادية التي كتبت أكثر من عشر روايات كاملة، إضافة إلى قصص أخرى، وعدد لا نهائي من المقالات التى ترد فيها على المعارضين لكتابتها. تبنّت نادية موقفاً شديد الوضوح يفيد بأن السبب الأساسي لتخلف المجتمع المصري يعود إلى أنه مجتمع غير صريح، غارق في الوحل، ومع ذلك يرفض مواجهة هذه الحقيقة. وكانت هذه الفلسفة تنعكس بشكل ما على كتابات نادية، فضابط البوليس رجل شرير معظم الوقت، وشيوخ الطرق الصوفية والفضائيات غارقون إلى آذانهم في ممارسات جنسية أقلّ وصف لها هو الشذوذ.

لم تتوقف أعمال نادية عند القصص والروايات أو كتابة ما يفترض أنه مذكراتها الشخصية، بل قدمت أيضاً كتاباً كاملاً بعنوان "أسرار الإبداع والإمتاع بين الأرداف والبتاع" وهو دراسة معمقة مليئة بالاستشهادات اللغوية من ألفية ابن مالك، في موضوع وصفته في مقدمة الكتاب بالنادر في الكتابة العربية بسبب تحريمه، وهو الجنس الخلفي. إلى جانب مجموعة نصوصها التي قامت على محاكاة ألف ليلة وليلة، ولكن بنسخة ذات طابع بورنوغرافي "ألف ني*ة وني*ة".

الملاحظ في كتابات نادية جرأتها الشديدة وتطرقها لأشكال مختلفة من الممارسات الجنسية، سواء المثلية أو الجماعية أو تلك الواقعة تحت بند "زنا المحارم". ضاع أرشيف نادية، لكنه ظل موزعاً بين المنتديات والمواقع، وحفظ المدون "خرم" جزءاً منه في إطار توثيق الفن الإباحي على مدونته.

مهد ظهور نادية باسمها الذى أصبح علامة في مجال الكتابة الإيروتيكية على الانترنت الطريق لظهور نجوم آخرين منهم عبير قاسم، نجوى عزيز، والثنائي خالد وميادة، ود .سامي محمود رزق المعروف بسنوسرت الثالث صاحب رواية "الرحيل نحو المجهول" والتي تدور حول نجاح إسرائيل في احتلال مصر باستخدام السلاح الكيماوي، فيهرب د.سامي بطل القصة مع عشيقته د.نادية، وجارته دينا، إلى الصحراء حيث يلتقي بزوجته البدوية الثالث ويبدأ رحلة من المغامرات الجنسية مع النساء الثلاث ليكثر من أبنائه ويعدّ جيشأً منهم لاستعادة مصر وتنصيب نفسه فرعوناً.

كسرت الريادة المصرية في مجال الأدب الأيروسي ظهور منافسين آخرين من السعودية والخليج، لتتغير أماكن القصص من القاهرة وشبرا وقرية الدلتا إلى جدة والرياض، ومعها يتغير مستوى اللغة، وظهرت اللهجات المحليةالمميزة لدول الخليج العربي، كما  تميزت القصص السعودية بالنهايات التراجيدية حيث يصاب البطل بالإيدز أو يموت في الطائرة أثناء عودته من تايلاند.

الإنترنت حاضن الرغبات السرية

أرشيف مشتت

بدعم من د.نادية، وعدد من محبي الكتابة الأيروسية، ظهر عام 2002 موقع النادي الأدبي الايروسي كمدونة إلكترونية تحولت بمرور الوقت إلى الكتابات الايروسية العربية منذ الشعر الجاهلي حتى الآن. تعرض النادي طوال تاريخه لمحاولات متعددة من التخريب الألكتروني على يد عدد من القراصنة المعروفين بمجاهدي الإنترنت. وشهد النادي عام 2004 ظهور رواية "مديحة" التي تمتد على أكثر من 400 صفحة والتى تعتبر درة الكتابات الأيروسية العربية الحديثة، وتدور حول الحياة اليومية العادية لزوجة شابة، مع وصف تفصيلي بالطبع للحظاتها الحميمة والخيالات الجنسية التى تعبر رأسها، وكيف يقودها الشبق إلى شبكات علاقات معقدة تؤدي في النهاية لانهيار زواجها.

اختفت نادية عام 2006 ولم تعد للكتابة مرة ثانية، لكن الانترنت حفظ  أرشيفها موزعاً بين المنتديات والمدونات الجنسية العربية، وتوقف موقع النادي الأيروسي عن التحديث، وبعد فترة تعرض للتخريب على يد مجاهدي الانترنت، حتى عاد النادي للظهور مجدداً عام 2010.

ظهرت عشرات المنتديات المخصصة لهذا الموضوع، وتنافست فيما بينها في عدد الأعمال الأيروسية الموجودة على كل منتدى، بل لجأت بعضها إلى فرض اشتراك على كل عضو جديد مقداره "واحد قصة"؛ فكل عضو جديد لابد أن يكتب على الأقل قصة أيروسية واحدة لكي ينضم إلى الموقع، وكان هذا سبباً في تزايد عدد القصص الأيروسية العربية الموجودة على الإنترنت، ولكن للأسف معظم كتابها غير معروفين، حيث تكتب هذه القصص بأسماء مستعارة وأحياناً بدون أسماء أساساً.

لم يمنع ذلك ظهور أعمال روائية آخرى مجهولة المؤلف مثل "بيت الطالبات غرفة 48" و"سمر وأخواتها". النموذجان الأخيران تحول نوعي، حيث يشهد السرد العربي السري على الانترنت صعود القصص التي تركز على الممارسات الجنسية ذات الأبعاد السادية أو المازوخية، بينما تنمو مجتمعات "الفيتش" من محبي الأقدام، إلى هؤلاء الذين يبيعون أنفسهم ككلاب وخدام للسيدات على الشبكات الاجتماعية. وأصبحت الفيتش والرغبات السادية تختلط بالنزعات الطائفية.

يعكس الأدب السري على الإنترنت صورة مركبة جداً عن أحلام ورغبات مستخدمي الانترنت العربي وتحولاتها، مما يجعلها، بغض النظر عن قيمتها الأدبية، أشبه بسردية تاريخية تنمو بعيداً عن الرقابة الأخلاقية والسياسية.

نشر على الموقع في تاريخ 19.01.2014

أحمد ناجي

كاتب وصحفي مصري، يعمل في مجال الصحافة الثقافية منذ 2004. صدر له روايتان، روجرز (2007) واستخدام الحياة (2014).

التعليقات

المقال التالي