كيف يُقرأ تولي محمد بن سلمان منصب ولي العهد وما الذي ينتظر السعودية؟

كيف يُقرأ تولي محمد بن سلمان منصب ولي العهد وما الذي ينتظر السعودية؟

صدر الأمر الملكي.

هكذا انتقلت ولاية العهد من الأمير محمد بن نايف الذي "أُعفي من منصبه" لصالح نجل الملك الأمير محمد بن سلمان، بتصويت 31 عضواً من أصل 34 في هيئة البيعة اختاروا محمد بن سلمان ولياً للعهد في السعودية.

قيل إن بن نايف اختار طوعاً التنحي "لظروفه"، لكن ما جاء في تفاصيل البيان الملكي، وما سبق البيان من تسريبات وتحركات داخلية وإقليمية ودولية رجّح فرضية إلزام بن نايف بالتنحي لصالح بن سلمان الذي بدأ "يسطع نجمه" منذ استلام والده الحكم في العام 2015، وتعيينه وزيراً للدفاع.

في الأمر الملكي، الذي نشرته وكالة "واس" الرسمية، جرت الإشارة إلى "ما تقتضيه المصلحة العامة" من هذا التعديل.

كما برز "تعديل الفقرة ب من المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم" التي كانت على الشكل التالي "يكون الحكم في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء، ويبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم"، ليُضاف إليها "ولا يكون من بعد أبناء الملك المؤسس ملكاً وولياً للعهد من فرع واحد من ذرية الملك المؤسس".

وإلى جانب ولاية العهد، أُعفي بن نايف من منصب نائب رئيس مجلس الوزراء ومنصب وزير الداخلية ونال بن سلمان منصب نائب رئيس مجلس الوزراء مع بقائه على رأس وزارة الدفاع.

وانتشر مقطع مصور، يظهر مبايعة بن نايف لبن سلمان، بينما سُمع ولي العهد السابق يقول للجديد "الله يعينكم... موفقين". في وقت شغلت الطريقة التي صافح بها نجل الملك سلفه، والتي اعتبرها البعض مبالغة تخفي الكثير وراءها.

"انقلاب محمد سلمان"؟

تزامناً مع القرار الملكي، انشغل مغرّدون كثر بهاشتاغ #انقلاب_محمد_سلمان الذي حفل بتغريدات "مجتهد". وكان الأخير قد سرب خلال الأيام الماضية العديد من المعلومات عن التحضير لتغيير سعودي، كاشفاً تعبيد الطريق، وقريباً جداً، أمام محمد بن سلمان إلى قصر اليمامة، ملكاً.

إلى جانب بعض من احتفوا ببن سلمان، ربط آخرون القرار بما حصل في أزمة قطر مؤخراً، معبرين عن "شماتتهم" من انقلاب الخطط على أصحابها في السعودية.

ولفت البعض إلى أن منصب "ولي ولي العهد" الذي كان يشغله بن سلمان غاب عن التعديلات الملكية الجديدة، معتبرين أنه كان قد صنع خصيصاً لنجل الملك، فاختفى بعد تحقيق الغاية منه.

في المقابل، أشار مغردون إلى الدور الأمريكي/ الترامبي.

سيناريوهات التغيير الداخلية والخليجية

قبل حوالي العامين، صدر قرار بإلغاء ديوان ولي العهد وجرى إنشاء مركز للأمن القومي تحت إشراف الديوان الملكي، فيما نُقل الإشراف على القضاء من وزارة الداخلية إلى الملك. جرت قراءة تلك التعديلات حينها باعتبارها تعبيداً لطريق محمد بن سلمان، البالغ من العمر 31 عاماً، إلى قصر اليمامة.

ترافق ذلك مع سطوع نجم ولي ولي العهد آنذاك باعتباره وزيراً للدفاع يقود حرب السعودية في اليمن ويرسم خططاً واعدة في عالم الطاقة ومستقبل المملكة ما بعد النفط، ويحظى بحفاوة غربية واسعة.

أقوال جاهزة

شارك غردتعيين محمد بن سلمان ولياً للعهد في السعودية: فاتحة خير على المملكة؟

العوامل الداخلية - صراع الأجنحة السعودية - والعوامل الخليجية - الخلاف مع قطر والعلاقات مع الإمارات - والعوامل الدولية - وتحديداً الرضى الأمريكي - لعبت دوراً في رسم المشهد السعودي اليوم وجعله متوقعاً منذ مدة.

"في يناير العام 2015، لم يكن كثيرون خارج المملكة يعلمون أي شيء عن الأمير محمد الذي أصبح بعد أكثر من عامين من توليه منصب ولي ولي العهد القوة وراء عرش المملكة. وخلال العام المنصرم عزز الأمير محمد صورته العامة بإجراء مقابلات مع بعض وسائل الإعلام الغربية"، بحسب ما جاء في تقرير لوكالة رويترز.

ونقلت الوكالة عن الأستاذ في جامعة "برنستون" برنارد هيكل قوله إن القرار يهدف إلى تجنب صراع على السلطة بين بن سلمان ومحمد بن نايف و"إلى تأمين عملية انتقال سلسة من دون دماء. لقد كان هناك بعض الفوضى والتأويلات بشأن ما سيحدث، والآن باتت الأمور أوضح بشكل يخفف من المخاطر. ولم يعد هناك من شك حول هوية من سيتولى الحكم".

في حين رأت مجلة "فوربس" الأمريكية أن ما حدث اليوم من المحتمل أن يُدخل عائلة آل سعود  فترة "من عدم اليقين لم تشهدها العائلة المالكة منذ العام 1965 وعزل الملك سعود".

وعن العلاقات الخليجية، ربطت التحليلات القرار بقرب محمد بن نايف من العائلة الحاكمة في قطر، بينما كان تقرير لـ"معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى" للكاتب سيمون هندرسون قد تحدث عن نفور بين بن نايف وولي عهد أبو ظبي الذي يُعرف أن لديه تأثيراً كبيراً على محمد بن سلمان، وقد أتت أزمة قطر لتزيدهما قرباً.

وفي التقرير، الذي حمل عنوان "تعرف على الأميرين اللذين يعيدان تشكيل الشرق الأوسط"، تحدث هندرسون عن "الثنائي الديناميكي" الذي يضم الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد السعودي البالغ من العمر 31 عاماً، والشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، المشيخة الرائدة للإمارات العربية المتحدة، البالغ من العمر 56 عاماً.

وقال الباحث المتخصص بشؤون الخليج "هما لا يتشاركان الرغبة في شن معارك مزدوجة على إيران والتطرف الإسلامي فحسب، بل أيضاً في التقدير العميق لاعتماد دولتيهما المحافظتين في الخليج على الولايات المتحدة. وقام كلاهما بذكاء بتقريب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المتلهف لأن يظهر بأن لديه استراتيجية جديدة لهزيمة الإرهاب ومواجهة طهران".

… والأمريكية

في الجانب الأمريكي، كان بن نايف إلى مدة غير بعيدة مقرباً جداً من واشنطن باعتباره رأس حربة في "مكافحة الإرهاب"، بينما كان بن سلمان في الظل لا يعرفه الكثيرون. إلا أن زيارة ترامب الأخيرة للسعودية ولقائه ببن سلمان وزيارة الأخير لواشنطن قبل مدة أنبأت بالكثير عن المشهد السعودي القادم.

قصة صعود بن سلمان وأفكاره التي وصفتها الصحف الغربية بـ"الجريئة والمنفتحة" أفردت له مساحة واسعة على الساحة الأمريكية، التي يُعرف أن رضاها مرتبط بشكل وثيق بتاريخ الكرسي الملكي، في وقت أشار البعض إلى ما نشرته صحيفة "تايمز" البريطانية قبل عدة أيام عن اتصالات سعودية إسرائيلية، من دون أن ينفي طرفي الخبر صحته بشكل رسمي.

التحليلات تنقسم بين من يرى أن تعيين بن سلمان ولياً للعهد يجنب المملكة صراعاً متوقعاً بين أجنحة العائلة المالكة وبين من يرى فيه بداية النهاية

وفي ما نقلته الصحيفة، كشفت مصادر أمريكية وعربية أن العلاقات السعودية الإسرائيلية الرسمية ستبدأ بتطبيع اقتصادي يتمثل بخطوات محدودة نسبياً، كمنح رجال الأعمال الإسرائيليين حرية إنشاء المتاجر والمصانع في الخليج، أو السماح لطائرات شركة "العال" الإسرائيلية بالتحليق في المجال الجوي السعودي.

ووصفت الصحيفة أي تقدم من هذا القبيل باعتباره يعزز التحالف الأكثر إلحاحاً بين اثنين من أعداء إيران، في وقت نقلت عن مصادر وصفتها بالمقربة من السلطات السعودية نفيها للمعلومات على أساس أن "التقارب السعودي الإسرائيلي هي رغبات أمريكية ظهرت بعد زيارة الرئيس ترامب الأخيرة للرياض" فحسب.

في المحصلة، رأت الصحيفة أن الدور الأمريكي يتمثل في تعزيز هذا التقارب، والعمل على تغيير ديناميات الصراعات العديدة التي تزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط.

قصة صعود أمير مرشح ليصبح ملكاً

قبل العام 2015، كان بن سلمان، وهو أكبر أبناء الملك، قد بدأ حياته المهنية بالعمل الحر مؤسساً عدداً من الشركات التجارية، والعمل كمستشار متفرغ بهيئة الخبراء في مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية.

بعد ذلك شغل منصب مستشار أمير الرياض، ثم مستشاراً خاصاً للأمير سلمان بن عبدالعزيز، ومستشاراً ومشرفاً على المكتب الخاص والشؤون الخاصة لولي العهد، وذلك بعيد تولي الأمير سلمان ولاية العهد، حتى صدر أمر ملكي بتعيينه رئيساً لديوان ولي العهد.

في مرحلة لاحقة، صدر أمر ملكي بتعيينه مشرفاً عاماً على مكتب وزير الدفاع، ثم وزيراً للدولة عضواً في مجلس الوزراء.

وأتت وفاة الملك عبدالله، وتولي سلمان، والد الأمير محمد، زمام السلطة لتدفع باتجاه بدء المسار الفعلي لانخراط الأخير في الحكم.

يمسك بن سلمان اليوم السلطة الحقيقية في مملكة تعد الأقوى في العالم، وهذا ما جعل الدبلوماسيين الغربيين يلقبونه بـ"سيد كل شيء" Mr. Everything وهو في عمر الـ31

عند وصوله، أولى الملك ابنه سلطة غير مسبوقة على قطاع النفط وصندوق الاستثمار الوطني ورسم السياسات الاقتصادية ووزارة الدفاع.

بحسب شبكة "بلومبرغ"، في مقابلة مطولة التي أجرتها مع الأمير العام الماضي، يمسك بن سلمان اليوم "السلطة الحقيقية في مملكة تعد الأقوى في العالم، وهذا ما جعل الدبلوماسيين الغربيين يلقبونه بـ"سيد كل شيء" (Mr. Everything) وهو في عمر الـ31".

إلى جانب منصب وزير الدفاع، يرأس الأمير محمد كذلك مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية السعودي الذي يضم مجموعة من الوزراء يلتقون أسبوعياً للإشراف على جميع عناصر السياسة التي تمس الاقتصاد أو القضايا الاجتماعية مثل التعليم والصحة والإسكان.

ويرأس المجلس الأعلى لشركة "أرامكو"، بعد أن أصبح أول فرد من العائلة الحاكمة يشرف مباشرة على الشركة المملوكة للدولة.

الرؤية الاقتصادية والاجتماعية

يُعرف عن بن سلمان أنه صاحب "رؤية 2030" التي تهدف إلى تحرير اقتصاد المملكة من اعتماده على عائدات النفط إلى الاعتماد على استثمارات غير نفطية، بالإضافة إلى تغييرات اجتماعية واقتصادية.

وكان سلمان قد تحدّث عن هذه الرؤية في مقابلته مع "بلومبرغ" وكشف خططه لخفض ميزانية المملكة بنسبة 25%، وتطوير ضريبة القيمة المضافة والرسوم الأخرى، بالإضافة إلى عمل المرأة ومعدل البطالة وغيرها.

وشرح كيف ساهم في تراجع معدل استنزاف الاحتياطات النقدية للسعودية التي كانت قد بلغت 30 مليار دولار شهرياً خلال النصف الأول من العام 2015، في وقت قد حظيت "رؤيته" بموافقة مجلس الوزراء السعودي.

وقد قالت الشبكة حينها إنه يعمل بمعدل 16 ساعة يومياً، وإنه يستلهم كتابات رئيس الوزراء البريطاني السابق وينستون تشرتشل، والجنرال العسكري والفيلسوف الصيني "سون دسو" في كتابه "فن الحرب".

في المحصلة، يشكل وصول محمد بن سلمان إلى ولاية العهد البداية الفعلية لانتقال الحكم في السعودية من جيل أبناء المؤسس إلى جيل الأحفاد، أما ما تحمله الأيام المقبلة فرهن بالتطورات الداخلية والإقليمية والعالمية، وتبقى التحليلات منقسمة بين من رأى بوصول سلمان فاتحة خير للسعودية جنبت المملكة صراعاً متوقعاً بين أجنحة العائلة المالكة وبين من رأى فيه بداية النهاية.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
السعودية

التعليقات

المقال التالي