حراك الريف في المغرب... "قطع رأس" الحركة الاحتجاجية لم يقتلها

حراك الريف في المغرب... "قطع رأس" الحركة الاحتجاجية لم يقتلها

يرجّح أن تبدأ الثلاثاء، في 19 سبتمبر، أولى محاكمات المجموعات القيادية لناشطي حراك الريف الاحتجاجي في المغرب والمسجونين في سجن عكاشة في مدينة الدار البيضاء، وذلك على بعد أسابيع من تخليد الذكرى الأولى لانطلاق هذه الحركة الاحتجاجية.

ويحاكَم أعضاء هذه المجموعة، وأبرزهم الناشط نبيل أحمجيق الذي كان يعتبر الرجل الثاني في الحركة الاحتجاجية بعد رمزها، ناصر الزفزافي، بتهم ثقيلة من بينها جناية المشاركة في تدبير مؤامرة.

استمرار المحاكمات والاعتقالات

تأتي هذه المحاكمات في ظل استمرار صدور أحكام قاسية بالسجن على المجموعات التي تمثل أمام محاكم مدينة الحسيمة، والتي كان آخرها الأحكام التي صدرت الأسبوع الماضي في حق 26 معتقلاً شاركوا في المسيرة الاحتجاجية التي شهدتها مدينة إيمزورن في 13 أغسطس الماضي.

تواجه الجمعيات الحقوقية صعوبة كبيرة في تحديد عدد المعتقلين بدقة بسبب استمرار الاعتقالات بشكل عشوائي ويومي. وقال ناشط حقوقي في مدينة الحسيمة فضل عدد الكشف عن هويته لرصيف22 إن عدد المعتقلين تجاوز 300 موزعين على مختلف مناطق الريف ومن بينهم 17 قاصراً على الأقل.

فيما أحصت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أكبر تنظيم حقوقي في البلاد، 265 حالة اعتقال حتى الآن، وفق ما صرح به مصدر من داخل المنظمة لرصيف22، بينما طرحت منظمة هيومن رايتس ووتش، في آخر تقرير لها، رقم 216 معتقلاً.

في السياق نفسه، أعلن عدد من المعتقلين دخولهم في إضراب مفتوح عن الطعام احتجاجاً على أوضاعهم داخل السجن، وعلى استمرار الاعتقالات والمتابعات والمحاكمات التي يصفونها بـ"الصورية".

وأعلن محمد جلول، وهو يساري وأحد الوجوه البارزة للحراك، وفق ما نقلته مصادر مقربة منه، دخوله مجدداً في إضراب مفتوح عن الطعام ابتداء من هذا الأسبوع إلى حين الإفراج عن المعتقلين ورفع العسكرة عن الريف وتحقيق الملف المطلبي للحركة الاحتجاجية.

كما عاود ربيع الأبلق هو الآخر إضرابه عن الطعام، أسابيع قليلة فقط بعد توقيفه إضراباً مماثلاً استمر أكثر من 38 يوماً، وتدهورت على إثره حالته الصحية بشكل كبير.

INSIDE_HirakRif2

عشرة أشهر من المخاض

اندلعت الاحتجاجات الشعبية الواسعة في منطقة الريف المغربي من رحم لحظة عاطفية مأسوية على إثر حادثة مقتل بائع السمك محسن فكري في أكتوبر 2016، في مدينة الحسيمة، بعد أن ابتلعته إحدى شاحنات تميع وضغط النفايات وسحقته، حينما كان يحاول منع مصادرة أسماك أبو سيف، المحظور صيدها خلال تلك الفترة من السنة.

وتوسعت رقعة الاحتجاجات لاحقاً لتصل إلى القرى والبلدات الريفية المجاورة التي أسس ناشطوها تنسيقيات للاحتجاج والمطالبة برفع التهميش ومحاربة الفساد والإنصاف والكرامة داعين إلى إعلان مصالحة حقيقية مع منطقتهم التي عرفت تاريخياً انتفاضتين سنة 1958 وسنة 1984، تعرضتا لقمع شديد من النظام.

خلال تلك الليلة الحزينة ولدت شخصية ناصر الزفزافي الذي تحول إلى رمز لقضية عادلة. أخذ الشاب العاطل عن العمل زمام المبادرة وقاطع ممثلي السلطة الذين حاولوا تهدئة المتظاهرين، معتبراً أن واقعة مقتل محسن فكري امتداد لعقود من سياسات التهميش التي مارستها الرباط بحق الريف.

ولاحقاً، استطاع الزفزافي أن يجمع حوله آلاف الريفيين مستغلاً قوة كاريزماه وبلاغته في الخطابة لحشد الجماهير التي التقت تحت راية المطالب الاقتصادية والاجتماعية للحركة، كإنشاء مستشفى للسرطان ومستشفى جامعي، ونواة جامعة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والمظالم السابقة التي كان ريفيون ضحايا لها، ورفع التهميش والحصار الاقتصادي وغيرها.

أقوال جاهزة

شارك غردالريف المغربي: سعت الدولة إلى "قطع رؤوس" الحركة الاحتجاجية، ولكن ظلت تنبت لها رؤوس جديدة

شارك غردالريف المغربي: المقاربة الأمنية وسياسة إنهاك المتظاهرين بالاعتقالات لم تنجحا في إنهاء الحالة الاحتجاجية

ومع مرور الأشهر، كان ناصر الزفزافي يتحول إلى بطل قومي حقيقي في الريف بشكل مزعج للدولة التي ظهر وكأنها قد استصغرت قدرة الحركة الاحتجاجية على الاستمرار في الوجود الميداني، مراهنةً على احتمال احتراقها ذاتياً أو على انقسامات في صفوفها. لكن ذلك لم يحصل خصوصاً أن قادة الحركة نبذوا جميع التنظيمات السياسية وأدرجوها في قائمة "الدكاكين السياسية" التي لم تقدم أي شيء لأبناء الريف، وهذا ما صعب عملية اختراقها.

INSIDE_HirakRif3_AFP

وأمام نفاذ خيارات الدولة الكلاسيكية في التعاطي مع قضايا كهذه، جرى ترجيح الخيار الأمني على حساب الخيار السياسي. فدشنت الأجهزة الأمنية، ابتداءً من نهاية شهر مايو، حملة اعتقالات أمنية واسعة في صفوف قيادات الصفوف الأولى لحراك الريف قبل أن تتسع رقعة الاعتقالات بشكل متواتر لتشمل كل مَن يشارك في الاحتجاجات التي أعقبت موجة اعتقالات القيادات.

بالموازاة مع ذلك، عزّزت السلطات من إجراءاتها الأمنية بإرسال المزيد من التعزيزات الأمنية إلى المدينة، وأصبحت مدينة الحسيمة تعيش حالة تشبه حظر تجول ابتداءً من شهر رمضان.

"أصبح التنقل من حي إلى حي شبه ممنوع مساءً منذ اعتقال الزفزافي ورفاقه. استمر الاحتجاج بشكل شبه يومي خلال شهر رمضان رغم المنع، لكنه بدأ يتحوّل إلى مهمة شبه مستحيلة بعد ذلك، خصوصاً بعد القمع العنيف لتظاهرة عيد الفطر وموجة الاعتقالات بعدها. سيارات الشرطة مرابطة في كل حي وفي الساحة الرئيسية. المدينة معسكرة بشكل حقيقي. نحن نحصي خسائرنا ولا ندري القادم على لائحة الاعتقالات التي لم تعد تميّز بين ناشط ومدوّن على فيسبوك أو حتى مواطن عادي"، قال أ. إ.، أحد ناشطي الحراك.

ويعتقد الناشط الريفي خميس بوتكمانت، من بلدة ميضار، أن "الحراك أسقط المتمسكين بالقرار السياسي في فخ التناقض وكشف بالملموس عن ازدواجية بنية الدولة".

وبرأيه، وضع الحراك المسؤولين أمام خيارين: "إما إظهار صدق شعار دولة المؤسسات وإعمال القانون والتعامل مع الحراك كإرادة شعبية ومدلول عن خلل يجب تقويمه، وإما الإبقاء على بنية المخزن (النخبة الحاكمة المحيطة بالملك) الكلاسيكي الرافض لـ"اللاءات" في تعامله مع أي تعبير عن الرفض من منطلق اتهام المعترضين بالعمالة والخيانة، والذي يعتبر الجهر المطلبي فتنة وجب تأديب أصحابها. وقد اختاروا الخيار الثاني".

INSIDE_HirakRif

جسدت تظاهرة 20 يوليو إحدى أقصى لحظات التوتر بين المتظاهرين والقوات الأمنية إذ شهدت استعمالاً مفرطاً للقوة والغاز المسيل للدموع، بحسب ما وثقته منظمات حقوقية.

وأسفر التعامل الأمني عن مقتل المتظاهر عماد العتابي، بعد أسابيع من إصابته في ظروف وعدت السلطات بالتحقيق فيها. وقالت "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، وهي منظمة مستقلة، إن الشرطة أطلقت عبوة غاز أصابت العتابي في رأسه، ما تسبب بمقتله، ليعتبر أول "شهيد" يسقط خلال الاحتجاجات.

ورغم نهج المقاربة الأمنية وسياسة إنهاك المحتجين بالاعتقالات والمحاكمات منذ حوالي ثلاثة أشهر، لم ينجح النظام في إنهاء الحالة الاحتجاجية في الريف، والتي انتقل ثقلها إلى البلدات المجاورة كإيمزورن والعروي وغيرهما في مقابل تراجعها في مركز الحسيمة.

"لم تستوعب الدولة منذ البداية أن هذا الحراك لا قيادة له، لذلك كانوا يراهنون على انهيار الاحتجاج بمجرد قطع الرأس، فالناس ينظرون إلى المطالب المرفوعة من زاوية الاجماع على عدالتها ومشروعيتها خارج الإيديولوجيا والتكييف الذي يعتبر سمة الخطاب السياسي. هم يرون مطالبهم حاجة وضرورة حتمية، وأدوا قسم الوفاء واستوعبوا مدى ضرورة تحصيل هذه المطالب لتتحسن أوضاعهم، وهذا ما جعل الحراك يتواصل رغم اعتقال معظم وجوهه البارزة"، يتابع خميس بوتكمانت لرصيف22.

وساطات لحل الأزمة

أمام مراوحة الوضع مكانه، ظهر في الأيام الأخيرة عدد من المبادرات المدنية التي تقترح الوساطة بين الدولة وقادة الحركة الاحتجاجية، ومن أبرز هذه الوساطات تلك التي يقودها رجل الإعلانات الشهير نور الدين عيوش المقرّب من السلطة، والذي قام بزيارة قادة الحركة الاحتجاجية في سجن عكاشة في مدينة الدار البيضاء للتعرف على شروطهم قبل رفع تقرير إلى جهات عليا لم يسمها وفق ما ذكره في تصريحات صحافية.

إلى جانب هذه الوساطة، طالبت "المبادرة المدنية لحراك الريف" بالمغرب، والتي تتكون من شخصيات مستقلة من مشارب مختلفة بإحداث آلية مشتركة مرتبطة بتنفيذ مشاريع تنموية مبرمجة في المنطقة، مشددةً على أن المعتقلين عبّروا عن استعدادهم للانخراط في أي حوار جدّي من شأنه الحفاظ على المصلحة العامة للبلاد وتوفير مخرج إيجابي للأزمة.

لكن هذه المبادرات، بالنسبة للكثيرين من الناشطين والمتتبعين، تفتقد المعقولية والواقعية. "الحديث عن وساطات في وقت يتزايد وطيس المقاربة الأمنية ميدانياً محض هراء، الأمر لا يعدو أن يكون مجرد حرب نفسية جديدة تضعنا في وضع من الترقب وتنتقل بنا إلى حيز الانتظارية قبل حبك تفاصيل المرحلة المقبلة في جو مريح بالنسبة للدولة قبيل بدء المحاكمات"، يرى بوتكمانت.

أما محمد الموساوي، الصحافي المحلي المتخصص في شؤون الريف، فيعتقد بوجود صراع مبادرات بين أطراف مختلفة داخل السلطة. ويقول لرصيف22: "لكل مبادرة عرابها، لكن الأيام القليلة المقبلة ستكشف طبيعة هذه المبادرات، وسيظهر هل مَن يحرّك عيوش وغيره جادون في البحث عن حلول، أم أن الهدف من كل هذه المناورات إيصال المعتقلين إلى المحاكمة في وضعية وشروط هم من يحدّدها وليس البحث فعلاً عن حل للملف؟".

وفي تقدير الموساوي، فإن الرهان الرئيسي لهذه الوساطات هو تطويع المعتقلين. "الهدف إما إيصالهم إلى المحكمة وهم متهمون برفض التجاوب مع المبادرات إن رفضوا الانصياع، أو سيقدمون إلى المحكمة مطأطئي الرؤوس إن قبلوا بشروط المبادرات وفُرض عليهم توقيع رسائل أو التزامات"، يضيف.

في السياق عينه، تلاحق اتهامات التعذيب وإساءة معاملة المعتقلين النظام في المغرب. ففي آخر تقرير لها، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن على الملك محمد السادس الضغط لإجراء تحقيقات فعّالة في مزاعم تعذيب الشرطة المغربية لمتظاهري "حراك الريف".

على عكس ذلك، عمد الملك في خطاب إلى الأمة يوم 29  يوليو، بمناسبة عيد العرش، إلى تبييض صفحة تعامل الشرطة مع اضطرابات الحسيمة، المدينة الأساسية بمنطقة الريف، قائلاً إن قوات الأمن أظهرت "ضبط النفس والتزاماً بالقانون".

تجاهلت تعليقات الملك تقارير لأطباء شرعيين فحصوا مجموعة من المحتجزين الذين أوقفوا بسبب تظاهرات الريف، ووجدوا إصابات قالوا إنها متطابقة مع شهادات المحتجزين على عنف الشرطة"، يضيف تقرير المنظمة.

التعليقات

المقال التالي