مصر... حين تعمل منظمات حقوقية في خدمة السلطة

مصر... حين تعمل منظمات حقوقية في خدمة السلطة

"ليس هناك أي نوع من أنواع التعذيب داخل أي سجن في مصر، وليست هناك حالات معتقلين غير مسجلين قامت بها الشرطة. المنظمات الدولية التي تكتب تقارير ضد التعذيب في مصر مأجورة وتعمل لترويج أجندات تستهدف الدولة".

هذا هو رأي الناشطة الحقوقية المصرية داليا زيادة، على الرغم من أن الكثيرين من الحقوقيين الدوليين والمصريين ينددون بما يصفقونه بـ"جحيم التعذيب" على يد الشرطة وبظاهرة الاختفاء القسري.

Egypt-...-when-human-rights-organizations-work-in-the-service-of-the-Authority3

في السادس من سبتمبر، نشرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تقريراً حول التعذيب في مصر والأساليب التي تستخدمها الشرطة، ولا سيما جهاز الأمن الوطني، ضد المعارضين السياسيين المعتقلين، موضحةً أن المعتقلين في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، يتعرّضون للتعذيب بشكل روتيني، بأساليب تشمل الضرب والصعق بالكهرباء، وأحيانا الاغتصاب.

وصفت المنظمة هذا التعذيب الواسع النطاق بـ"المنهجي"، مضيفةً أنه قد يرقى إلى مرتبة جريمة ضد الإنسانية.

لكن زيادة قالت لرصيف22: "كل ذلك أكاذيب، وليس هناك مبرر لحدوثه، كما أن المنظمة التي نشرته تحمل أجندة تخدم الدول المعادية لمصر والساعية إلى تشويه صورة البلد وإظهارها بشكل أسوأ مما كانت عليه إبان عهد نظام الإخوان".

أشعل تقرير "هيومن رايتس ووتش" الجدل في مصر، وخرجت وزارة الخارجية لتندد به ووصف مصدر في الداخلية المنظمة بالممولة من "الإخوان الإرهابية". غير أن الذين تصدروا الخطوط الأولى للدفاع عن الشرطة وأساليبها في الأقسام والسجون، والهجوم على المنظمة الدولية هم حقوقيون ومنظمات حقوقية.

أقوال جاهزة

شارك غردحقوقيون مصريون يرصدون لائحة بمنظمات حقوقية يتهمونها بالعمل على تجميل صورة النظام

شارك غردالعمالة وخدمة الخارج تهمتان جاهزتان لأي جهة حقوقية تنتقد انتهاكات في مصر واللافت أن المتهِمين "حقوقيون"

"حقوقيون غير حقوقيين"

ينتقد حقوقيون مصريون هذه التصرّفات ويعتبرون أنها لا تمتّ للحقوق بصلة. "للأسف داليا زيادة تنتمي لنوع من الحقوقيين المتواطئين مع الدولة. هي عبارة عن صفقة تجارية بين هؤلاء الحقوقيين والدولة، فهم يتغاضون عن انتهاكات السلطة ويباركونها ويدافعون عنها، في مقابل امتيازات، مثل الحصول على وظائف أو خدمات أخرى أو حتى التغاضي عن مخالفات قانونية يرتكبونها"، يقول المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان جمال عيد لرصيف22.

Egypt-...-when-human-rights-organizations-work-in-the-service-of-the-Authority2

ويضيف: "للأسف الحقوقيون الذين يخدمون مصالح الدولة أصبحوا ظاهرة في مصر".

تدير زيادة المركز المصري لدراسات الديمقراطية الحرة، وهو واحد من المراكز الحقوقية التي يصفها عيد بأنها "تفضّل اتخاذ مواقف موالية للنظام لتحسين صورته وتبرير انتهاكاته، بل ومواجهة وتشويه المنظمات الحقوقية المستقلة المحلية والدولية".

زيادة ومركزها ليسا الوحيدين المتهمين بالعمل الحقوقي لخدمة الدولة. فاللائحة طويلة وتضم المجلس القومي لحقوق الإنسان التابع للحكومة، و"الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث وحقوق الإنسان"، و"الاتحاد المصري لحقوق الإنسان"، و"ملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان" و"المنظمة المتحدة الوطنية لحقوق الإنسان" و"تحالف منظمات المجتمع المدني من أجل استعراض الدور الشامل"، الذي يضم 229 منظمة حقوقية ومدنية...

"مشلكة النظام وهذه المنظمات الحقوقية المجمّلة لصورته أو التي تخدم مصلحته، هي أنها تتجاهل محتوى التقارير التي تنتقد سلوكياته، بدايةً من التعذيب والاختفاء القسري وباقي الاتهامات الأخرى، وتلجأ إلى توجيه اتهامات مثل العمالة والتمويل من الخارج"، تعلّق عزة سليمان، الناشطة الحقوقية، ومديرة مركز قضايا المرأة المصرية لرصيف22.

وبرأيها، فإن التضييق على الحريات وغلق المساحات أمام الحقوقيين المستقلين، أفسح المجال بقوة لبروز مثل هذه المنظمات.

بعد يومين من تقرير "هيومن رايتس ووتش"، نشرت لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة تقريراً يؤيد اتهامات المنظمة، وقالت إن التعذيب يمارَس بشكل ممنهج وتحت رعاية السلطات الحاكمة.

قوة بعد 30 يونيو

الظاهرة هذه ليست جديدة برأي جمال عيد. يقول إنه قبل ثورة يناير 2011، كانت موجودة ولكن عدد مثل هذه منظمات كان محدوداً، ويتابع: "للأسف الآن وبعد 30 يونيو 2013، زاد عدد الجماعات المتواطئة جداً مع السلطة في مصر والتي تعمل في خدمة الدولة"، قبل أن يستدرك: "هم ليسوا فقط يرفضون تقارير مؤسسات حقوقية كبرى ذات مصداقية، ولكن بعضهم يحرّض على القتل ويشجع عليه. هناك مَن خرج ليتكلم عن الاحترافية الشديدة في فضّ اعتصام رابعة، الذي أسفر عن مقتل حوالي 800 مواطن مصري في 12 ساعة فقط".

لم تمرّ سوى عشرة أيام على فضّ الاعتصام الذي كان يقيمه الإخوان المسلمون في ساحة رابعة العدوية في أغسطس 2013، حتى خرج مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، بتقرير قال فيه إن قوات الشرطة التزمت تماماً بتطبيق المعايير الدولية المتبعة في فض الاعتصامات.

Egypt-...-when-human-rights-organizations-work-in-the-service-of-the-Authority

وجاء في التقرير: "بعدما فتحت الشرطة ممراً للخروج الآمن، تحركت الجرافات لإزالة الحواجز التي أقامها المعتصمون، لكنهم فوجئوا بإطلاق ما تبقى من المعتصمين أعيرة نارية من أسلحة آلية ومحلية الصنع ناحيتهم".

كما قال المركز في شهادته للنيابة، إن الشرطة استخدمت الخرطوش والغاز، والمعتصمون استخدموا مسدسات وبنادق، وإن الأسلحة دخلت الاعتصام في توابيت.

أما داليا زيادة، فترى أنه كان هناك مذبحة في رابعة بالفعل، ولكن مذبحة ضد قوات الأمن، راح ضحيتها مئات الضباط وأفراد الشرطة، مشيدةً ببطولة قوات الشرطة في فض الاعتصام، ومعلّقةً: لو لم يحدث الفض لكانت مصر سوريا ثانية.

وتوضح عزة سليمان: "حقوق الإنسان لدينا ليست هي الحقوق نفسها لدى هذه المنظمات. النظام وهذه المؤسسات التي تعمل تحت مظلته لا تتحدث بشكل مهني، والكذب والخداع لن يخدما صورة الملف الحقوقي المصري".

بعد اغتيال النائب المصري السابق، هشام بركات، خرج نجيب جبرائيل، مدير الاتحاد المصري لحقوق الإنسان، ليطالب الدولة بتوسيع المحاكمات العسكرية واتخاذ إجراءات استثنائية حازمة لتحقيق فلسفة الردع.

"هؤلاء ليسوا حقوقيين، لا يوجد حقوقي يقبل بأن يكون هناك تعذيب أو سوء معاملة ويتستر على ذلك ويدافع عنه أو يبرره"، قال لرصيف22 محمد لطفي، المدير التنفيذي للمفوضية المصرية للحقوق والحريات.

المجلس القومي لحقوق الإنسان... "ماكياج للسلطة"؟

أهم المؤسسات المتهمة بالعمل على تجميل النظام هي المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي انشأه النظام في فترة رئاسة الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2003، لتعزيز وصيانة حقوق الإنسان في مصر.

لكن سرعان ما تحوّل المركز إلى خدمة النظام والتصدي لأي تقرير يدين انتهاكاته، وفقاً لعيد الذي يوضح أن المؤسسات المستقلة توقفت عن العمل معه بسبب توجّهاته التي تخدم سياسات الدولة وليس حقوق الإنسان.

في أغسطس 2015، قام وفد من المجلس القومي لحقوق الإنسان بزيارة إلى سجن العقرب، الذي يصفه البعض بأنه أحد أقسى السجون المصرية، عقب ورود شكاوى معتقلين بشأن حرمانهم من الزيارات وضعف الخدمات الطبية في السجن وإغلاق الكافيتريا فيه وعدم السماح للسجناء بالتريّض.

وبعد الزيارة المرتبة من وزارة الداخلية، خرج أعضاء المجلس بتقرير يقول إن الزيارات كانت متاحة، وإن تعامل المساجين مع الكافيتريا كان سارياً، كما تتوافر العناية الطبية اللازمة.

وأثار التقرير سخرية وانتقاداً واسعين وأظهر بجلاء تماهي المجلس مع النظام، لا سيما أن أعضاءه لم يلتقوا بشخصيات سياسية معارضة معتقلة في السجن حينها، وبدت اللقاءات كأنها مرتبة، كما لم يتطرق التقرير إلى خمس حالات وفاة وقعت في السجن قبل الزيارة بوقت قريب، وعدم الاستجابة لعشرات الحالات التي تقدمت بطلب إجراء عمليات جراحية عاجلة، بالإضافة إلى انتشار بعض الأمراض الجلدية المعدية بين السجناء، بحسب بيان رابطة أسر معتقلي العقرب عقب التقرير.

التقرير المذكور ليس المأخذ الوحيد على المجلس الذي يرى البعض أنه "أصبح مؤسسة تجميلية للدولة بدلاً من أن يلعب دوره في الدفاع عن حقوق المواطنين"، بحسب عيد، الذي يضيف أن إنكار المجلس لظاهرة الاختفاء القسري، في تقرير له تحت عنوان "الاختفاء القسري بين الادعاء والحقيقة"، وتبرئته للشرطة، يعكس بوضوح الدور الذي يلعبه المجلس في مصر الحالية.

محمد عبد النعيم، رئيس المنظمة المتحدة الوطنية لحقوق الإنسان، يبرئ هو الآخر الشرطة من الاختفاء القسري، ويقول: "لا توجد لدينا حالات تعنت من الشرطة، والداخلية تحقق في وقائع الاختفاء بعد تلقيها بلاغات، ومعظم الحالات التي لم يستدل عليها رأيناها بعد ذلك ضمن صفوف المقاتلين في جبهة النصرة وداعش"، داعياً إلى التريث قبل اتهام الشرطة، ومشيراً إلى أن هناك مئات الشباب الذين يبتلعهم البحر أثناء الهجرة غير الشرعية، وآخرين يموتون في الصحراء خلال تسللهم إلى ليبيا.

لكن برأي عيد، فإن ظاهرة الاختفاء القسري "واقع لا يمكن إنكاره"، ويقول: "الكثيرون من الشباب والمعارضين اختفوا وظهروا في ما بعد في أقسام الشرطة وأمام النيابة، مع توجيه تهم عن نشاطات تم ادعاء أنهم ارتكبوها خلال فترة الاختفاء"، ويضيف: "آخر المختفين، إبراهيم متولي، محامي المختفين قسرياً الذي أطلق رابطة المختفين بعد اختفاء ابنه عام 2013".

ويأتي هذا التقارب بين الدولة وهذه المنظمات الحقوقية، في الوقت الذي تتعرض فيه المنظمات المستقلة لهجمة شرسة، إذ أُغلق بعضها، وحجبت مواقع أخرى، في حين تتم ملاحقة البعض بتهمة العمل دون ترخيص وتلقي تمويل من الخارج، وجُمّدت أرصدة بعض المنظمات والحقوقيين ومنعوا من السفر.

 

التعليقات

المقال التالي