إسرائيل على خطى دول المقاطعة: من المستفيد من إغلاق مكاتب "الجزيرة"؟

إسرائيل على خطى دول المقاطعة: من المستفيد من إغلاق مكاتب "الجزيرة"؟

يبدو أن حرارة الخلاف بين قطر والدول العربية المقاطِعة لها مضبوطة على قياس حرارة الطقس التي تضرب المنطقة العربية والتي تزداد ارتفاعاً بفعل الاحتباس الحراري.

في جو الاحتباس السياسي/ الاقتصادي على خط الأزمة الخليجية برز تطور جديد، إذ تنشغل قناة "الجزيرة" القطرية اليوم، ومعها متابعي الأزمة، بقرار إسرائيل إغلاق مكاتبها في القدس المحتلة بتهمة "دعم الإرهاب".

وبينما يأخذ القرار الإسرائيلي أبعاداً مختلفة، علماً أن الدعوة إليه انطلقت منذ مدة، صبّت قناة "الجزيرة" جهدها للتركيز على استناده على ما سبقته إليه الدول العربية من إغلاق لمكاتبها.

وفي ذلك عادت القناة إلى تصريح وزير الاتصالات الإسرائيلي أيوب قرّا الذي قال "استند القرار إلى قيام دول عربية سنية معتدلة بإغلاق مكاتب الجزيرة لديها وحظر عملها".

هكذا حمّلت القناة الدول العربية مسؤولية إبعاد "التغطية المستمرة" عن القضية الفلسطينية لصالح تحقيق تقارب إسرائيلي - عربي في الاقتصاد والدفاع.

فما هي تفاصيل هذا القرار الإسرائيلي؟ وإلى ماذا يستند كل طرف في تفصيله؟ وهل يضرّ بالجزيرة أم يصبّ في مصلحتها؟

بين أحداث القدس والأزمة الخليجية

في منتصف شهر يونيو الماضي، كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن نية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إغلاق مكاتب "الجزيرة" الفضائية بعد عقده مداولات عديدة، في وقت بدأ كل من مكتب الصحافة الحكومي ووزارة الخارجية الإسرائيلية وجهاز الأمن العام الإسرائيلي وباقي المؤسسات الأمنية دراسة الأمر جدياً.

أتى الخبر تزامناً مع إغلاق كل من السعودية والأردن مكاتب القناة الفضائية لديهما، وقد رجحت الصحيفة الإسرائيلية سعي إسرائيل للاستفادة من الخطوة العربية.

يُذكر كذلك أن مصر قد أغلقت مكاتب القناة قبل أربع سنوات على خلفية اتهام القناة بـدعم "الإخوان المسلمين"، وسجنت عدداً من صحافييها.

لم تكن تلك الدعوة الإسرائيلية الأولى لإغلاق مكاتب "الجزيرة"، فقد سبقتها دعوات متفرقة بحجة "التغطية السلبية ضد إسرائيل"، لكن "يديعوت أحرونوت" لفتت إلى أن التنفيذ تأخر بفعل وجود مخاوف سابقة من تأثيرات هذه الخطوة على صورة إسرائيل، بالإضافة إلى عراقيل قانونية، علماً أن موظفي الجزيرة الـ34 هم من فلسطينيي الداخل.

التغطية الأخيرة للجزيرة في المسجد الأقصى، فضلاً عن الأزمة الخليجية المستجدة، دفعت بالقرار إلى الواجهة، وهو ما ظهر في كلام وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان الذي قال "في إسرائيل والدول العربية يتم النظر إلى الجزيرة كخطر، مؤسسة إعلامية شبيهة بتلك التي عملت خلال ألمانيا النازية".

وفي أواخر الشهر الماضي، اتهم نتنياهو "الجزيرة" بـ"التحريض على أحداث العنف في القدس"، وكتب على فيسبوك مصعّداً النبرة "لقد دعوت الجهات القانونية مرات عدة إلى غلق مكتب الجزيرة في القدس. وإذا كان ذلك غير ممكن بسبب تفسير القانون، فإنني سأتكفل بالتصديق على القوانين المطلوبة لطرد الجزيرة من إسرائيل".

أما التطور الأخير، والذي جعل الأمور تتفاعل، فكان بيان وزارة الاتصالات الذي كشف نية الأخيرة "طلب إلغاء تصاريح عمل صحفيي الشبكة ووقف بث قنواتها في إسرائيل واستخدامها للأقمار الصناعية أو خدمات الاشتراكات الأرضية".

أقوال جاهزة

شارك غردتهديد إسرائيل بإقفال الجزيرة في القدس فتح الجبهة على اتهام قطري للدول العربية بالسعي للتطبيع

شارك غردحمّلت قناة الجزيرة الدول العربية مسؤولية إبعادها فلسطينياً لصالح تقارب إسرائيلي-عربي اقتصادي ودفاعي

الجانب القانوني

تزامن البيان مع طلب وزير الاتصالات الهيئات الأخرى ذات الاختصاص في إسرائيل بالقيام باللازم لحظر القناة، مشيراً إلى أن مجهزي خدمات توزيع البث في إسرائيل وافقوا على وقف بث الجزيرة على الهواء وتقديم خدماتهم لقنواتها.

من الجانب القانوني، أوضح قرّا أن إغلاق مكاتب القناة في القدس يحتاج إلى تشريع إضافي، لذا سيقدم مشروع قانون إلى الكنيست بشأن حظر الجزيرة، في حين يُرجّح أن تستأنف الجزيرة ضد هكذا خطوة في المحكمة العليا، وهي أعلى هيئة قضائية في إسرائيل.

عملياً، أكدت الشبكة أنها "ستتابع تطورات القرار الإسرائيلي وتتخذ الإجراءات القانونية والقضائية المناسبة بشأنه، كما ستستمر في تغطية الأحداث التي تشهدها الأراضي الفلسطينية المحتلة بمهنية وموضوعية، وفقاً لضوابط العمل الصحفي التي تنظمها الهيئات الدولية المعنية، مثل هيئة البث البريطانية (أوفكوم)".

في المقابل، نقلت "هآرتس" أن القناة ستستمر في البث من مكاتبها في القدس بعد رفض مكتب الإعلام الحكومي سحب ترخيصها، وكذلك سحب بطاقات الصحافيين التابعين لها.

وكان وزير الاتصالات توجه إلى المكتب من أجل تنفيذ هذه الخطوة إلا أنه تم رفضها، بحسب الصحيفة التي بيّنت أن المكتب الإعلامي الحكومي يحتاج إلى مستند يحمل تصوراً أمنيا واضحاً لإجراء مثل هذه الخطوة.

بدوره أوضح مدير مكتب الصحافة الحكومي نيتسان حن أنه "فقط في حال إقرار أجهزة الأمن أنهم يشكلون خطراً على أمن الدولة سيتم سحب هذه التراخيص"، في حين نقل موقع "عرب 48" تأكيد حن أن قرار سحب التراخيص يتخذه مكتب الصحافة الحكومي حصراً بعد إبداء أجهزة الأمن رأيها في هذا الشأن.

ذنب "الجزيرة" أم التطبيع العربي؟

أياً تكن الخواتيم القانونية للقضية، إلا أنها شكلت مناسبة لتوجيه الرسائل بين الأطراف المتنازعة، في حين كان أكثر ما صوبت "الجزيرة" الاهتمام عليه هو الموقف العربي الذي أفسح المجال أمام إسرائيل لتجد حجة مقنعة في محاولتها الدائمة "التعمية على القضية الفلسطينية" والانتهاكات التي ترتكبها.

وركزت الجزيرة على "التصريحات الإسرائيلية" حول التحضير لمؤتمر اقتصادي إقليمي مع دول عربية "عاقلة"، وتحديداً على تصريح قرّا بأن إسرائيل ترغب بتحالفات مع تلك الدول والوصول إلى السلام والشراكة الاقتصادية معها؛ ولذا "لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي" بعدما حظرت تلك الدول قناة "الجزيرة".

ركزت الجزيرة على تحضير إسرائيل لمؤتمر مع دول عربية "عاقلة"، بينمت ذكرها البعض بعلاقات قطر مع إسرائيل

في المقابل، أشار بعض المعلقين إلى العلاقات الإسرائيلية - القطرية "الدافئة"، والمستمرة منذ التسعينات وتحديداً في المجال الاقتصادي وشق الغاز الطبيعي، ومن هنا لفتوا إلى أن قطر لا يمكن أن تلعب دور الضحية في هذا الإطار، لا سيما وأن المحللين الإسرائيليين كانوا ضيوفاً روتينيين على القناة.

واعتبروا أن الاتهامات التي تطال قطر محقة في ظل دعمها لحركة "حماس"، التي شارك وفد منها مؤخراً في حفل تنصيب الرئيس الإيراني حسن روحاني.

في إطار آخر، رأى البعض أن القرار لن يضر بـ"الجزيرة"، فهي ستغطي القضية الفلسطينية ولكن من دون أن تضطر للحصول على التصريحات الرسمية من إسرائيل والتعامل معها.

كما أن هذا القرار سيعيد للقناة بعضاً من الشعبية التي كانت قد فقدتها نتيجة تغطيتها للأحداث بعد "الربيع العربي" كما في مصر وسوريا واليمن، وسيظهر إسرائيل بصورة أكثر سوءاً أمام المجتمع الدولي بعدما أعلنت استعدادها تعديل قوانين وسن أخرى لإسكات حرية التعبير.

يُذكر أن للقناة مكتباً في القدس الغربية، إضافة إلى مكاتبها في رام الله في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وكان مكتب الضفة قد شهد قراراً بالإغلاق من قبل السلطة الفلسطينية في العام 2009، بعد تقرير لـ"الجزيرة" رأى أن الرئيس محمود عباس تعاون مع إسرائيل في قتل الزعيم الراحل ياسر عرفات.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي