كيف تعيد حماس توزيع قياداتها عربياً... ولماذا تختار الجزائر؟

كيف تعيد حماس توزيع قياداتها عربياً... ولماذا تختار الجزائر؟

"نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة"، قالها الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين وكررها في مواقف عديدة دفاعاً عن فلسطين، فحفرت الجزائر في الوجدان العربي عموماً، والفلسطيني خصوصاً.

تعود اليوم الأنظار إلى هناك، مع الحديث عن سعي قادة "حماس" لجعل الجزائر مقراً جديداً للحركة بعد الضغوط التي تعرضوا لها في قطر، على خلفية الأزمة الخليجية الأخيرة.

لماذا الجزائر وما خلفية الحراك "الحماسي" فيها؟ وهل جزائر بوتفليقة تفتح لهم الباب كما فتحت جزائر بومدين للفلسطينيين أحضانها؟ وما هي المواقف من إمكانية ترحيب الجزائر، التي كانت يوماً أول من اعترف بـ"منظمة التحرير الفلسطينية"، بحركة تتسابق الدول لوصفها بـ"الإرهابية"؟

جزائر بومدين و"المليون شهيد"

في هذه المقابلة، يستعيد الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات قصة توجه بومدين قبل حرب أكتوبر إلى مصر ثم إلى سوريا "ليعرف احتياجاتهم"، وذهابه بعدها إلى الاتحاد السوفياتي طلباً لتسريع مدهم بالسلاح الذي كان قد فقده المصريون والسوريون في المعارك.

وعندما طلب الاتحاد مالاً، دفع بومدين مبلغ 200 مليون دولار من أموال الجزائر لتحقيق تلك الغاية. ثم أتى خطابه الشهير إلى الجزائريين المشاركين بالحرب مطالباً بعودتهم "إما شهداء أو منتصرين".

لجزائر "المليون شهيد" وجزائر "الأمير عبد القادر" ولكل تجربة النضال ضد فرنسا مكانة خاصة لدى الفلسطينيين كرّسها تقارب التجربتين، وعززها اعتراف بومدين بعد انقلابه على حكم بن بلة بـ"منظمة التحرير الفلسطينية" في العام 1965 وافتتاح المنظمة لأول مكتب لها في الجزائ.

تحول المكتب لاحقاً إلى سفارة، بعد حصول فلسطين على صفة مراقب في الأمم المتحدة عام 1974.

ولا ينسى الفلسطينيون أن من قصر الصنوبر الجزائري خرج عرفات ليتلو "وثيقة الاستقلال"، التي خطها الشاعر محمود درويش، معلناً قيام دولة فلسطين، بعدما احتضن تراب الجزائر اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في العام 1988.

بقيت القضية الفلسطينية من ثوابت السياسة الخارجية للجزائر وبقيت الجزائر أملاً عربياً حياً بأن فلسطين ستتحرر يوماً ماً. يكفي أن يهتف جمهورها في إحدى مباريات كرة القدم نشيده الشهير "فلسطين الشهداء" كي يشعر المرء بذلك.

لكن حسابات السياسة ليست حسابات رومانسية ثورية، وظروف العالم العربي قد تغيرت، من هنا يعيد حراك "حماس" اليوم بحثاً عن تمركز جديد في الجزائر السؤال حول الشكل والآلية والحدود.

أقوال جاهزة

شارك غرد"نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة"، هل تنطبق مقولة الراحل هواري بومدين على تعامل بوتفليقة مع "حماس" اليوم؟

شارك غردحماس تبحث عن احتضان جديد بعد أزمة قطر، ووحده باب الجزائر مفتوح...

وجزائر حماس؟

مع ازدياد الضغط العربي على قطر وصولاً إلى مقاطعتها، كانت الصورة تتضح أكثر فأكثر، ليتبين أن أبرز أسبابه هو وجود قادة "حماس" على أراضيها، والذي كان طردهم منها بنداً أساسياً في لائحة مطالب الدول المقاطعة للرجوع عن قرارها.

تجنباً لإحراج الدوحة وسعياً نحو ملاذ أكثر احتضاناً، كانت الاتصالات والنقاشات والاجتماعات السرية تجري مع الجزائر.

كان قادة من حماس يستفيدون من اللجوء القطري، ولكن بعد هذا التطور بدأت الصحف الجزائرية وعدد من الصحف العربية تتحدث، نقلاً عن مصادر مطلعة في الحركة، بحث الأخيرة عن "موطئ قدم لها في الجزائر".

في هذه الأثناء، خرج القيادي في "حماس" وأحد الناطقين باسمها سامي أبو زهري ليعلن من الجزائر أن الحركة تقدمت بطلب رسمي من السلطات هناك لفتح مكتب سياسي للحركة وتسهيل انتقال عدد من القياديين إليه.

أبو زهري نفسه كان قد تقدم بطلب للإقامة في البلاد وحصل عليه، في وقت يتابع مسؤولون من الحركة ومنهم موسى أبو مرزوق وأسامة حمدان زيارة الجزائر بشكل شبه رسمي.

ليس ثمة من رد رسمي بعد بشأن الموافقة الجزائرية على افتتاح المكتب، ولكن مصادر من "حماس" تحدثت لصحف مدعومة من قطر عن تلقيها مؤشرات إيجابية بالحصول على الموافقة الرسمية في الإقامة بالجزائر بشكل رسمي، متوقعة الإعلان عن الموافقة الجزائرية خلال أسابيع قليلة مقبلة.

وفي حوار لأبو زهري مع صحيفة "الشروق" الجزائرية أكد كذلك أن "قيادات حماس تلقى كل التسهيلات لدخول الجزائر، فلا تستغرق التأشيرات سوى بضع ساعات مقارنة بدخول دول عربية أخرى"، وبذلك يمكن اعتبارهم بمثابة المقيمين.

على خط آخر، ومع انحسار في الخيارات من سوريا التي أغلقت أبوابها إلى تركيا التي تعرضت لضغوط دولية بسبب "حماس" والتضييق في لبنان وماليزيا وصولاً إلى قطر، وفي ظل سعي الحركة لتعزيز ثقلها في غزة بوجود المسؤول عنها هناك اسماعيل هنية، وسعي قياداتها لإعادة التموضع، تبدو الجزائر الخيار الأنسب لا سيما وأنها استطاعت تحييد نفسها عن التجاذبات العربية الحاصلة والبقاء كساحة تأييد واسعة للقضية الفلسطينية.

أكثر من مكتب سياسي

في العام الماضي، ظهر القيادي في الحركة موسى أبو مرزوق في هذه المقابلة كاشفاً عن وجود مكتب تمثيلي لحماس في الجزائر وصفه بـ"القديم الجديد"، وبأنه "شبه رسمي"، إذ أن السلطات راضية عن وجوده.

تقدمت "حماس" بطلب رسمي لفتح مكتب في الجزائر بينما تحظى قياداتها بتسهيلات عدة وبدعم "حمس" الجزائرية

وفي الوقت نفسه أشار إلى أن السلطات مضطرة للتعامل مع "الرسميات والشرعيات"، وبمعنى آخر مع السلطة الفلسطينية، مع ذلك تمنى أن يحصل انفتاح أكبر ودعم أكبر من "البلد العظيم والحبيب"  لـ"المقاومة في فلسطين" على الصعيد الرسمي.

والعلاقة بين "حماس" والجزائر ليست جديدة، إذ استقبلت البلاد العديد من قادة الحركة في زيارات رسمية وشبه رسمية، من رئيس المكتب السياسي خالد مشعل (2007) ووزير الداخلية السابق في حكومة "حماس" فتحي حماد ( 2009) والناطق باسم الحكومة وعضو المجلس التشريعي صلاح بردويل (2011).

وخلال الاعتداء على غزة بين عامي 2008 و2009، وقفت الجزائر في موقف داعم لـ"حماس" باعتبارها حركة مقاومة تدافع عن القضية الفلسطينية، وعارضت بشدة المطالب المقدمة بوضع الحركة على لائحة الإرهاب. واستمر دعم الجزائر لقطاع غزة إما بفتح مستشفى متخصص أو إرسال قوافل دعم ومساعدات إنسانية.

ثمة عامل أساسي كذلك ينبغي أخذه بالاعتبار هنا، وهو العلاقة المتينة التي تجمع "حماس" بـ"حركة مجتمع السلم" (حمس) الجزائرية الإسلامية المناهضة للسلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس.

في الماضي، لم تكن علاقة "حمس" بالسلطات الجزائرية على ما يرام، ولكن السنوات الأخيرة شهدت تطوراً ملحوظاً باتجاه التقارب، ولعبت الحركة دور الوسيط في مناسبات عدة كان أبرزها التفاوض مع إسلاميي ليبيا، وبالتالي يمكن للحركة تسهيل الأمور بين الحركة الفلسطينية والسلطة الجزائرية.

يُضاف لذلك عامل أن الجزائر، ونتيجة ما يشبه اكتفاءها الذاتي، تتمتع بحصانة أكبر من تركيا مثالاً تجاه الضغوط الدولية وبالتالي يمكن لحماس أن تجد لها هناك مقراً آمناً.

شد حبال سعودي - قطري... ومخاوف من أبو مازن

قبل أيام قليلة، خرج السفير السعودي في الجزائر سامي الصالح، مستبقاً إمكانية الموافقة الرسمية على افتتاح المكتب، ليصف فيها حركة "حماس" بـ"التنظيم الإرهابي". أثار التصريح جدلاً واسعاً، وأعقبه إطلاق ناشطين لهاشتاغ حمل عنوان "طبعاً مقاومة"، كما مطالبات باستدعاء السفير.

بدوره، رد سفير قطر في الجزائر إبراهيم بن عبد العزيز السهلاوي عليه بالقول إن "حماس حركة مقاومة شرعية تماماً مثل الثورة الجزائرية المباركة"، وإن استدرك قائلاً إن "قطر لا تدعم "حماس، بل تدعم الشعب الفلسطيني وتتعاون مع السلطة الفلسطينية، ووجود حماس في قطر هو تمثيل سياسي للحركة التي توجد كذلك بالجزائر".

في الإطار، أثار محللون مخاوف من ضغط تمارسه السلطة الفلسطينية على نظيرتها الجزائرية، والعلاقات بينهما جيدة، كي لا تقبل الأخيرة باستضافة حماس، خشية المنافسة في الساحة الجزائرية وحفظاً لماء وجه السلطة أمام الإسرائيليين والدول العربية الأخرى التي تصنف الحركة في خانة الإرهاب.

واختلفت وجهات النظر بين من رأى أن الجزائر ستوافق على افتتاح المكتب مقابل تطمينات تمنحها للسلطة الفلسطينية، وبين من رأى أن الجزائر تعيش اليوم حالة انكفاء خارجي وتوترات داخلية وعدم رضى عن نظام بوتفليقة، وبالتالي ستكتفي بعدد محدود من قياديي حماس على أراضيها، وبشروط.

وخرجت من الجزائر أصوات قليلة تدعو السلطات لعدم إفساح المجال كاملاً أمام "حماس" لأنها "انقلبت على من مولها، ليس فقط سياسياً، بل بالعنف وبرفع السلاح في وجوههم أيضاً، مثل سوريا ومصر"، واعتبرت أن "رفض لجوء قيادات حماس إلى الجزائر لن يغير في شيء من دعم الجزائر للقضية الفلسطينية ولنضال الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقه فى تحرير أرضه وإعلان دولته وعاصمتها القدس".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي