"الصدمة اللبناني": زياد دويري واستنسابية تطبيق قانون "التعامل مع العدو"

"الصدمة اللبناني": زياد دويري واستنسابية تطبيق قانون "التعامل مع العدو"

أربعة أعوام مضت على الجدل الذي أثاره فيلم "الصدمة".

عند صدوره، كان يُفترض أن يُعرض الفيلم في لبنان ودول عربية أخرى. امتنع لبنان عن ترشيحه لجوائز "الأوسكار"، وسحبت رخصة العرض منه في لبنان والعالم العربي، كما حذفه المهرجان القطري للأفلام من جدوله (علماً أن "مؤسسة الدوحة للأفلام" شاركت بتمويله) وقررت لجنة المقاطعة في الجامعة العربية منع الفيلم.

حينها، انقسمت الآراء بين مؤيدين لمخرجه زياد دويري، رأوا فيه مبدعاً سينمائياً واعتبروا المنع انتهاكاً لحرية التعبير، وبين آخرين اتهموه بالتطبيع الثقافي مع العدو الإسرائيلي، وعابوا عليه أن يكون أول لبناني يشرّع الباب واسعاً أمام هذا النوع من التطبيع.

وكان دويري قد أمضى سنة كاملة في "تل أبيب" لتصوير فيلم "الصدمة"، مستعيناً بممثلين وتقنيين إسرائيليين لتنفيذ فيلمه المستوحى من رواية الكاتب الجزائري ياسمينة خضرا.

حمل دويري فيلمه ذاك إلى العديد من المهرجانات العالمية ونال تكريماً واسعاً من ضمنه تكريم "مهرجان القدس السينمائي" الإسرائيلي.

أما في لبنان، فخفت الجدل بشأنه مع الوقت، لكنه لم يختف فكان يعود في مناسبات عدة تزامناً مع منع فيلم هنا ومقاطعة نشاط هناك بحجة التطبيع الثقافي مع العدو.

قانون بـ"تمريرات" كثيرة

ينص قانون العقوبات اللبناني، ضمن "الصلات غير المشروعة بالعدو"، في المادة 285 (معدلة وفقاً للقانون الصادر بالمرسوم 15698 تاريخ 6/3/1964 والقانون 239 تاريخ 27/5/1993 ) على التالي:

  • يعاقب بالحبس سنة على الأقل وبغرامة لا تنقص عن مائتي ألف ليرة لبنانية كل لبناني وكل شخص ساكن لبنان أقدم أو حاول أن يقدم مباشرة أو بواسطة شخص مستعار على صفقة تجارية أو أي صفقة شراء أو بيع أو مقايضة مع أحد رعايا العدو أو مع شخص ساكن بلاد العدو.
  • يعاقب بذات العقوبة كل لبناني وكل شخص في لبنان من رعايا الدول العربية يدخل مباشرة أو بصورة غير مباشرة وبدون موافقة الحكومة اللبنانية المسبقة بلاد العدو حتى وإن لم يكن المقصود من دخوله أحد الأعمال المنصوص عليها في الفقرة السابقة من هذه المادة.

لكن المسألة ليست في وضوح القانون المرعي الإجراء، بل في واقع أنه طوال تلك السنوات التي أعقبت تصوير "الصدمة"، زار دويري، الذي يحمل الجنسية الفرنسية كذلك، لبنان باستمرار من دون أن يسائله أحد عن مخالفته للقانون اللبناني.

وخلال السنة الحالية، قام دويري بتصوير فيلمه الأخير على الأراضي اللبنانية وبموافقة رسمية، وذلك تحت عنوان "قضية رقم 23" أو حسب اسمه الأجنبي "The Insult"، والذي حمله لاحقاً إلى مهرجان البندقية السينمائي وحصل أحد أبطال الفيلم، وهو الممثل الفلسطيني كمال الباشا، على جائزة أفضل ممثل.

يستعد لبنان لافتتاح عروض الفيلم بعد أيام قليلة (14 سبتمبر)، وأعلنت وزارة الثقافة (التي دعمته منذ البداية وشارك وزيرها بفعاليات مهرجان البندقية إلى جانب دويري) ترشيح "قضية رقم 23" إلى جوائز "الأوسكار".

لكن "الصدمة" حصلت في مطار بيروت يوم أمس.

عائداً من حفل توزيع الجوائز، أوقف المخرج اللبناني في مطار بيروت، حيث تمّ حجز جوازَيْ سفره، اللبناني والفرنسي، بناء على دعوى بحقه رفعت العام الماضي على خلفية زيارة إسرائيل والتعامل معها، بينما أخلي سبيله تحت شرط الحضور إلى المحكمة العسكرية في اليوم التالي.

حضر الدويري إلى المحكمة عند التاسعة من صباح اليوم، وبعد حوالي ثلاث ساعات من التحقيق، أعلن محاميه أن "زياد خرج من المحكمة العسكرية بإخلاء سبيل ولم توجه له أي تهمة"، معتبراً أن "الموضوع أُعطي أكثر من حجمه".

أقوال جاهزة

شارك غردطرحت حادثة حجز جوازي سفر دويري وطلبه للتحقيق سؤال: هل للفنان حصانة من خرق قانون التعامل مع العدو في لبنان؟

شارك غردكشفت قضية زياد دويري حجم التشتت اللبناني الضائع بين هوية مرتبكة... وبين استنسابية قضائية وانفصام سياسي

الأولوية لمن: الإبداع أم القانون؟

إن كان الموضوع قارب خواتيمه القضائية بسلاسة، حسب محامي الدويري، إلا أن مفاعيله السياسية والثقافية، التي طالت الشارع اللبناني مشعلة جدلاً واسعاً لا يبدو أنها ستنتهي قريباً، إذ أعاد الموضوع النقاش بشأن أشكال التطبيع الثقافي وحدوده، واستنسابية القضاء اللبناني والأجهزة الأمنية التي كشفت تصريحات دويري السابقة والحالية العديد من وجوهها، وصولاً إلى حجم الكيدية السياسية في التعامل مع خرق القانون من عدمه.

من كان قد احتفى في الأسبوعين الماضيين بالإنجاز اللبناني والوصول إلى العالمية، رأى في توقيف دويري كيدية سياسية، وأحد مظاهر "الدولة البوليسية" التي بدلاً من الاحتفاء بالإبداع واستقباله بالسجاد الأحمر تعمد إلى كم الأفواه وقمع حرية التعبير. وكان من بين هؤلاء نواب ومسؤولين من السلطة السياسية:

في المقابل، رحب آخرون بهذا التوقيف، وإن اعتبروا أن الدولة أخطأت في الانتظار كل هذا الوقت وفي استنسابية التعامل مع قوانينها، لكن خطأها لا يبرر مهاجمتها على ما حصل الآن، بل ضرورة اعتباره بالحد الأدنى رسالة ضرورية في وجه التطبيع الذي بات يُعتبر "وجهة نظر".

واستحضر هؤلاء تجارب من دول أخرى، لم يكن فيها لفنانين ("أهم من دويري") الحصانة نفسها عندما اقترفوا خطأ ما، كالحال مع تشارلي شابلن الذي منع من دخول الولايات المتحدة بتهمة "الترويج للشيوعية"، والمخرج البولندي الشهير رومان بولانسكي الذي وجهت إليه ست تهم اغتصاب...

وبين طرفي الانقسام لا تنفك مساحة اللقاء تتقلص، فكل طرف يزداد تمسكاً بموقفه وعدائية تجاه الآخر، ليكاد يغيب الطرح القانوني في مقاربة المسألة، على حساب المناكفات السياسية التي يمكن أن تستحضر الملفات جميعها من مشاركة "حزب الله" في سوريا إلى زواج القاصرات، باعتبارها جزءاً من نقاش توقيف دويري.

وإن بدا الانقسام الحاد مستغرباً في ظل وجود مادة قانونية واضحة تجرّم دويري، إلا أن الاستنسابية السياسية، والأهم منها الاستنسابية القانونية، وما بينهما من "تمريرات" نالها دويري في وقت سابق،  تجعل طبيعة الجدل التي تحيط بقضايا مماثلة أكثر من طبيعية.

الجدير ذكره هنا أن ما حصل مع الدويري في المطار، تزامن مع حادثة وقعت مع الفنان السوري حسين الديك الذي أهان عناصر قوى الأمن واستقوى بـ"واسطته" لدى أحد الضباط، فاستخدمت الحادثة الثانية للتدليل على حجم العبث الذي بات سائداً.

"عشت في تل أبيب سنة"

على خط آخر، لم يكن ممكناً فصل ما احتوته أفلام الدويري، وتحديداً فيلمي "الصدمة" و"قضية رقم 23"، في ما يخص القضية الفلسطينية من جدل.

في وقت سابق، أعلن المخرج اللبناني - الفرنسي  في مقابلة مع "العربية" أنه أبلغ مخابرات الجيش بذهابه إلى فلسطين، كما أن الأمن العام لم يجد في الفيلم عندما حضره ما يسيء إلى القضية الفلسطينية.

وفي القصة يظهر الفلسطيني الآدمي المندمج بالمجتمع الإسرائيلي والذي يحظى بتكريمه، مقابل الفلسطيني الذي يفجر الأطفال، فيختزل منطق الصراع بين خير وشر.

احتفى المجتمع الغربي بالفيلم، كما احتفى قبلها برواية خضرا، في حين انقسم الشارع العربي بين من رأى فيه فيلماً يميل ضمناً للفلسطيني، وهذا ما صرّح عنه الدويري مراراً، مقابل من وجده تطبيعاً ناعماً عمد إلى أنسنة العدو.

وقد عاب الطرف الثاني على دويري لعبه دور الضحية أمام الإعلام الغربي والإسرائيلي (اللذين أبرزا الأمر واحتفيا به) عندما منع فيلمه في لبنان. فقد صرّح قائلاً "أنا عشت في تل أبيب سنة. تنقلت فيها وتكلمت مع الناس، واكتشفت أن تصرفهم الشاذ والعنف لا يأتيان بفعل الكراهية أو العنصرية فحسب بل أيضاً بداعي الخوف".

وفي حديث مع "لوس أنجلس تايمز" قال "بالنسبة إلى الكثير من العرب، يبدو إظهار الطرف الآخر غير مقبول، فهم ينتظرون فيلماً يصوّر إسرائيل كقوة شيطانية للغاية. وهذا ما لم أفعله في الفيلم".

يتفق الجميع على قدرات دويري الإبداعية، وعلى اعتباره أحد أبرز المخرجين الأذكياء الذين يتقنون توظيف الصورة ضمن الحبكة الدرامية، لكنه يبقى كذلك الأكثر إثارة للجدل. وإن بدا الأمر محصوراً بشخص الدويري، لكن تفاعلات قضية الأخير أكدت مجدداً على حجم التشتت اللبناني الضائع بين هوية مرتبكة، وصراع الأولويات والفخر بإبداع لبنان.

والأهم ما أبرزته من استنسابية قضائية وانفصام سياسي يمكن تحميل أطرافهما (من قضاء وسياسة) المسؤولية الأساسية عن انتهاك قانون يفترض أنهما المولجان الأساسيان بتحصينه.

على خط آخر، قد يفترض هذا النقاش البحث في إجابات حول القانون نفسه. الأخير واضح في تجريمه زيارة الأراضي المحتلة، لكنّه يُحمّل تأويلات عدة ومقاربات مختلفة.

هل يتطور النقاش للمطالبة بتغيير قانون المقاطعة؟ من يريد رفع الحظر عن زيارة إسرائيل ومن لا يريد؟ وماذا عن حاملي جنسية أخرى غير اللبنانية؟ كيف يجري التعامل معهم في حال زاروا إسرائيل مستخدمين جواز السفر الأجنبي وهل هم محصنون تجاه القانون؟

كلها أسئلة تحتاج لإجابة، عدا ذلك، يبقى النقاش بشكله الحالي عقيماً وساحة لاتهامات سياسية أو كيدية، تحمل الكثير من التأويلات ولا تمت للقانون بصلة.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي