العملة الافتراضية Bitcoin تدخل العالم العربي

العملة الافتراضية Bitcoin تدخل العالم العربي

بات لكل من يملك "بيتكوين" Bitcoin فرصة أن يدفع بهذه العملة الافتراضية لتناول البيتزا بفضل مطعم "ذي بيتزا غايز" The Pizza Guys في دبي. ويعتبر هذا المطعم الذي يتعامل بالبيتكوين الأول من نوعه في المنطقة العربية، وقد افتتحه رامي بدوي وزوجته أمبر هايك في شهر فبراير 2013 ليخوضا مغامرة البيتكوين مطلع هذا العام.

يخبر بدوي رصيف 22 أن الفكرة ولدت من حديث أحد الزبائن، طارق قدومي، الذي أطلق حساب "بيتكوين مينا" Bitcoin MENA على توتير، مراراً وتكراراً عن هذه العملة. بدأ هو وزوجته بالتعمّق بالموضوع. "كلما قرأنا عنه، كلما وجدنا الفكرة جذّابة، لذا قررنا خوض التجربة".

اعلان


قد يظنّ البعض أنها فكرة مجنونة، لاسيما أن هذه العملة الافتراضية ليست قابلة للنموّ بعد ومتقلّبة جداً. إلا أن رامي بدوي صاحب المطعم الصغير يظنّ العكس، ويضيف "لو كنت صاحب شركة كبيرة، لما جازفت". يبدو الامر بالنسبة لبدوي وهايك أشبه بمشروع رياديّ اجتماعي بانتظار أن تتبنّاه شركات أخرى. "لم نكن نعرف ما يجب أن نتوقعه من هذه التجربة، إلى أن اعتمدنا بيتكوين واكتشفنا أنها عملة سهلة".

دخول "ذي بيتزا غايز" عالم العملة الافتراضية يعود إلى سببين أساسيين، يشرحهما بدوي بالقول: "عندما تنظر إلى مبيعاتنا، تجد أن 20 إلى 35 بالمئة من المبيعات تتمّ بفضل البطاقات الائتمانية، مما يعني أننا لا نتقاضى الأموال على الفور. بالنسبة لأية شركة، كل يوم مهم في ما يتعلق بالمصاريف لوجود الرواتب والفواتير… أحياناً، ننتظر ثلاثة أيام للحصول على المال. لكن هذه المشكلة غير موجودة مع بيتكوين، فنحن نتقاضى أموالنا حالما يدفع الزبون".

أما السبب الثاني، فيتعلق بالعمولات التي تصل إلى 2.5 بالمئة على البطاقات الائتمانية، في حين أن الدفع بالبيتكوين مجاني من دون تكاليف إضافية. يضيف بدوي أن البيتكوين تقدّم أيضاً فائدة للمستهلكين، فكلما قاموا بأية معاملة مصرفية، تصبح المعلومات الشخصية متوفرة للجميع تقريباً، أما التعامل بالبيتكوين، "فيحفظ معلوماتك الشخصية".

كيف تجري عملية الدفع؟

إنها عملية بغاية السهولة بالنسبة لبدوي، ولا تحتاج إلا لهاتف محمول وتطبيق خاص بالبيتكوين. عندما يرغب الزبون بالدفع بالعملة الافتراضية، يقوم التطبيق الخاص بتحويل الدرهم إلى مبلغ معيّن من "البيتكوين". ثم يقوم بإنتاج رمز QR، الذي يسمح بعد قراءته بواسطة المحمول، بالتحويل ودفع المبلغ المطلوب.

بعد ذلك، يقوم المطعم بتحويل العملة الافتراضية إلى دراهم (إذا أراد، فبدوي مثلاً يحتفظ بالمبالغ بالبيتكوين!) عبر خدمة تحويل على الإنترنت. تجدر الإشارة إلى أن المحفظة الافتراضية متوفرة فقط على الهواتف التي تعتمد نظام "أندرويد" Android بعد أن قررت شركة "آبل" Apple سحب هذا التطبيق الشعبي، الذي تم تحميله 120 ألف مرة خلال عامين، حتى شباط الماضي.

يطلعنا بدوي أن 12 زبوناً، معظمهم من الشباب، دفعوا بالبيتكوين منذ إطلاق الخدمة لدى "ذي بيتزا غايز". قد يبدو العدد ضئيلاً، إلا أن بدوي يخبرنا أن بعض المقاهي في نيويورك لم تصل إلى هذا العدد من الزبائن في فترة زمنية أطول بحسب أحد العاملين في شركة بيتكوين في نيويورك. على الرغم من سهولة استعمال البيتكوين، إلا أن هذه العملة الافتراضية ما زالت مجهولة نسبياً، أو غير مقبولة لدى الكثيرين.

عملة مثيرة للجدل

تعود فكرة البيتكوين إلى عام 2008 عندما كتب ساتوشي ناكاماتو Satoshi Nakamatoبحثاً عن هذه العملة التي وصفها بنظام إلكتروني يعتمد على التعاملات المباشرة peer-to-peer أي بين مستخدم وآخر من دون أي وسيط. وطرحت هذه العملة للتداول للمرة الأولى عام 2009 كوسيلة لتغيير النظام الاقتصادي العالمي، لاسيما أنها تعتمد على اللامركزية. هوية ناكاماتو، الذي يبدو أنه إسم مستعار، لم تُحدد حتى اليوم. أثار تقرير نشرته مجلة "نيوزويك" Newsweek قبل أيام ضجة كبيرة. ادّعت المجلة أنها وجدت مبتكر البيتكوين: فيزيائي أميركي- ياباني يبلغ من العمر 64 عاماً ويعيش في ضواحي لوس أنجلس. نفى هذا الأخير أية علاقة له بالعملة الافتراضية، غير أنّ المجلة أصرّت على أنه المؤسس الحقيقي لنظام العملة هذا، لاسيما أنه قام بمهمات سرية كمهندس أنظمة للحكومة الأميركية، وكان قد اعترف في السابق، وبشكل ضمني، بدوره في ابتكارها.

على الرغم من الغموض الذي ما زال يلفّ هوية مبتكر العملة، انتشرت في عدد من الدول ولاسيما بين مجموعة محبّي ألعاب الفيديو على الإنترنت، كما يخبرنا بدوي: "كثيرون استثمروا بضعة دولارات ليصبحوا اليوم بغاية الثراء". تعتبر ألمانيا أول دولة تعترف بالبيتكوين كعملة أجنبية، غير أن عدداً من الدول الأخرى لا تملك موقفاً واضحاً منها أو حيال طريقة التعامل بها، كفرنسا والهند مثلاً، أو حتى ترفض الاعتراف بها كعملة على غرار المملكة المتحدة. على الرغم من الجدل حول "هوية" هذه العملة، شهدت بعض الدول، في الآونة الأخيرة  ظهور عدد من آلات الصراف المالي ATM كاليابان وإيرلندا، والولايات المتحدة…

كل هذه المواقف  تُعزى إلى أن عملة بيتكوين ارتبطت بالكثير من النشاطات الإجرامية الإلكترونية، حتى أن مكتب التحقيقات الفيدرالي اعتبر أنها ستواصل جذب مجرمي الإنترنت الذين يعتبرونها وسيلة لنقل وسرقة الأموال، الأمر الذي ربط بيتكوين بـ"السوق السوداء" لشراء سلع غير شرعية كالمخدرات والأسلحة، وبعمليات تبييض الأموال وبسلسلة بونزي ponzi scheme للاحتيال، بالإضافة إلى عمليات السرقة. وقد تسببّت هذه الأخيرة بإعلان شركة "ام تي غوكس" Mt. Gox اليابانية، أحد أشهر مواقع تداول العملة الافتراضية المستخدمة على الإنترنت "بيتكوين" إفلاسها، وذكر الموقع أنه خسر حوالي 750 ألف عملة "بيتكوين" من مدخرات العملاء، إلى جانب 100 ألف عملة مملوكة له. يتردد أن القيمة الحقيقية لخسائر "ام تي غوكس" بلغت نحو نصف مليار دولار، وتلاه مصرف فلكسكوين الكندي Flexcoin الذي أعلن وقف نشاطه بعد تعرّض كل وحداته البالغ عددها 856 بيتكوين (ما يعادل 600000 دولار) للسرقة.

مستقبل العملة الافتراضية

على الرغم من سوء الاستعمال وعدم معرفة العديد من الأفراد بيتكوين، إلا أن هذه العملة، في حال حسن استخدامها، قد تتطوّر وتصبح وسيلة جديدة للتعامل. لا يظنّ بدوي أنها ستستبدل يوماً العملة التقليدية، لا بل يرى فيها "وسيلة أكثر فعالية وأقل كلفة لنقل الأموال"، إلا أنه يؤكّد أن الأمر يعتمد على "استقرار سعر صرفها مقابل العملات الأخرى"؛ استقرار يبقى رهن موقف الحكومات وتبنيّ عدد أكبر من الشركات والمتاجر لها.

يعتبر بدوي أن هذه العملة الافتراضية قد تجد طريقاً لها في الإمارات العربية المتحدة، حيث لم يجد أية مادة أو قانون يحرم التعامل بها. وبالنسبة له، "لن تجعل هذه العملة الأعمال أكثر نجاحاً وازدهاراً، لكنها قد تجذب شريحة جديدة من الزبائن الذين يستخدمون البيتكوين". يؤكّد أن المزيد من الأفراد، وحتى بعض المستثمرين والمشرّعين في الإمارات، بدأوا يهتمون بمعرفة المزيد عن هذه العملة الافتراضية حتى لو أن المصارف ما زالت متحفّظة، أو حتى معارضة للبيتكوين بسبب التهديد الذي قد تشكّله. إلا أن هذا التخوّف ليس بمكانه بالنسبة لبدوي، فهذه العملة وجدت لتسهيل حياة الأفراد، لا لاستبدال العملة التقليدية. "تخيّلوا المبالغ التي يخسرها أيّ سائح بسبب فرق العملة والعمولات، وتخيّلوا المبالغ التي سيوفرها إذا استخدم البيتكوين"، يقول.

"ذي بيتزا غايز" كانت أول تجربة في المنطقة العربية، لكنها لم تعد الوحيدة. بدأ مقهى "ترتل غرين" Turtle Green في عمان- الأردن بالتعامل بالبيتكوين، وربما تتوالى التجارب في الأشهر المقبلة.

لا شك أن البيتكوين عملة جذابة بسبب سهولة استعمالها، لامركزيتها، وخدماتها المجانية، وأيضاً مثيرة للجدل بسبب استغلالها، لكنها تمهد الطريق إلى نظام عملات افتراضية، قد يغير أو يضيف خدمات جديدة للنظام المالي العالمي الحالي!

باميلا كسرواني

صحافية لبنانية عملت في مجال الصحافة المرئية والمسموعة وتعمل في الصحافة الإلكترونية بين دبي ولبنان. تحمل ماجستير في الإعلام من جامعة السوربون الفرنسية.

التعليقات

المقال التالي