لقاء مع زينب الغزوي، المرأة الأكثر حماية في فرنسا

لقاء مع زينب الغزوي، المرأة الأكثر حماية في فرنسا

لم تعرف زينب الغزوي أن سفرها خارج فرنسا في ذلك التاريخ تحديداً سيكون منقذاً لحياتها. فعندما هاجم مسلحون ينتمون لتنظيم داعش مقر مجلة "شارلي إبدو" الفرنسة حيث فقد عدد من زملائها حياتهم، في 7 يناير 2015، كانت زينب في المغرب. ولكن إقامتها لم تطل، فبعد الهجوم، عادت مباشرة إلى باريس لتساهم بتصميم العدد الأول من المجلة، الذي تلا الحادثة المؤلمة.

على الرغم من الخطر المحيط بها، ترفض زينب التخلي عن قضيتها ومبادئها، ما يحتم عليها العيش تحت حراسة مشددة، حفاظاً على حياتها، بعد سلسلة من التهديدات المستمرة.

تعتبر زينب بذلك المرأة الأكثر حماية في فرنسا اليوم، ولكنها لا تسمح لهذا اللقب بالحد من حياتها ونشاطها، فهي تتنقل باستمرار، إيماناً منها بأهمية مكافحة التطرّف الذي "يختبئ وراء راية الإسلام"، على حد قولها.

ترفض الكاتبة الفرنسية المغربية الكتابة باسم مستعار، فهي مقتنعة بأن عشرات الكتّاب والصحافيين الآخرين ينشرون آراءهم دون كلل أو ملل، مستخدمين هويتهم الحقيقية، ومن مسؤوليتها أن تقوم بالمثل.

من هي زينب الغزوي؟

بعد إنهائها دراستها في المرحلة الثانوية في المغرب، تخصصت زينب بدارسة "سوسيولوجيا الدين" في فرنسا، في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس، ثم عادت الى بلدها الأم لتعمل صحافية في "لو جورنال".

Zineb-El-Rhazoui_AFP

نشطت باستمرار للمطالبة بالمساواة والعلمانية، ونادت بحقوق مختلفة، منها حق المواطنين غير الراغبين في الصيام خلال شهر رمضان بتناول الطعام علناً.

ذلك المطلب كان السبب الأول الذي وضع اسم زينب على لائحة المكروهين، إذ صدرت بحقها فتوى، لا سيما بعد شروعها بدعم الربيع العربي عام 2011.

بعد اعتداء "شارلي إيبدو"، وعلى الرغم من مشاركتها في إصدار العدد الأول بعد الهجوم، وخلال أشهر قليلة من تدفق تبرعات بملايين الدولارات على الصحيفة، قررت زينب ومجموعة من زملائها مغادرة المجلة اعتراضاً على التغيّرات التي طالت سياستها التحريرية.

تشعر زينب بأنها تحمل إرث رفاقها في "شارلي إيبدو" وأنها مسؤولة عن متابعة رسالتهم.

أقوال جاهزة

شارك غرد"أعيش تحت حراسة شبه عسكرية، وهذه الحراسة حولت حياتي اليومية إلى سجن متحرك، لكنني إنسانة مرفوعة الرأس"

شارك غردالصحافية السابقة في "شارلي إيبدو" والمدافعة عن الحريات التي تعيش تحت حراسة مشددة نتيجة ما يصلها من تهديدات

التخلص من قيود المجتمع

اختيار دراسات سوسيولوجيا الأديان لم يكن صدفة. تقول زينب: "منذ سن المراهقة تشكلت لدي القناعة بأن الدين هو جوهر الأزمة الفكرية والاجتماعية التي تعيشها المجتمعات العربية، فما لا تقمعه الأنظمة السياسية من حريات، يُقمع باسم الدين. أضف إلى ذلك أنني ولدت أنثى في مجتمع ذكوري يقنن كل ما يحيط بالمرأة من قوانين بأحكام الإسلام”.

تشير زينب إلى أنه لم يكن أمامها إلا خياران: إما الاستسلام للأمر الواقع وقبول النفاق الاجتماعي السائد كقاعدة للحياة، أو التمرد على القمع السياسي والديني. تقول "كان خياري هو الثاني، مع وعيي بأنه يتطلب الكثير من الشجاعة والصبر من جهة وخوض مسيرة بحث ودراسة من جهة أخرى، كي أكون أهلاً للحرية المبنية على التنوير العقلاني والمعرفة العقلانية".

منذ ذلك الحين بات الدين محط اهتمامها لا كقاعدة تنظم حياتها بل كمجال معرفي يستدعي النقد الموضوعي والدراسة التاريخية لا الفقهية: "لقد كان لذلك بالطبع فائدة كبرى في أعمالي كصحفية وكاتبة تهتم بالمواضيع الدينية، وكأحد الأصوات العلمانية في العالم الإسلامي".

000_J46XZ

الحياة داخل سجن متحرك

تتنقل زينب باستمرار من بلد إلى آخر، وترافقها حماية مشددة على الدوام. فعند القيام ببحث بسيط على غوغل، نجد عدداً لا بأس به من المقابلات التي تصفها بـ"المثيرة للجدل”، بالإضافة إلى عدد من الفيديوهات التي تدعو إلى "الاقتصاص" منها.

كل ما تلا هجوم "شارلي إيبدو" لم يُعِق الصحافية بل دفعها للإكمال بإصرار أكثر. تقول زينب "صدقوا أو لا تصدقوا، فحياتي اليومية عادية جداً. نعم أنا أعيش تحت حراسة شبه عسكرية، وهذه الحراسة حولت حياتي اليومية إلى سجن متحرك، لكنني إنسانة مرفوعة الرأس فخورة بأن أدفع ثمن الدفاع عن قناعاتي، وأعتبر نفسي أكثر حرية من هؤلاء الذين يهددون حياتي، لأنهم، وإن كانوا طليقي السراح، فهم يحملون سجنهم داخل جماجمهم المملوءة بالمحرمات والحقد وعقيدة الموت، أما أنا فاؤمن بالحياة والمحبة".

بين حرية الرأي والتعبير وتوخي الحذر

مع تحول العالم اليوم إلى ساحة نزاعات رقمية، يناقش البعض باستمرار ضرورة اعتماد الرقابة الذاتية، ولكن لزينب رأياً مختلفاً: "لا أحترم شيئاً اسمه رقابة ذاتية، لكنني أؤمن أن حرية التعبير ينبغي أن تكون لها حدود قانونية، وهذا هو الحال بالفعل في معظم الدول الديموقراطية التي تعتبر ضامنة لحرية التعبير".

وتضيف: "لنأخذ على سبيل المثال فرنسا، وهي دولة ديموقراطية تحمي الحريات، فنحن كصحفيين فرنسيين نعمل تحت ظل قانون الصحافة الفرنسي الذي يجرم الخطاب العنصري أو التحريضي أو السب والقذف والتشهير وانتهاك الحياة الخاصة والتعريض بالقاصرين".

ماذا تقولين لداعشي؟ "سأطلب منه أن يخبرني بكل صراحة ما هي مشكلته مع الجنس، لأنني مقتنعة تماماً أن التطرف الديني لدى هؤلاء له ارتباط نفساني وطيد ببعض العقد الجنسية الدفينة"

تشدد زينب على أن السخرية وانتقاد الحكام والأفكار والأديان لا بد أن يكونا أمراً مباحاً. تقول "لقد احترمت كثيراً موقف الرسام الكاريكاتوري الجزائري علي ديلم من مسألة الرسوم التي تمثل نبي الإسلام، فهو أعرب عن دعمه التام لطاقم شارلي ايبدو في الجريمة الشنعاء التي تعرض لها، ولكنه أجاب بكل صراحة عندما سئل لماذا لا يرسم النبي هو شخصياً أنه ببساطة يعمل في الجزائر، وهي دولة تمنع ذلك قانوناً".

تشدد زينب على أن الصحفي المهني هو من يحترم القانون أولاً، ومن يناضل من أجل تغيير ذلك القانون إن كان جائراً.

اللقاء مع داعش: متى؟ أين؟ وماذا قد تقول لهم؟

تضحك زينب الغزوي عند سؤالها عن إمكانية لقاء "داعشي" وماذا قد تقول لشخص ينتمي لمجموعة تسببت بمقتل عدد من زملائها: "لقد أضحكني هذا السؤال لأنني أعتقد أنني لن أطلب شيئاً من داعشي سوى أن يحلق ذقنه ويأخذ حماماً ساخناً بالعطر والصابون، ثم أقترح عليه كأساً من النبيذ كي يخرج قليلاً من الغم الذي يعيش فيه، وإن كنت لا أزال على قيد الحياة بعد ذلك فسأطلب منه أن يخبرني بكل صراحة ما هي مشكلته مع الجنس، لأنني مقتنعة تماماً أن التطرف الديني لدى هؤلاء له ارتباط نفساني وطيد ببعض العقد الجنسية الدفينة".

لونا صفوان

لونا صفوان، صحافية لبنانية. عملت في عدد من المواقع الإلكترونية الناطقة باللغتين العربية والانكليزية على تغطيات أحداث الربيع العربي، الرقابة والحريات الصحافية.

كلمات مفتاحية
حرية التعبير داعش

التعليقات

المقال التالي