هل تواكب البرلمانات العربيّة التكنولوجيا؟

هل تواكب البرلمانات العربيّة التكنولوجيا؟

كانت سلطنة عمان قد أعلنت منذ مدّة إطلاقها مشروع "البرلمان الإلكتروني" الأول من نوعه في العالم العربي، معتبرة أنه سيدشن مرحلة جديدة في الأداء البرلماني لمجلسَي الشورى والدولة في السلطنة. ذلك في وقت تتضاعف فيه جهود البرلمانات حول العالم لاستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في خدمة المسؤولية والشفافية البرلمانية، وفق ما أظهره تقرير البرلمان الإلكتروني العالمي للعام 2012. ما الذي تقدمه هكذا خطوة في بيئة عربية؟ أو بالأحرى، ما الذي علينا توقعه من سلطنة عمان، بعد أن عملت على دراسة تجارب مختلفة عبر العالم، واستقت منها، وفق تعابير المسؤولين عن المشروع، أفضل النظم الإلكترونية المتوفرة؟

لا بد من التوقف قبل كل شيء عند مصطلح البرلمان الإلكتروني، الذي يأتي في الخانة نفسها مع مصطلح الحكومة الإلكترونية، وفق منحى يرى ضرورة استغلال التكنولوجيا لتحويل طرق عمل مؤسسات الدولة ووظائفها، أكانت تنفيذية أم تمثيلية، لتحقيق الديمقراطية. تقرير البرلمان الإلكتروني الأول لعام 2008 يُعرّفه على أنه "هيئة تشريعية معدّة لتكون أكثر شفافية، يسهل الوصول إليها، وخاضعة للمساءلة، من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. هيئة تدفع الناس، على اختلافهم، الى الانخراط أكثر في الحياة العامة عبر تسهيل وصولهم إلى الوثائق المتعلقة بها وإلى نشاطاتها". بالتالي، فإن العنصر الأبرز الذي تسعى إلى تعزيزه البرلمانات الإلكترونية، فضلاً عن الفعالية الإدارية، هو تحسين العلاقة ما بين النواب، ممثلي الشعب، والشعب نفسه، عبر ردم الهوة بينهما. هذه الهوة غالباً ما تعززها تركيبة البرلمانات التقليدية، حيث لا تُعرض الجلسات النيابية مباشرة على التلفاز أو الإنترنت، مما يحرم المواطن والمهتمين من الهيئات المدنية متابعة ما يجري فيها، ولا تنشر بشكل دائم محاضر الجلسات، ونشاطات النواب، واقتراحات القوانين، وكل الوثائق المتعلقة بأداء البرلمان. حيث، وهو الأهم، يصعب على المواطن التواصل مع النائب الذي اختاره، ونقل شكواه وآرائه إليه.

معظم البرلمانات العربية تعتمد على تقنيات المعلومات، وتملك مواقع إلكترونية خاصة. غير أن البرامج الإلكترونية التي تستخدمها محدودة ولا تتناسب وظائفها مع واقع العمل البرلماني المتسارع، ولا تواكب الإمكانيات الهائلة التي تتيحها تكنولوجيا المعلومات اليوم، أقلّه في ما يتعلق بوسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت أداة مهمة في أيدي المسؤولين حول العالم، وصلة الوصل بينهم وبين جمهورهم. ثلث برلمانات العالم، أواخر 2012، استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي، مع ثلث آخر يخطط لذلك. لا يعني استخدامها كأداة مجرَّد امتلاك حساب على فايسبوك أو تويتر، بل يعني إدارته كما يجب، وكما يبينه دليل البرلمانات إلى الوسائل الاجتماعية الذي صدر هذا العام.

النظام الإلكتروني الجديد الذي تبنته سلطنة عمان يعتمد على 7 تطبيقات. أولها يسعى إلى تنظيم العمل البرلماني، بدءاً من عمل اللجان، وصولاً إلى عملية التصويت التي ستقوم على تزويد كل نائب بشاشة إلكترونية متصلة بشبكة الإنترنت، يستطيع من خلالها إبداء رأيه دون حرج. التطبيق الثاني يسعى إلى تعزيز الشفافية، عبر إنشاء بوابات إلكترونية لمجلسَي الدولة والشورى تكون بمثابة منابر للأعضاء، تمكنهم من التواصل مع المواطنين واستقبال تعليقاتهم. التطبيق الثالث يضع حجر الأساس لمكتبة إلكترونية واسعة تشكل مرجعاً للنواب، متصلة بأهم المكتبات في العالم. ما تحاول سلطنة عمان تطبيقه اليوم، يمهد لنقلة نوعية في الأداء البرلماني، ولكنه يبقى مجرد وسيلة، لا بد أن تقرن بمساع حقيقية من قبل ممثلي الشعب. يكتسب هذا الأمر أهمية مضاعفة في سلطنة عمان نفسها، حيث لم يلعب مجلس الشورى حتى العام 2011 سوى دور استشاري. الصلاحيات التشريعية لمجلس الشورى حديثة العهد، ما يضعه أمام تحدٍّ كبير.

تظهر تجارب عدة حول العالم ما تتيحه تكنولوجيا المعلومات من إمكانات. البرلمان الهندي يملك على موقعه الإلكتروني صفحة خاصة بكل عضو، تتضمن معلومات عنه، وكيفية الوصول إليه والتواصل معه. البرلمان البرازيلي أطلق من جهته مبادرة e-democracia حيث يساهم المواطنون ومؤسسات المجتمع المدني مع النواب في صياغة القوانين. في العالم اليوم، تستطيع البرلمانات أن تدعو الى عقد جلسة استثنائية على تويتر، كما فعل رئيس مجلس النواب في الإكوادور، أو في إعلان حرب، كما فعلت وزارة الدفاع الإسرائيلية في حربها الأخيرة على غزة. ويستطيع المواطن أن يتابع مباشرة، عبر تويت كام Twitcam، ما يحدث في الجلسات العامة كما في شيلي. لا يتطلب دخول أي برلمان حلبة تكنولوجيا المعلومات استثمارات هائلة وأنظمة متطورة حتى يؤدي الدور المكلّف به. إن اللجوء اليوم إلى أبسط ما توفره الشبكة من مساحة للنشر، وسائل للتواصل أو الاستفتاء، ومن منبر للنقاش، يعد نقلة نوعية في العمل البرلماني، ويخرج الخطاب من دائرة الطرف الواحد.

التعليقات