مضافات النساء في دير الزور... المجتمع المثالي لـ"داعش"

مضافات النساء في دير الزور... المجتمع المثالي لـ"داعش"

لم يعد لكلمة "المضافات" مدلولها الاجتماعي الذي عُرفت به كأحد مظاهر الكرم والاحتفاء بالضيوف. فمنذ التوسع الكبير لتنظيم داعش عام 2014 باتت "المضافات" من المفردات المرتبطة بنشاط التنظيم المتشدد.

ومع قرب انهيار داعش في مدينة الرقة فإن المضافات التي ما تزال نشطة هي تلك المنتشرة قرب مقرات التنظيم في محافظة دير الزور. وتتنوع بين مضافات رجالية وأخرى نسائية.

مضافات النساء

يخصص تنظيم داعش في كل رقعة يسيطر عليها منزلاً كبيراً يجعل منه مكاناً يستقبل فيه النساء القادمات من دول مختلفة، ويضم أيضاً فيه النساء اللواتي يُقتل أزواجهن أو اللواتي لم يتزوجن بعد. وتشرف على المكان امرأة مهاجرة حصراً (غير سورية) يتم ترشيحها من قبل ما يسمى بديوان الحسبة وغالباً ما تكون من زوجات أحد الأمراء في التنظيم.

وشهدت هذه المضافات، بعيداً عن الإعلام وأعين الناس في مناطق التنظيم، آلاف القصص من "الحياة السرية" للمجتمع الداعشي الضيق. فهي محطة لا بد منها لكل المقاتلين الأجانب في التنظيم.

فقدت فاطمة زوجها في قصف على مدينة الرقة مطلع عام 2017. وتقول الفتاة البالغة من العمر 24 عاماً لرصيف22 إنه لم يتبقّ شيء من جثة زوجها.

تعيش الأرملة الشابة التي تتحدر من مدينة الميادين مع عائلتها، وتعاني من أوضاع في غاية السوء بسبب عجز داعش عن دفع مستحقات العائلات التي كان يتولى رعايتها، وهو ما يشير إلى أزمة في صرف المرتبات طالت شبكة الخدمة الاجتماعية التي كانت من أهم نقاط القوة في دعايته.

"وضع أهلي المادي سيئ وخصوصاً في ظل الأوضاع التي يمر بها التنظيم. تم تقليص مستحقاتي أنا وأولادي الثلاثة، فأصبحت 75 دولاراً بعد أن كانت 250 دولاراً، وهي لا تكفي"، تقول فاطمة (اسم مستعار) التي لا تزال تقيم في ريف دير الزور.

بعد مقتل زوجها انتقلت فاطمة مع أولادها إلى منزل عائلتها وهناك قضت فترة العدة الشرعية. "خلال ذلك الوقت، قامت المسؤولة عن مضافة الأخوات في مدينة الميادين، أم عبد الرحمن التونسية بزيارتي، وكانت تجلب لي مستحقاتي الشهرية، وطلبت مني المجيء إلى المضافة إن لم أكن مرتاحة بمكوثي في منزل أهلي".

مركز ترتيب الزواج

أم عبد الرحمن التونسية، بحسب فاطمة، هي امرأة ذات شخصية قوية ويخشاها الجميع. وتهتم كثيراً بتدبير زواج النساء بمقاتلي التنظيم. ويشكل هذا هاجساً لها وربما هواية على حد تعبير فاطمة التي تضيف: "مرة أخبرتني أن أحد مقاتلي التنظيم يريد الزواج بي. وحاولت ترغيبي بالفكرة للاهتمام بالأولاد. رفضت ذلك ببساطة".

أقوال جاهزة

شارك غردمضافات داعش... مآوي للنساء والرجال ووسيلة استُخدمت لتصفية الجيش الحر

شارك غردمضافات داعش... آلاف القصص من "الحياة السرية" للمجتمع الداعشي الضيق بعيداً عن الإعلام وأعين الناس في مناطق التنظيم

ولكن أم عبد الرحمن لم تحاول يوماً إجبارها على الزواج. تقول: "لم أجبر على شيء كوني موجودة في منزل عائلتي. وهذا غير متاح للمهاجرات اللواتي يجبرن في أغلب الحالات على الزواج. فإحدى النساء من الجنسية المغربية قتل زوجها ونقلت إلى المضافة وأعرفها شخصياً. كانت تمضي وقتها بالبكاء بسبب رفضها الزواج إلا أن وجودها في المضافة مؤقت فهي محطة من محطات الزواج أمام النساء".

وتروي فاطمة أن هذه المرأة المغربية تم تزويجها بالفعل من مقاتل تونسي، إلا أنها نجحت في الطلاق منه بعد أربعة شهور إثر تعرضها للضرب بشكل متكرر. وتضيف: "بأمر من المحكمة تم إرجاعها إلى المضافة".

وتضيف: "بالنسبة لمهاجرات من جنسيات أوروبية قدمت فتاة من جنسية بلجيكية تبلغ من العمر 29 عاماً كانت في الموصل، ولدى تأزم الأوضاع جاءت إلى الميادين حيث تم وضعها بمضافة النساء لأنه لا يوجد مكان تمكث فيه، وبقيت قرابة الثلاثة شهور فيها حتى تم تزويجها بمقاتل من الجنسية السعودية يشغل منصباً في ديوان الحسبة، وهي كانت تعطي دروساً في الفقه والتوحيد للفتيات".

تنقل فاطمة مشاهداتها ومعايشتها للأيزيديات اللواتي سباهن تنظيم داعش. وتقول: "السبايا يعاملن بسوء شديد لدى غالبية المقاتلين إذ يتم الإتجار بهن في ما بينهم ولا يتم بيعهن لعامة الناس كما يسوق الإعلام. فالعنصر الداعشي يمكنه أن يهدي سبيته لمقاتل آخر أو يبيعها له، ولا يسمح له بأن يلمس سبية ليست ملكاً له لأنه سيعرض نفسه لعقوبة شديدة".

وتابعت: "سبق أن حدث خلاف على السبايا وتم إعدام اثنين من الجنسية التونسية داخل مدينة دير الزور لأنهما قاما بالاختلاء بسبية لشخص ثالث". وأضافت: "لم أسمع هذا الكلام من الشارع. أخبرني زوجي قبل أن يقتل وكان حزيناً على تفشي المشكلات بسبب التنافس على السبايا".

تجربة الثمانينيات

ليست المضافات فكرة مبتكرة لداعش وإن كان انتشارها إعلامياً قد تزامن مع ظهور التنظيم في العراق وسوريا. فقد بدأت خلال الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفييتي، وتحديداً عبر المكتب الذي أنشأه عبد الله عزام في بيشاور عام 1984 تحت اسم "مكتب خدمات المجاهدين". إلا أنها حافظت على طابع عسكري بحت حتى ظهور داعش، حين باتت تقوم بوظائف اجتماعية لإبقاء شبكة العلاقات الاجتماعية تحت السيطرة.

ولإبراهيم الحاوي رأي مغاير بالنسبة لجذور المضافات. عاش إبراهيم (29 عاماً) ستة شهور فقط تحت سيطرة تنظيم داعش في البوكمال. وهو يربط المضافات ببيئات محلية للمقاتلين المنخرطين في التنظيم.

وقال الشاب الذي يعمل صحافياً ويتابع حركة داعش في سوريا لرصيف22 إن هذه المضافات، بالوظائف التي تؤديها اليوم، لم تكن متوفرة لدى الحركات الجهادية من قبل، سواء القاعدة أو دولة العراق والشام الإسلامية. وهي مستوحاة من الثقافة العراقية التي تولي أهمية خاصة بمسألة المضافة، خصوصاً لدى شيوخ العشائر، وهناك عدة برامج تلفزيونية عراقية سابقة مثل "دواوين أهلنا" وكذلك أخذت هذه المضافات جزءاً من الثقافة الخليجية المتمثّلة بالاستراحات".

ويضيف أن هذه المضافات بالنسبة لداعش أصبحت تقليداً مهماً و"بريستيج" للتنظيم، وهي تقسم إلى مضافات نسائية وأخرى رجالية، يتم فيها اجتماع الجميع وتناول المأكولات الخفيفة والشاي، ويقابلها في الثقافة المحلية "العصرونية".

ويروي إبراهيم المطلع على تفاصيل الوضع في محافظة دير الزور أنه يتم تداول قضايا سياسية واجتماعية في هذه المضافات، وكذلك استعراض تفاصيل الحياة اليومية وما يواجهه كل مقاتل في يومه. وبالنسبة لمضافات الرجال، فهو مكان بديل عن المقهى أسسه التنظيم ليستوعب الذين يبحثون عن مكان عام، تحت أنظاره وسيطرته.

وتأخذ المضافة شكل المنتدى الثقافي أيضاً، إذ أنها تعتبر في كثير من الأحيان "مركزاً توعوياً" من وجهة نظر داعش.

العمود الفقري لداعش

ويرصد الباحث في مركز التحرير لسياسات الشرق الأوسط في واشنطن، حسن حسن، المتحدر من محافظة ديرالزور، تطور المضافات في مسيرة التنيظمات الجهادية.

ويقول لرصيف22 إنه في بداية الحرب العراقية (عام 2003)، انتشرت المضافات في مناطق مثل الأنبار لاستقبال الجهاديين الذين كانوا يدخلون عبر الحدود السورية. وكانت تلك المضافات تعني "مكاناً آمناً" (Safe House) لاستقبال وإخفاء الجهاديين الأجانب قبل تنقلهم من مكان إلى مكان.

ويضيف: "مع بدايات دخول المهاجرين إلى سوريا، وخصوصاً بعد ربيع عام 2013، بدأ تنظيم داعش بإقامة مضافات داخل المناطق المحررة لتلقي الشكاوى من الناس وإقامة البنى التحتية لإمارة إسلامية في سوريا. وفي البدايات كانت المضافات هي العمود الفقري لمشروع داعش".

ويوضح حسن، وهو مؤلف كتاب "ISIS... Inside The Army of Terror" بالاشتراك مع الباحث مايكل ويس، أن "من عادات الشرعيين والقادة المسؤولين عند دعوة الناس للإنضمام أنه عندما يرون شخصاً يودون كسبه يدعونه إلى زيارتهم فقط. وعندما يزورهم يبدأون بالتحدث معه عن أفكارهم: عن الشرك والوحدانية والطاغوت والظلم، ويغرون البعض بالأموال والأسلحة. يجادلونه ويشجعونه على الرجوع إليهم مرة أخرى. ثم في النهاية يدعونه إلى مبايعة أميرهم. كل هذا يتم في المضافة، سواء للرجال أو النساء".

ويضيف حسن أن التنظيم استغل المضافات لغاية أخرى، وهي تصفية الجيش الحر. ويوضح ذلك بالقول: "الناس بدأت تلجأ إلى مضافاتهم أيضاً لطرح شكاوى ضد قادة الجيش الحر، حين بدأ الناس يصفون بعض قادته بـ"الحرامية"، لأخذ حقهم من المتعدين عليهم".

ويتابع: "على عكس فصائل الجيش الحر وحتى جبهة النصرة، والتي كانت تحاول حل المشاكل أحياناً بالصلح وليس بفرض القانون، كان التنظيم يستغل شكاوى الناس لضرب هذه الكتيبة أو تلك بحجة الفساد واللصوصية، مثلما فعلوا مع حسن جزرة قائد كتائب غرباء الشام ورفاقه في نهاية عام 2013 دون أن يكون لذلك ردة فعل من الناس لشهرة فساده. هذا كان في البدايات عندما كانوا يرتدون ثياب الحملان في مضافاتاهم".

ثلاث مضافات كبرى

رغم أن المضافة تعني شعبياً "الأبواب المفتوحة"، فإن مضافات داعش محكمة الإغلاق وليس متاحاً للجميع أن يصلها، خصوصاً مضافات النساء.

ويقول خالد البوجامل الذي أقام في مدينة البوكمال قرابة عام تحت سيطرة التنظيم: "ما تزال المضافات متواجدة إلى الآن، وهي لا تقتصر على استقطاب المهاجرات من الخارج فقط، بل تشمل وجود نساء قتل أزواجهن في المعارك أو فتيات سوريات من المنطقة انضممن للتنظيم".

ويضيف خالد، الشاب البالغ من العمر 27 عاماً والذي قضى فترة في معتقلات داعش في سوريا، اختلط خلالها بعناصره كمعتقلين وسجانين، قبل أن يلجأ إلى تركيا "لم يكن مكان المضافة سرياً. فخلال الفترة الأخيرة أصبحت تتوزع في المنطقة ثلاث مضافات كبرى إحداها في مدينة الميادين وأخرى في بلدة الزباري بريف دير الزور الشرقي وواحدة في بلدة الطيبة. ولا يسمح لأحد من أهالي المنطقة بالاقتراب منها".

ويقول إن تنظيم داعش اعتمد بشكل كبير على المضافات في الدعاية الإعلامية التي كان يبثها. وكان ذلك سبباً إضافياً في ارتفاع نسبة تجنيد النساء، خصوصاً المهاجرات.

 

غولاي ظاظا

صحافية كردية من سوريا، تعنى بالوضع الإنساني وبتداعيات سيطرة داعش على الحياة الاجتماعية للسكان.

كلمات مفتاحية
العراق داعش سوريا

التعليقات

المقال التالي