الاغتيالات الغامضة في مصر: ابحثوا عن الاستخبارات والسياسة

الاغتيالات الغامضة في مصر: ابحثوا عن الاستخبارات والسياسة

شهدت مصر خلال العقود الماضية العديد من حالات الاغتيال أو الموت الغامض لشخصيات بارزة تنتمي إلى عدة مجالات، من فنانين أو رجال سياسة أو قادة جيش.

وغالبية هذه الحالات يربط خيط واحد بين ألغاز وقوعها، وهو شبهات بكون السياسة والاختلافات مع الأجهزة السيادية في مصر لا سيما الاستخبارات هي السبب.

ومن أبرز هذه الحالات:

"الملاك" أشرف مروان

في 24 يونيو، نشرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية تقريراً يحاول فك لغز مقتل "الملاك" أشرف مروان، مدعيةً فيه أنه كان عميلاً إسرائيلياً، ولم يكن عميلاً مزدوجاً كما تقول الرواية المصرية. ورجح التقرير أن تكون الاستخبارات المصرية وراء عملية اغتياله.

مروان هو رجل أعمال مصري وزوج ابنة جمال عبد الناصر، ولعب دوراً مهماً في الصراع المصري الإسرائيلي بعد نكسة 1967، نظراً لتورطه في نقل معلومات سرية بين البلدين. وفي الوقت الذي تتمسك مصر بأطروحة أن مروان كان جاسوساً يعمل لصالح مصر، فإن إسرائيل لا تزال تتغنى بتجنيدها المساعد الخاص لعبد الناصر ثم السادات، بل أطلقت عليه لقب "الملاك".

في 27 يونيو 2007، استيقظ أهالي حي شارع كارلتون هاوس تيراس، في وستمنستر في لندن، على أصوات صافرات سيارات الشرطة والإسعاف، ووجدوا مروان الذي كان يقطن في شقته الفاخرة البالغ سعرها 4.4 ملايين جنيه إسترليني، غارقاً في دمائه على الأرض بعد سقوطه من الشرفة.

مأتم أشرف مروان في 1 يوليو 2007 مأتم أشرف مروان في 1 يوليو 2007

وبحسب تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، من المؤكد أن مروان لم يسقط من تلقاء نفسه.

تفاصيل الدقائق الأخيرة في حياة مروان تبدو غامضة جداً. في صباح موته، كان أربعة أشخاص، هم جوزيف رباسي، وعصام شوقي، ومايكل بارخورست، وجون روبرتس، مجتمعين في شقة بالدور الثالث في مبنى مجاور يمكن من خلاله رؤية شرفة مروان بوضوح، بحسب التقرير.

هؤلاء الأربعة كانوا يعملون في شركة "أوبيشم بي إل سي" المملوكة لأشرف مروان، وكانوا ينتظرون انضمامه إليهم، لكنه تأخر، وحين اتصلوا به، أكد لهم أنه سيصل في وقت قصير.

يقول رباسي إنه صعق حينما صرخ أحد الموجودين وهو يشير إلى شرفة مروان بالقول: "انظروا ماذا يفعل الدكتور مروان، يقفز من الشرفة". وظل رباسي محدقاً من نافذة الشقة الموجود فيها ليرى ماذا يحدث.

بعد دقيقة، نظر مجدداً من النافذة، وقال: "رأيت رجلين تبدو ملامحهما شرق أوسطية ينظران من شرفة إحدى الشقق".

خلال الأيام الأخيرة من حياته، كان مروان خائفاً على حياته، ففي آخر لقاءاته بزوجته أخبرها أنه ربما يتعرض للقتل، مضيفاً: "لدي أعداء كثيرون". وتتذكر منى عبد الناصر أنه في الأيام السابقة لوفاته كان يقوم بفحص الباب وغلقه كل ليلة قبل النوم، وهي عادة جديدة لم تلاحظها عليه خلال الـ38 عاماً من زواجهما.

وبالنسبة لأسرة مروان، يشير التقرير إلى أن هناك جزء لا يزال ناقصاً، فالنسخة الوحيدة من قصة حياته، التي كان على وشك إنهائها اختفت من رف الكتب يوم وفاته. ثلاثة مجلدات، كل مجلد يتكون من 200 صفحة وشرائط التسجيل، لم يتم العثور عليها.

ونقلت الغارديان عن أحد المصادر أن مروان الذي عمل لصالح الاستخبارات المصرية والإسرائيلية والإيطالية والأمريكية والإنكليزية، كان على وشك الإفضاء بأسرار كانت من الممكن أن "تحرج ملوكاً بل وشعوباً".

أقوال جاهزة

شارك غردما قصة المصريين مع لندن؟ 3 شخصيات بارزة ماتت في مدينة الضباب بعد أن سقطت عن شرفة!

شارك غردقصص موت غامضة منها قصة أشرف مروان الذي تصر مصر على أنه مخبر لها فيما تقول إسرائيل إنه "ملاك"​ استخباراتها

عام 2016، صدرت الترجمة الإنكليزية لكتاب "الملاك... الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل" لأستاذ العلوم السياسية بجامعة حيفا والضابط السابق في جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أوري بار-جوزيف.

كان الكاتب مسؤولاً عن إعداد دراسة حول أسباب فشل إسرائيل في التنبؤ بموعد اندلاع حرب 1973، ما أتاح له الاطلاع على تقارير استخباراتية كثيرة، منها تقارير كان يرسلها مروان منذ عام 1970.

وبحسب تقييم بار-جوزيف، كان مرد فشل إسرائيل في توقع موعد الهجوم المصري يعود إلى أنها اعتبرت أن الرئيس الأسبق أنور السادات لن يبدأ الحرب قبل وصول شحنة أسلحة كانت ذاهبة إلى مصر. إلا أن السادات قرر الذهاب إلى الحرب قبل ذلك وأخبرهم مروان بذلك، ولكنهم لم يغيّروا تقييمهم للوضع.

لكن أستاذ التاريخ في جامعة عين شمس أشرف مؤنس يرى أن "كل هذه التحليلات هي مجرّد اجتهادات، لكن المؤكد أن مروان قُتل".

وتابع لرصيف22: "مروان كان زوج ابنة عبد الناصر، وقريب من دائرة صنع القرار في مصر، وبالتالي فإن هناك سؤالاً يطرح نفسه: ما هي مصلحته بالفعل من التخابر مع إسرائيل وما الاستفادة التي ستعود عليه؟ لذا يستبعد المؤرخون المصريون هذه الرواية".

الفريق الليثي ناصف... ضحية أخرى في مدينة الضباب

مروان ليس الوحيد الذي سقط من شرفته. الأمر نفسه تكرر مع الفريق الليثي ناصف، مؤسس سلاح الحرس الجمهوري. ففي صباح 24 أغسطس 1973، أي قبل الحرب ضد إسرائيل بأقل من شهرين، عثر على جثته ملقاة على الأرض أمام مبنى يضم شقة تابعة لمؤسسة الرئاسة المصرية في مبنى "ستيوارت"، بلندن.

الفريق الليثي ناصف

وناصف من مواليد عام 1922، واختاره عبد الناصر لتأسيس الحرس الجمهوري وقيادته.

مع وصول السادات إلى الحكم في مصر، وإطلاقه "ثورة التصحيح" التي أطاح فيها بالعديد من القيادات المحسوبة على التيار الناصري، كان الفريق الليثي من أهم ركائزه في تنفيذ ثورته، ونفّذ عمليات اعتقال واسعة بين أصدقاء الأمس وقيادات في مراكز القوى والاتحاد الاشتراكي، بعد أن نجح السادات في إقناعه بأن هذه الاعتقالات مؤقتة لترتيب البيت الداخلي. لكن مرت شهور وأعوام ولم يتم الإفراج عن المعتقلين، الأمر الذي أدى إلى تدهور العلاقات بين الليثي والسادات.

سعاد حسني، زوج ابنة عبد الناصر أشرف مروان وشخصيات مصرية أخرى تبقى ظروف موتها غامضة

ووفق تقرير نشرته صحيفة "الجريدة" الكويتية، نشب خلاف حاد خلف الكواليس بين السادات والليثي، ولم يطمئن الرئيس بعد هذا الخلاف لبقاء الليثي في منصبه، فقرر تعيينه سفيراً لمصر في اليونان، وفي طريقة وأسرته إلى أثينا، قرر المرور أولاً بلندن لإجراء فحوص طبية لمدة يومين أو ثلاثة.

في اليوم التالي لوصوله، عثر على جثته أسفل المبنى التي يقيم فيه. وقبل أن يتفوه مخلوق بكلمة صرخت زوجته في وجه ممثلي القنصلية المصرية في لندن: السادات قتله.

وزير الدفاع أحمد بدوي... "السادات هو المستفيد"

حادثة أخرى مفجعة وقعت في الأيام الأخيرة من حكم السادات، حملت شبهات سياسية بوقوفه خلفها هو ونائبه، محمد حسني مبارك، الذي أصبح رئيساً بعده، وهي حادثة مقتل وزير الدفاع الفريق أحمد بدوي و13 قيادياً في الجيش المصري في 2 مارس 1981.

خلال زيارة إلى واحة سيوة، في غرب مصر على الحدود مع ليبيا، حاول قائد طائرة هليكوبتر الهبوط على المهبط الرسمي لفوج المقر الغربي للجيش لكن أُبلغ بأن المهبط تحت الصيانة، ووُجّه إلى مهبط آخر، بحسب تقرير نشر في روز اليوسف.

وبالفعل انحرف الطيار إلى هذا المهبط وأنزل الطائرة بسلام، وخرج القادة لتفقد الوحدات العسكرية في المنطقة الغربية التي كانت ساحة مواجهات عسكرية ساخنة ضد ليبيا.

أنهى الوزير والقادة زيارتهم في اليوم نفسه، واستعدوا للعودة إلى القاهرة، وبعد صعودهم الهليكوبتر، ومع بدء ارتفاعها، جذبها خطاف مربوط في ذيلها باتجاه أسلاك إنارة قريبة، فتأرجحت الطائرة وقفز قائدها من قمرة القيادة، ليموت كل مَن بقي على متنها، بخلاف العميد أبو بكر سكرتير وزير الدفاع، بعد أن انخلع الكرسي الذي يجلس عليه مع ذيل الطائرة.

أثارت هذه القضية جدلاً واسعاً في مصر. وأشعلت محاكمة خالد الإسلامبولي، الذي قتل الرئيس السادات في العام نفسه، الوضع بعد قوله إنه أطلق الرصاص على الرئيس انتقاماً لدم أحمد بدوي ورفاقه.

INSIDE_MysteriousDeathsEgypt_Badawy

يؤكد مؤنس أن "السادات كان المستفيد الأكبر من مقتل المشير أحمد بدوي وقيادات الجيش، في ظل الاضطرابات التي شهدتها مصر خلال الأعوام الأخيرة لعهده وعدم الرضا عن سياسته، لا سيما داخل الجيش بعد توقيعه اتفاقية السلام مع إسرائيل"، موضحاً أنه في القوانين العسكرية المصرية، ممنوع أن تركب قيادات للجيش في الطائرة نفسها، كما أن سقوط الطائرة لم يكن خطأ تقنياً بل حادثاً، وهو ما يرجح كونه مدبراً.

وأكد علوي حافظ، أحد الضباط الأحرار وأصبح ضمن صفوف المعارضة في البرلمان في عهد السادات، في كتابه الذي حمل اسم "الفساد" أن عهد السادات كان فاسداً للغاية وينذر بثورة أو انقلاب في الجيش، ولم يستطع السادات أن يستميل بدوي إلى معسكره خلال الأعوام الأخيرة لعهده.

تشير بعض الاتهامات أيضاً إلى ضلوع حسني مبارك في اغتياله، لأن بدوي كشف مخططه في الإتجار والتربح من صفقات السلاح.

موت "السندريلا" سعاد حسني

سعاد حسني، السندريلا المصرية، ضحية أخرى في مدينة الضباب، ماتت بطريقة مروان والليثي نفسها وسط شائعات بوجود علاقات لها مع الاستخبارات المصرية التي قامت بابتزازها وتجنيدها.

INSIDE_MysteriousDeathsEgypt_Hosny

وسقطت سعاد حسني من شرفة شقتها في لندن في 21 يونيو 2001، وهو اللغز الذي لا يزال يثير جدلاً واسعاً.

تصر أخت الفنانة الشهيرة، جانجاه عبد المنعم على البحث لمعرفة قاتلها. وفي ديسمبر 2016، أصدرت كتاباً بعنوان "سعاد... أسرار الجريمة الخفية"، تحدثت فيه عن تورط شخصيات تولت مناصب كبرى في مصر خلال حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك في مقتلها.

وتقول جانجاه إن رئيس مجلس الشورى في عهد مبارك صفوت الشريف متورط في مقتل السندريلا، مشيرةً إلى أن الشريف دبر لقتل حسني بعد قيامها بتسجيل مذكراتها صوتياً، خاصة أن تلك المذكرات كانت تدين بعض رموز نظام مبارك، وعلى رأسهم الشريف في عمليات سيئة السمعة.

 

كلمات مفتاحية
التاريخ مصر

التعليقات

المقال التالي