من ينتصر على أعتاب الأقصى: الكرامة الفلسطينية أم الهيبة الإسرائيلية المزعومة؟ 

من ينتصر على أعتاب الأقصى: الكرامة الفلسطينية أم الهيبة الإسرائيلية المزعومة؟ 

الأوضاع على شفا الانفجار في القدس المحتلة، في ظل إصرار فلسطيني على رفض إجراءات الاحتلال الخاصة بدخول المصلين للمسجد الأقصى وإصرار الاحتلال على المضي قدماً وعدم الاستماع لنصائح ترددت داخل أجهزة أمنية حساسة في تل أبيب بالتراجع عن وضع البوابات الإلكترونية الكاشفة للمعادن على أعتاب الحرم القدسي.

هي إذاً معركة الكرامة الفلسطينية ضد ما يسمى بـ"الهيبة" الإسرائيلية، فمن ينتصر؟ وهل ثمة حلول وسط ترضي الفلسطينيين المقدسيين وتحفظ ماء وجه الإسرائيليين، لنزع فتيل الأزمة؟ وما هو موقف أطراف عربية تربطها علاقات رسمية وغير رسمية بإسرائيل مما يحدث؟

الانتفاضة

15007649614865_b

يخشى الكثير من الكتاب والمحللين في إسرائيل من استمرار المواجهات في محيط الحرم القدسي، هذه الخشية نفسها تسيطر على منظومة الدفاع وأجهزة الأمن الإسرائيلية، التي بدأت في اتخاذ سلسلة إجراءات جديدة للحيلولة دون اندلاع انتفاضة شاملة في الأراضي الفلسطينية.

في تقييم موقف أجراه وزير الدفاع "أفيجدور ليبرمان" مع مسئولي الجيش الإسرائيلي والشاباك (جهاز الأمن العام)، السبت 22 يوليو، عقب مقتل ثلاثة مستوطنين على يد الشاب الفلسطيني عمر العبد في مستوطنة حلميش، أبدى المجتمعون انزعاجهم من إمكانية أن يصبح العبد "ملهماً" للكثير من الشبان الفلسطينيين خلال الأيام القادمة.

لذلك بدأت إسرائيل في تعزيز قواتها بالضفة الغربية بعدة كتائب نظامية، وأطلقت حملة اعتقالات واسعة في أنحاء الضفة وزادت من رصد شبكات التواصل الاجتماعي الفلسطينية، في ظل تزايد الإنذارات حول هجمات جديدة، بحسب "عاموس هرئيل"، محلل الشئون العسكرية بصحيفة "هآرتس".

"الهدف: منع انتفاضة جديدة"، كان هذا عنوان تحليل للمحلل العسكري "يوآف ليمور" بصحيفة "إسرائيل اليوم"، بتاريخ 23 يوليو، قال فيه: "مصدر مسؤول طلب عدم ذكر اسمه وصف لأول مرة بوضوح السيناريو الذي تسعى إسرائيل الآن لتجنبه: انتفاضة ثالثة. هذا الزوج من الكلمات - انتفاضة ثالثة - هو الآن في قلب كل التقييمات، لكن هذه هي المرة الأولى التي يقال صراحة. هذا أيضاً هو السيناريو الذي حذر منه الجيش والشاباك أخيراً، والذي تحوله الآن عناصر معلنة وخفية إلى خيار واقعي".

"ليمور" يذهب إلى أن من يحاول المقارنة بين الوضع الحالي وموجة عمليات الطعن والدهس التي بدأت في أكتوبر 2015 سيكون مخطئاً ومضللاً، فـ"الدوامة الآن أكثر خطورة، لأن القوة التي تحركه دينية".

"الهيبة الجوفاء"

البوابات التي وضعتها تل أبيب على مداخل الحرم القدسي تفتح أبواب الجحيم على إسرائيل. إلى هذا خلصت صحيفة "هآرتس" في مقالها الافتتاحي الأحد 23 يوليو، تحت عنوان "وقت اختبار الحكمة السياسية".

الصحيفة سخرت من الإجراءات الإسرائيلية وقالت إن حكومة بنيامين نتنياهو قررت وضع البوابات على مداخل المسجد الأقصى لمنع تكرار عملية الحرم القدسي التي نفذها ثلاثة فلسطينيين من عرب الـ48 في 14 يوليو وأدت إلى مقتل عنصرين من الشرطة الإسرائيلية، لكن، وللمفارقة، كانت البوابات نفسها سبباً في اندلاع موجة جديدة من الهجمات الفلسطينية.

Gates_AFP

وبحسب "هآرتس"، فإن البوابات الإلكترونية ليست رمزاً وطنياً ولا تمثل اختباراً لسيادة إسرائيل على الحرم القدسي، إذ يكشف وضعها الخلاف بين جهاز الشاباك والجيش اللذين عارضا الفكرة وحذرا من تبعاتها من جهة، وبين الشرطة التي أصرت عليها.

من السهل إذن الإبقاء على تلك البوابات تحت ذريعة الحفاظ على "الكرامة الوطنية"، لكنها اعتبارات واهية وخطيرة، فإسرائيل يمكنها القيام بذلك بشكل أبدي لكن "مع هزيمة مدوية على الأرض"، قالت الصحيفة.

أقوال جاهزة

شارك غرد"البوابات التي وضعتها تل أبيب على مداخل الحرم القدسي تفتح أبواب الجحيم على إسرائيل" من الصحافة العبرية

شارك غردهل ستزيل تل أبيب البوابات، لتعلن بذلك انكسار هيبتها المزعومة؟ أم ستواصل تحدي العرب والمسلمين للنهاية؟

الاستعانة بـ"المعتدلين"

تدعو الصحيفة حكومة نتنياهو إلى استغلال الظرف الراهن لتجاوز الأزمة، في وقت لا تواجه إسرائيل جبهة عربية موحدة بخصوص المسجد الأقصى، بل إن زعماء ما يسمى بالدول المعتدلة وخاصة مصر والأردن والسعودية والمغرب يتفهمون ضرورة التصدي لـ"الهجمات الإرهابية" في الأماكن المقدسة، على حد قول الصحيفة، ليس هذا فقط بل يتخوفون كإسرائيل تماماً من أن يؤدي استمرار المواجهات إلى اضطرابات عنيفة في بلدانهم.

الزعماء العرب على استعداد للتعاون في إيجاد حل يرضي الجميع، وهو ما يشغلهم حالياً. ومن ثم يتعين على نتنياهو أخذ الاستعداد العربي على محمل الجد لوقف تدهور الأحداث. "إنه وقت اختبار الحكمة السياسية وليست فرصة للمنافسة على هيبة جوفاء تشعل الحروب"، انتهت الصحيفة.

الحل المزدوج

قبل ذلك بيوم واحد، في 22 يوليو، كتب "تسفي برئيل" محلل الشئون العربية بـ"هآرتس"، تحليلاً تحت عنوان "الأردن ومصر تحاولان مساعدة إسرائيل على النزول من الشجرة وإزالة البوابات الإلكترونية"، أكد فيه أن تل أبيب تتبادل رسائل "محمومة" مع الرياض، وتجري مشاورات مع الرئيس المصري والملك الأردني في محاولة للتوصل إلى حل مزدوج يضمن "تأمين جبل الهيكل وعدم ضياع الهيبة الذي يتوقع أن يحدث حال إزالة البوابات".

وكشف "برئيل" عن تمخض تلك المباحثات مع العرب عن حلول جرى رفضها كلها من قبل الجانب الفلسطيني، كالاستعانة بعناصر شرطة أردنيين بلباس مدني لتشغيل البوابات، أو استخدام الماسحات اليدوية لفحص المصلين أو استخدام قوات شرطة فلسطينية وإسرائيلية وأردنية مشتركة للإشراف على البوابات القائمة.

لماذا يرفض الفلسطينيون بوابات الاحتلال؟

سلط المحلل السياسي والأمني "بن كسبيت" الضوء على جذور الصراع على السيطرة على الحرم القدسي بين إسرائيل والهيئات الإسلامية بالقدس وفي مقدمتها "الأوقاف الإسلامية" أو "الوقف الإسلامي"، كما يسميه الإسرائيليون.

 

في مقال نشره موقع "المونيتور" الأمريكي في نسخته العبرية "إسرائيل بولس"، أوضح "بن كسبيت"، أن وضع إسرائيل بواباتها بعد أيام على إغلاقها المسجد الأقصى للمرة الأولى منذ نصف قرن بعد عملية الحرم القدسي، أثار حفيظة مفتي القدس ورموز الوقف الإسلامي، الذين رأوا في ذلك انتهاكاً حاداً لـ"الوضع القائم".

هناك في إسرائيل من يتهم نتنياهو باستخدام أحداث الأقصى كقنبلة دخان للتغطية على أكبر قضية فساد في إسرائيل

وينص هذا الاتفاق الذي تشكلت ملامحه في عهد موشيه ديان وزير الدفاع الإسرائيلي عام 1967 على أن الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن هي المسؤولة عن ترتيب الصلاة وإدارة المساجد بالحرم القدسي.

"تسيطر إسرائيل بشكل رسمي على المنطقة وتتولى المسؤولية الأمنية هناك، رغم عدم تطبيق السيادة الإسرائيلية في المساجد. منذ احتلال القدس على يد الجيش الإسرائيلي تقرر تجنب التدخل فيما يحدث في جبل الهيكل والسماح للأوقاف بإدارة الموقع بحرية. هذا هو السبب وراء عدم رفع  العلم الإسرائيلي في المكان"، الكلام لـ"بن كسبيت".

عملياً تعطل البوابات الإلكترونية الصلاة داخل المسجد الأقصى، وتبطئ من حركة آلاف المصلين، بحسب المحلل الإسرائيلي، الذي حذر في مقاله من اندلاع حرب ياجوج وماجوج في الشرق الأوسط برمته، على خلفية أحداث الأقصى.

حماس في قفص الاتهام الإسرائيلي

"يخدم تصاعد التوترات مع إسرائيل مصلحة حماس في زعزعة الاستقرار بالسلطة الفلسطينية واحتلال موقع الزعامة بين الشعب الفلسطيني".

هذا على الأقل ما يراه "يهوناثان داحوح هاليفي" المستشرق والباحث الإسرائيلي في شؤون الشرق الأوسط والإسلام الراديكالي بمعهد القدس للدراسات العامة والسياسية، في مقاله المنشور على موقع المعهد في 19 يوليو.

ويتابع :"حماس وبقية التنظيمات الفلسطينية معنية بالتصعيد في جبل الهيكل. بالنسبة لحماس يدور الحديث عن فرصة سياسية لاحتلال موقع الزعامة في قيادة النضال على المكان الأكثر قداسة لمسلمي فلسطين، الذي يفترض أن يصبح العاصمة المستقبلية للخلافة الإسلامية. ينطوي ذلك على أهمية كبيرة على خلفية التدابير العقابية التي اتخذتها السلطة الفلسطينية برام الله ضد نظام حماس بقطاع غزة، في محاولة لإجبارها على تفكيك اللجنة الإدارية لقطاع غزة والسماح لحكومة السلطة الفلسطينية بفرض صلاحيتها بالقطاع".

نتنياهو يحقق مكاسب سياسية

هناك في إسرائيل من يتهم نتنياهو باستخدام أحداث الأقصى كقنبلة دخان للتغطية على أكبر قضية فساد في إسرائيل، والمتمثلة في إهدار عمولات ودفع رشوة لمقربين منه في صفقة استيراد غواصات ألمانية، وهي القضية التي تربك رئيس الحكومة الإسرائيلية ويمكن أن تفقده منصبه حال تبين تورطه بشكل صريح.

هناك أيضاً من يرون أن نتنياهو ما كان ليستمر في الإصرار على البوابات الإلكترونية لولا خوفه من منافسه السياسي نفتالي بينت زعيم حزب "البيت اليهودي"، وأحد رموز الصهيونية المتدينة في إسرائيل، وسط توقعات بأن يصبح الرجل رئيس الحكومة القادم خلفاً لنتنياهو، إذا حظي بتأييد كامل من قبل اليمين اليهودي.

"بن كسبيت" تبنى هذا الرأي، في مقال آخر بصحيفة "معاريف"، 23 يوليو، قائلاً: "كان نتنياهو القديم ليزيل أجهزة الفحص عندما كان يدرك أنها قد تؤدي لإشعال المنطقة، لكنه اليوم يخشى في الأساس من غريمه".

حرب دينية

"منذ إقامتها، تحاول دولة إسرائيل تجنب المواجهة الدينية والتهرب منها والتحايل عليها، لكن المسلمين دائماً ما يعودون إليها. إنها نار معسكرهم، نار القبيلة العربية المسلمة. الغراء الساخن الذي يوحدهم. سواء كانوا "معتدلين" كمصر وأبو مازن أو متشددين معلنين كحماس والجناح الشمالي للحركة الإسلامية (داخل الأراضي المحتلة)، كلهم يشبكون الأيادي حول تلك النار".

تُنسَب هذه الفقرة لـ"نداف شرجاي"، الكاتب بصحيفة "إسرائيل اليوم" المقربة من نتنياهو، في مقال بعنوان "لنعيد العفريت للقارورة" منشور بتاريخ 23 يوليو، قال فيه أيضاً: "لا يتعين علينا البحث عن أسباب تحت الأرض للنار التي تنتشر الآن في القدس وأنحاء الضفة الغربية. البوابات الإلكترونية هي مجرد ذريعة. جذور الصراع دينية: جبل الهيكل. لا يستطيع الإسلام تقبلنا هنا سوى كأهل ذمة مستعبدين، لا كأصحاب سيادة. الدوائر التي تنتشر فيها النار ثابتة. بداية جبل الهيكل وبعد ذلك المدينة القديمة كلها، فالقدس الشرقية، والضفة الغربية، وعرب إسرائيل، ثم الشرق الأوسط برمته".

ماذا الآن؟

وضعت إسرائيل الأحد 23 يوليو كاميرات مراقبة حساسة كتلك الموجودة في المطارات على باب الأسباط، أحد أبواب الحرم القدسي والذي يشهد جل المواجهات مع المقدسيين، في إجراء يعتبره كثيرون خطوة للخلف، وانتصاراً للفلسطينيين، لكنها ما زالت تبقي على البوابات.

لذا فالسؤال الآن هل ستزيل تل أبيب تلك البوابات وتكتفي بكاميرات المراقبة، لتعلن بذلك انكسار هيبتها المزعومة؟ أم ستواصل تحدي العرب والمسلمين للنهاية؟ وإذا حدث السيناريو الأول فهل يوافق الفلسطينيون على وضع الكاميرات ويعتبرون أنها لا تنتقص البتة من كرامتهم؟ أسئلة تحمل الأيام وربما الساعات القليلة القادمة الإجابة عنها.

صحافي مصري متخصص في الشؤون الإسرائيلية وعضو في نقابة الصحافيين.

التعليقات

المقال التالي