القرضاوي، رجل الدين الذي يكفي حضور اسمه لإثارة السجالات

القرضاوي، رجل الدين الذي يكفي حضور اسمه لإثارة السجالات

لطالما أثار يوسف القرضاوي، الشيخ الأزهري المولود في قرية صغيرة بدلتا مصر في التاسع من سبتمبر عام 1926، الجدل بمواقفه وتحيّزاته السياسية المناهضة لبعض الأنظمة العربية الحاكمة، وبآرائه المقتبسة من أفكار جماعة الإخوان المسلمين، وبعلاقاته القلقة بإيران وأذرعها السياسية في المنطقة العربية.

كل هذا جعل منه شخصاً غامضاً يكفي حضور اسمه لإثارة مشاكل تبدأ باتهامه بالتساهل في أحكام الدين والشريعة وتنتهي باعتباره أحد كبار المنظرين للإرهاب.

البداية...  مع البنا والإخوان

في كتابه الذي يحكي فيه سيرته الذاتية، والمعنون بـ"سيرة ومسيرة"، يتناول القرضاوي مسألة علاقته المبكرة بالشيخ حسن البنا، فيقول إنه كان يتابع لقاءاته وأحاديثه في طنطا وغيرها من مدن الدلتا منذ فترة مبكرة من حياته، ويصف إعجابه به بقوله: "أعجبت بشخصية الرجل وملك حبه قلبي، وإذا كانوا في عالم العشاق يتحدثون عن الحب من أول نظرة، ففي عالم الدعوة يمكن أن نتحدث عن الحب من أول كلمة".

وقد استمر هذا الاعجاب مسيطراً على القرضاوي، حتى التحق بصفوف جماعة الإخوان المسلمين بشكل رسمي في المرحلة الثانوية، واندفع بكل طاقته للمشاركة في عملها الدعوي والحركي، فمارس دوراً مهماً في التعبئة والحشد لقتال اليهود في فلسطين، ثم قُبض عليه مع مَن قُبض عليهم من الإخوان عقب اغتيال رئيس الوزراء النقراشي باشا في نهاية عام 1948.

بعد خروجه من المعتقل، التحق القرضاوي بكلية أصول الدين، واستمر على اتصاله بكبار قادة الإخوان، من أمثال سيد قطب ومحمد الغزالي. ويذكر في كتابه أنه بعد اندلاع ثورة الضباط الأحرار في 1952، زادت شهرته بين صفوف الإخوان، حتى أنه سافر إلى بلاد الشام للدعوة، بأمر وتكليف من المرشد الثاني حسن الهضيبي.

وفي مرحلة الصراع بين الثورة والجماعة، اعتُقل القرضاوي أكثر من مرة، كان أبرزها بسبب توجيه اتهام له عقب وقوع حادث المنشية الشهير (إطلاق الرصاص على جمال عبدالناصر) في 1954، وحُكم عليه وقتها بالسجن عشرة أعوام مع إيقاف التنفيذ.

ولكن عام 1961، سنحت الفرصة له ليترك مصر حين علقت السلطات الأمنية قرار حظره من السفر، فسافر إلى الدوحة ليعمل مديراً لمعهدها الديني الثانوي.

فقه الأقليات والفتاوى المثيرة للجدل

من أهم المحاور التي استحوذت على جانب كبير من اهتمام القرضاوي، هو الجانب الخاص بالفتاوي المُقدمة للمسلمين في العالم الغربي.

Yusuf-al-Qaradawi2_AFP

ففي عام 1997، قام القرضاوي مع عدد من العلماء والشيوخ بتأسيس المركز الأوروبي للإفتاء والبحوث، ومقره في دبلن في جمهورية أيرلندا.

هذا المركز، بحسب ما ورد في الموقع الإلكتروني الخاص به، هو "هيئة فقهية أوروبية مستقلة، تهتم ببحث الشؤون الشرعية والفقهية لمسلمي أوروبا وإصدار القرارات الفقهية والفتاوى الشرعية المناسبة لها".

أقوال جاهزة

شارك غرديوسف القرضاوي الذي أحبّ حسن البنّا "من أول كلمة" وأصدر فتاوى أثارت الكثير من الجدل والصخب

شارك غرديكفي حضور اسمه لإثارة مشاكل تبدأ باتهامه بالتساهل في أحكام الدين وتنتهي باعتباره أحد كبار منظري الإرهاب

وكان القرضاوي قد حدد الملامح العامة لنظرته الفقهية الخاصة بالجماعات المسلمة في الغرب في عدد من كتبه، منها كتاب "في فقه الأقليات المسلمة" الذي ورد فيه قوله "إن فقه الأقليات المنشود، لا يخرج عن كونه جزءاً من الفقه العام، ولكنه فقه له خصوصيته وموضوعه ومشكلاته المتميزة، وإن لم يعرفه فقهاؤنا السابقون بعنوان يميّزه، لأن العالم القديم لم يعرف اختلاط الأمم بعضها ببعض، وهجرة بعضها إلى بعض، وتقارب الأقطار فيما بينها، حتى أصبحت كأنها بلد واحد، كما هو واقع اليوم".

نظرة القرضاوي الفقهية المختلفة عن السياق الفقهي العام السائد، أدت إلى إصداره عدداً من الفتاوى الشائكة التي أثارت الكثير من الجدل والصخب على الساحتين العلمية والإعلامية.

من تلك الفتاوى، إجابته عن كيفية تصرف مسلمي أوروبا إذا طُلب من بناتهم خلع الحجاب في المدارس، فقال إنه "لا يجوز أن نحرم بناتنا من حقهن في التعليم... أنا قلت للمسلمة إنك تلبسين الإيشارب أو الخمار أو الحجاب وتذهبين للمدرسة، وعند باب المدرسة تخلعي الخمار وتدخلي".

ومن ذلك، الفتوى التي أصدرها بجواز امتلاك السكن بقرض ربوي لفائدة المسلمين المقيمين بديار الغربة، والتي امتدت آثارها بعد ذلك لبعض البلاد الإسلامية، فقد أباح تملك العقارات بالطريقة نفسها في دولة المغرب، وعلل ذلك بقوله "أعتقد أن الأساس الذي بنيت عليه الفتوى للأقليات المسلمة في أوروبا، ينطبق على الإخوة في المغرب، ما دامت الأبواب مسدودة أمامهم لامتلاك بيت بطريق غير طريق البنك التقليدي".

وأثارت تلك الفتوى جدلاً ورفضاً واسعين في المغرب، خاصة من جانب الفقهاء المغاربة، فخرجت بعض المصادر الحكومية المغربية لتؤكد أنه "ليس من حق يوسف القرضاوي أن يفتي للمغاربة مع وجود هيئات مسؤولة عن الفتوى في بلادنا".

الفتوى الثالثة، وهي الأشهر بين فتاويه المثيرة للجدل، كانت حول مدى جواز مشاركة العسكريين المسلمين في الجيش الأمريكي في أفغانستان، إذ اعتبر أنه "إذا ترتب على اعتذار الجنود المسلمين عن هذه الحرب ضرر يعود عليهم أنفسهم كجنود، أو على الجماعة المسلمة في الدولة غير المسلمة التي يحملون جنسيتها فوجب عليهم آنذاك أن يخوضوا الحرب في صفوف القوات العسكرية لبلدهم غير المسلم ضد من يراه هذا البلد داعماً للإرهاب".

وتعرّض فقه الأقليات القرضاويّ للرفض والهجوم من جانب عدد من كبار العلماء المسلمين، ومنهم العالم السوري محمد سعيد رمضان البوطي الذي اعتبره من قبيل التحايل والكذب، وأنه سوف يؤدي لطمس ملامح الهوية الإسلامية الأصيلة لدى المسلمين في الغرب.

القرضاوي وفلسطين

مثّلت القضية الفلسطينية أحد الاهتمامات الرئيسة للقرضاوي، وهو الأمر الذي تعود جذوره لعام 1948 عندما كان يعمل بكل ما أوتي من قوة ومقدرة خطابية لحشد شباب الإخوان المسلمين في زمرة الكتائب التي سافرت إلى فلسطين لقتال الصهاينة.

وأعلن القرضاوي مراراً دعمه لحركة حماس، بوصفها المقاوم الحقيقي للمحتل الإسرائيلي. وعام 2013 توجه لزيارة قطاع غزة، فاستقبله رئيس الوزراء المُقال إسماعيل هنية وسط حفاوة شعبية، ومقاطعة من جانب حركة فتح التي اعتبرت أن الزيارة تأتي في إطار تشجيع الانقسام الفلسطيني.

ومن أهم محطات العلاقة بين القرضاوي والقضية الفلسطينية، كانت فتواه الشهيرة التي أباح فيها التفجيرات الانتحارية وسط الإسرائيليين، وهي الفتوى التي أعاد المناداة بها بعد اندلاع الثورة السورية، بقوله "الأصل في هذه الأمور، أنها لا تجوز إلا بتدبير جماعي، الأصل أن الإنسان يقاتل فيُقتل، ولكن إن رأت الجماعة أنها في حاجة إلى مَن يفجر نفسه في الآخرين، فيكون هذا أمراً مطلوباً وتدبر الجماعة كيف يفعل هذا بأقل الخسائر الممكنة".

ويذكر أن القرضاوي عاد ونهى عن العمليات الانتحارية في فلسطين باعتبار "أن الإخوة في فلسطين قد أغناهم الله عن هذه العمليات، بما مكّنهم من الحصول على صواريخ تضرب في عمق إسرائيل نفسها".

Yusuf-al-Qaradawi_AFP

ويعتبر كثيرون أن فتوى القرضاوي حول إباحة العمليات الانتحارية في فلسطين كانت باباً لكل فتاوي تبرير العمليات الانتحارية وتنفيذها، فذكّر بفتواه وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد عام 2016 بعد تفجير وقع في المدينة المنوّرة بالسعودية، برغم أن القرضاوي كان يقول إنه لا يمكن قياس ما قاله عن فلسطين على دول أخرى.

إيران والتقارب مع الشيعة

بصفته مرجعية من أكبر المرجعيات الإسلامية السنية في العالم المعاصر، شهدت علاقات يوسف القرضاوي بالمراجع الشيعة الإثني عشرية وإيران الكثير من التجاذبات والتنافرات التي تأثرت بشدة بالأجواء السياسية السائدة في المنطقة.

حلل للمسلمة في الغرب خلع الحجاب إذا كان ذلك شرطاً للعلم وأفتى بجواز قتال العسكريين المسلمين في الجيش الأمريكي في أفغانستان

فحين أسس ما يُعرف بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في 2004، سعى إلى أن يضم عدداً من الشخصيات العلمية المعروفة من مختلف الفرق والمذاهب الإسلامية، ومنهم عالم الدين الشيعي محمد واعظ زاده الخراساني.

علاقات القرضاوي بإيران وحلفائها الشيعة في البلاد العربية، عُرفت بالاتزان والمجاملة في السنوات الأولى من الألفية الجديدة، فقد حرص على حضور جميع مؤتمرات التقريب بين المذاهب داخل إيران وخارجها.

كما أنه في 2006، زار سوريا، وأشاد بالرئيس بشار الأسد وبمواقفه المعارضة لأميركا، كما أشاد بحزب الله اللبناني بسبب حرب تموز عام 2006 قائلاً: "قاد لبنان حرباً كان بحمد الله هو المنتصر فيها على ما يسمى القوة التي لا تقهر والشوكة التي لا تكسر، وقد كُسرت هذه الشوكة أمام حزب الله ومن أيده".

وفي 2007، استمرت جهود القرضاوي في مساعي التقريب، وذلك عندما جمعت قناة الجزيرة بينه وبين علي أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران حينذاك، في حوار مطول بخصوص التقريب ووحدة الصف الإسلامي.

انتقد القرضاوي في هذا الحوار المسارعة إلى التكفير، وقال: "هناك من يكفر الشيعة وهناك من يكفر السنة، ونحن نريد أن يكون الإسلام هو الجامع... لا نريد أن نعتمد على المتشددين والغُلاة... نرفض التكفير ويكفينا أننا جميعاً نشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأننا نصلي إلى قبلة واحدة".

وفي 2009، بدأ بعض التغيّر يطرأ على مواقف القرضاوي إزاء قضية التقريب المذهبي، عندما أنكر أن يكون شيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت قد أصدر فتوى يبيح فيها لأهل السنة بأن يتعبدوا وفق أحكام وضوابط الفقه الشيعي الجعفري.

وبعد اندلاع الثورة في سوريا، والتدخل الإيراني للدفاع عن نظام بشار الأسد، ألقت التطورات السياسية بظلالها القاتمة على قضية التقريب المذهبي، حينما خرج الشيخ الأزهري في برنامجه الشريعة والحياة في 2013، ليتراجع عن موقفه السابق بشكل كامل، وقال: "كنت قديماً من دعاة التقريب، وظللت سنوات في هذه المسيرة... وزرت إيران وزرت الملالي وآيات الله ورحبوا بي ترحيباً كبيراً، ولكني في الحقيقة وجدت أن من يستفيد من عملية التقريب هم الشيعة، أما أهل السنة فلا يستفيدون شيئاً".

ولم يكتفِ القرضاوي بذلك، بل خرج ليعتذر عن مواقفه السابقة المؤيدة لحزب الله أثناء حربه مع إسرائيل، كما اعترف بأن العلماء والمشايخ الذين عارضوه وقت تأييده لحزب الله، وخصوصاً علماء المملكة العربية السعودية، كانوا أبصر منه وأكثر دراية وخبرة.

الدوحة والربيع العربي

بعد أن استقر القرضاوي في الدوحة، اتصل بالأسرة الحاكمة في قطر، وجرى الاتفاق بين الطرفين على تأسيس كلية الشريعة في جامعة قطر في 1977، وتولى القرضاوي منصب العمادة بها، ثم أسس مركز أبحاث السنة والسيرة النبوية.

منذ ذلك الوقت، اعتبر القرضاوي المرجعية الدينية الأعلى في قطر، فحصل على الجنسية القطرية، وتوافق مع آل ثاني على التطلعات السياسية المستقبلية في المنطقة، فأفكار القرضاوي المستمدة من كتابات وآراء جماعة الإخوان المسلمين، وجدت آذاناً صاغية عند أمراء الدوحة، الذين طمحوا للعب دور إقليمي أكبر.

وأعلن القرضاوي مراراً في كتبه ولقاءاته، عن غضبه وسخطه من الأنظمة العربية الحاكمة، حتى أنه قام بتأليف مسرحية بعنوان "عالم وطاغية"، تناول فيها قصة مقتل سعيد بن جبير على يد الحجاج بن يوسف الثقفي.

ومن خلال برنامج الشريعة والحياة، الذي بثته لسنوات طويلة فضائية الجزيرة القطرية، دأب القرضاوي على توجيه سهام فتاويه ضد عدد من الحكام العرب، وتزايد ذلك بشكل كبير مع هبوب رياح ثورات الربيع العربي في 2011، إذ أعلن مساندته ووقوفه مع الثوار العرب بكل قوة.

وهاجم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وحرض على قتل الرئيس الليبي معمر القذافي، وطالب رؤساء تونس واليمن بالتنحي والانصياع لإرادة شعوبهم، كما أفتى بأن الجهاد ضد نظام بشار الأسد في سوريا أضحى فرض عين، ووصف مَن يساند النظام السوري من العلماء ورجال الدين بالمنافقين.

وواصل القرضاوي رحلته المساندة للثورات العربية، بعدما رجع إلى مصر عقب عزل مبارك، وخطب يوم الجمعة 18 فبراير في ميدان التحرير وسط مئات الآلاف.

ولكن الانتكاسة التي تعرضت لها الثورة في مصر وباقي الدول العربية، أوجدت لنفسها حيزاً كبيراً في خطاب القرضاوي السياسي، فقد ندد الشيخ التسعيني بالدعوات لتظاهرات 30 يونيو 2013، وهاجم الدول العربية المساندة لها، كما أعلن مراراً سقوط شرعية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووصفه بالخيانة والانقلاب ضد الرئيس المنتخب.

كل تلك المشاركات، جعلت القرضاوي لاعباً رئيساً في لعبة التراشقات السياسية التي اندلعت بين محوري السعودية-مصر-الإمارات وقطر وزادت حدتها منذ عدة شهور، ما أدى إلى إدراج اسمه على قوائم الإرهاب وصدر بحقه عدد من الأحكام بالإعدام في مصر.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

كلمات مفتاحية
إيران مصر

التعليقات

المقال التالي