أسباب كثيرة تمنع السوريين من فهم علاقة اللبنانيين بجيشهم

أسباب كثيرة  تمنع السوريين من فهم علاقة اللبنانيين بجيشهم

حين بدأ تنظيم حزب الله بالظهور في لبنان، كان معادياً للرمزيات اللبنانية من علم ونشيد وطني وجيش. في البقاع اللبناني قام بالسيطرة على مخافر للشرطة وأنزل عنها العلم اللبناني. بينما كانت غريمته حركة أمل أكثر ارتباطاً بهذه الرمزيات حتى أنها خاضت معركة ضد الحزب التقدمي الاشتراكي في بيروت الغربية سميت بحرب العلم، وبدأت بمحاولة الاشتراكيين إنزال الأعلام اللبنانية عن مبانٍ حكومية.

الآن، صار مشهداً معتاداً لا بل طاغياً، أن نرى جماهير حزب الله تنزل إلى الساحات رافعة الأعلام اللبنانية بكثافة.

الحزب الذي احتقر العلم اللبناني والجيش اللبناني لأكثر من عقدين من الزمن والذي لا تزال ذاكرة محازبيه تحفظ واقعة جسر المطار عام 1993، حين أطلق الجيش النار على تظاهرة له وقتل 10 متظاهرين، غيّر موقفه منهما، ولهذا أسباب كثيرة تشكّل مدخلاً لفهم علاقة اللبنانيين بجيشهم.

يعبّر الجيش اللبناني في وعي اللبنانيين عن الوحدة العابرة للطوائف. له رمزية تشبه رمزيتي العلم والنشيد الوطني. في لبنان، الجيش، كغيره من المؤسسات الوطنية، هو مؤسسة تحتاج إلى توافق بين الطوائف على استمراريتها وعلى تحديد دور لها، لأن الطوائف سابقة على الدولة وأقوى منها.

ومن هذا المنطلق، لا يلعب الجيش دور المؤسسة القمعية بل هو مؤسسة يشعر اللبناني بأنه ملزم باحتضانها كي لا تتأذى. ولذلك ينادي اللبنانيون عنصر الجيش بـ"يا وطن" حين يرمون السلام عليه.

17390390_1848397565420402_3319903612176761425_o نموذج من الحملات الداعمة للجيش اللبناني

تحوُّل حزب الله من معاداة الرموز الوطنية إلى "حبّها" بدأ مع تحوّل موازين القوى في الداخل اللبناني وارتقائه إلى مرتبه الحزب المشارك بقوة في السلطة من داخل المؤسسات، ومن خارجها بالضغط عليها.

حينذاك، أي حين أصبح قادراً على توحيد رؤيته مع رؤية مؤسسات الدولة، صار من صالحه أن يرفع من قيمة هذه الرموز لدى مؤيديه، لأن هذه الرموز صارت مرتبطة بخياراته.

طبيعة حب الرموز بهذه الطريقة ليست مسألة محصورة بحزب الله. هي مسألة لبنانية عامة. السنّة اللبنانيون عادوا الجيش حين كانت خياراتهم تتقاطع مع خيارات الفصائل الفلسطينية العسكرية المنتشرة في لبنان، ثم أحبّوه حين استلم الرئيس الراحل رفيق الحريري رئاسة مجلس الوزراء فصار قائدهم جزءاً فاعلاً من السلطة.

وحدهم المسيحيون واظبوا على حب هذه الرموز لأنهم يشعرون باتحادهم الكياني مع لبنان، وحين لعب الجيش أدواراً قمعية ضد تحركات لهم في التسعينيات من القرن الماضي والسنوات الأولى من الألفية الثالثة أعطوه أسباباً تخفيفية بقولهم إنه كان واقعاً تحت هيمنة النظام السوري.

هكذا، فإن علاقة اللبنانيين برموزهم، ومنها جيشهم، هي علاقة مركّبة من رغبة في بقاء هذه المؤسسة الجامعة العابرة للطوائف، خاصة في ظل موت الخطابات القومية في العالم العربي، لأن لا أفق بدونها، ومن نزعة مصلحية ترتبط بالصراع على الغلبة الطائفية في الداخل اللبناني.

أما في القضايا الداخلية المحض، فلا حب للجيش بين اللبنانيين بل انقسام حول حبّه، في تعبير عن رغبة، أحياناً ما تكون غير واعية، لاستقطابه إلى جانب طرف في مواجهة آخر.

وهذا يحدث بشكل عام في كل الأحداث التي ينزل فيها الجيش إلى الشارع ليمارس مهمات قوى الأمن الداخلي، وبشكل خاص في المواجهات التي يطلق فيها الجيش النار ويسقط فيها قتلى، فتقف الطائفة المقموعة ضده وتهلل له الطوائف التي تخاصمها.

أقوال جاهزة

شارك غردحين ينظر السوريون إلى دور قمعي يمارسه الجيش اللبناني، فإنهم ينظرون إليه من منظار خلفيتهم عن فكرة الجيش

شارك غردفي الوعي اللبناني لا يلعب الجيش دور مؤسسة قمعية بل هو مؤسسة يشعر اللبناني بأنه ملزم باحتضانها كي لا تتأذى

علاقة السوريين بجيشهم

كل هذه الاعتبارات لا توجد في مركّب العلاقة بين السوريين وجيشهم. ففي وعي العلويين هو مؤسسة لضمان الهيمنة على عموم السوريين، وفي وعي شرائح من الريفيين هو صنو الترقي الاجتماعي. وفي وعي السوريين جميعاً، ومنهم العلويون والريفيون، هو أداة قمعية تقتل الناس وتزج بهم في السجون وتشردهم. بعد الحرب تعقدت الصورة أكثر مع تحوله إلى رمز ضد الفوضى جذب شرائح من مختلف الطوائف (خاصة المسيحيين وبعض سنة دمشق) تفضل أي استقرار على الوضع الراهن.

حين ينظر السوريون إلى دور قمعي يمارسة الجيش اللبناني، فإنهم ينظرون إليه من منظار خلفيتهم عن فكرة الجيش، دون تفهّم للحساسيات والعوامل اللبنانية الصرف.

حتى أن بعضهم يستخدم لشتمه وصف "جيش أبو شحاطة"، وهو وصف للجيش السوري نشأ بالمقارنة بين زيّه العسكري المترهل وبين زي الجيش اللبناني الذي يولي عناية خاصة به كما في الجيوش الغربية.

آخر فصول تهجمات السوريين على الجيش اللبناني أتى على خلفية قيام الأخير بعملية أمنية في مخيمات واقعة في جرود بلدة عرسال، شهدت تنفيذ خمسة "لاجئين" عمليات انتحارية ضد عناصر الجيش، كما شهدت اعتقالات تطرح تساؤلات كبيرة حول التزام الجيش في عمله بمعايير حقوق الإنسان، في ظل وفاة معتقلين داخل السجون بعيد اعتقالهم وفي ظل صور لرجال وشباب من المخيم أنصاف عراة وعليهم آثار كدمات.

وإذا كان انتقاد ما جرى قد بدأ بمشاركة لبنانيين كثيرين بالإدانة، إلا أن النقد السوري الشعبي للجيش سرعان ما تجاوزه إلى نقد اللبنانيين عامة.

لهذه الأسباب ينادي اللبنانيون عنصر الجيش بـ"يا وطن" حين يرمون السلام عليه...

ولفهم المسارعة إلى هذا الربط، يجب الانتباه إلى عاملين، أولهما دعم لبناني واسع لعملية الجيش بغض النظر عما فيها من تجاوزات، وثانيهما أن الوعي السوري العام يربط بين الجيش والشعب وينطلق من مبدأ يماهي بين النظام والجيش والشعب.

لا يستطيع هذا الوعي العام ببساطة تفكيك العلاقة المركبة بين اللبنانيين وجيشهم، والتي تستطيع أن تجمع بين حبه وكرهه ونقده ومديحه في آن واحد، نظراً لأن خبرتهم مع تجسيد مفهوم الجيش على أرض الواقع مختلفة تماماً.

تنامي العنصرية

التراشقات الكلامية بين اللبنانيين والسوريين بلغت دركاً من العنصرية لم تبلغه من قبل، وهذا الخطاب العنصري لم يظهر فجأة، فهو مؤسس على إسقاطات قديمة بين أبناء الشعبين، غذّاها سوء حال أوضاع اللاجئين السورين من جهة وآثار لجوئهم السلبية على الاقتصاد اللبناني من جهة ثانية.

تفاقم الوضع مع شيوع دعوة أطلقتها صفحة مشبوهة على فيسبوك باسم "اتحاد الشعب السوري في لبنان" حاولت أن "تركب" على موعد ومكان لتجمّع دعت إليه مجموعة من الناشطين اليساريين الذين يقاربون ما حصل في مخيمات جرود عرسال من منطلق حقوقي.

إطلاق هذه الصفحة ومنشوراتها ذات المطالبات "الأجنبية" جيّشت في جزء كبير من اللبنانيين وطنيتهم.

تذكّروا تاريخاً صدامياً مع اللاجئين الفلسطينيين كان من ضمن أسباب رئيسية لحرب أهلية استمرت 15 عاماً، وشعروا بأنهم مدعوّين للعب دور احتضان الجيش والدفاع عنه، وقرروا هم أيضاً أنهم سيتظاهرون في نفس الموعد، ما يعني بطبيعة الحال استحالة التظاهر، وهو ما فهمته مجموعة اليساريين التي قررت إلغاء دعوتها للتجمع.

الخطاب العنصري بين اللبنانيين والسوريين لم يظهر فجأة فهو مؤسس على إسقاطات قديمة بين أبناء الشعبين

في سبتمبر 2014، شاهد اللبنانيون والسوريون المشهد نفسه للاعتقالات الجماعية ولأجساد اللاجئين نصف العارية. وبرغم أنه لم يسقط قتلى حينذاك، إلا أن مؤيدي الثورة السورية من اللبنانيين نددوا بما جرى بأصوات أقوى مما فعلوه في الأيام الأخيرة.

هذه المفارقة ليست عابرة. هي دلالة على عدم الفصل بين السياسي وبين الحقوقي في ذهن العرب جميعاً. حينذاك، كان كثيرون مؤيدين بشكل عاطفي مبالغ فيه للثورة السورية على أساس أنها ستأتي بالتغيير في سوريا وفي لبنان من بعد ذلك.

الآن، قضت التطورات وطبيعة إعادة تشكّل قوى المعارضة السورية على هذا الوهم، ومن آثار ذلك العملية تدني "منسوب" التضامن العاطفي، كما كان من آثارها توقف البعض عن "غرامهم" بجبهة النصرة.

عودة إلى نقطة البداية

حالة الصدام السوري اللبناني الحالية ليست بالضرورة حالة واقعية لها وجود في الشارع بين عامة الناس، بدليل أن هذا الصخب على وسائل التواصل الاجتماعي لم يؤدِّ إلى توترات على أرض الواقع.

حالة الصدام المذكور هي "ترند"، وككل "ترند" هو قلّما يعبّر عن حالة شعبية. هو حصراً يعبّر عن واقع مكانه عالم موازٍ (افتراضي كما يستمر البعض في تسميته). ولحصر الأمور أكثر، هو يعبّر عن رأي مستخدمي هذه الوسائل بشكل كثيف، لأن مَن يقلّ في تغريداته ومنشوراته لا يتحكّم بكيفية تصوير الموضوع.

"المُسهلون" في التعبير عن رأي ما أياً يكن، وعادة ما يعبّرون عن فكرة واحدة بسيطة وغير مركّبة بصياغات قد تختلف قليلاً، هم مَن يحددون ملامح هذا العالم.

ولكن، برغم كل شيء، يبقى أن هذا العالم الموازي غير منفصل عن الواقع ويعبّر عن ميول لها وجود حقيقي. وأحياناً ينجح العالم الموازي بفرض خطابات تبسيطية، خاصة في ظل الأزمات، وهنا مكمن الخطورة.

عماد هاشم

كاتب لبناني مقيم في فرنسا

التعليقات

المقال التالي