وأخيراً اتفقت القوى اللبنانية على قانون جديد للانتخابات… كل ما تحتاجون معرفته

وأخيراً اتفقت القوى اللبنانية على قانون جديد للانتخابات… كل ما تحتاجون معرفته

بعد خلاف امتدّ لأكثر من ست سنوات حول طبيعة وتفاصيل القانون الانتخابي، شهد لبنان خلالها تمديدين للمجلس النيابي، توافقت القوى السياسية الأساسيّة على قانون جديد يُنتظر إقراره في الجلسة المقبلة للمجلس النيابي.

وإذا كان الخلاف اللبناني على القوانين الانتخابية يعود إلى نحو عشرِ سنوات، وإذا استثنينا التمديد القصري لمجلس العام 2004 لمدة سنة، لم يحدث أن مدّد لبنان لمجلسه النيابي أكثر من أربع سنوات إلا خلال الحرب الأهليّة 1975-1989.

وعليه، في الإمكان القول إنّ ولادة القانون الجديد كانت "قيصريّة"، إذ أتت بعد تنازلات عديدة.

تشبث القوى السياسية بمطالبها كاد يطيح التوافق على القانون وبالتالي ذهاب لبنان إلى فراغ في السلطة التشريعية هذه المرّة، لا سيما أن ولاية المجلس الحالي ستنهي في الـ20 من حزيران الجاري، وكان من المستحيل الإقدام على تمديد ثالث في ظل الظروف السياسية الراهنة.

وهكذا يختبر لبنان للمرة الأولى النظام النسبي ولو بدوائر صغيرة، بعدما بدّل قانونه الانتخابي مرات عدة منذ تأسيس الجمهورية معتمداً الأنظمة الأكثرية.

فهل تنجح النسبيّة اللبنانية في ظل وجود تقاسم مسبق للمقاعد النيابية بين الطوائف؟

ماهيّة القانون الجديد

بحسب المادة الأولى من القانون، سينتقل لبنان إلى اعتماد النظام النسبي لتوزيع المقاعد على القوى السياسية المختلفة. وقد حدّدت المادة 98 كيفيّة توزيع المقاعد على اللوائح التي عليها تجاوز عتبة الحسم (النسبة الأدنى من الأصوات التي على اللائحة الحصول عليها) المحدّدة بالحاصل الانتخابي (مجموع المقترعين في الدائرة مقسوماً على عدد المقاعد النيابيّة).

أما بحسب المادة الثانية فقد قُسّم لبنان إلى 15 دائرة انتخابية. وقد أتت هذه التقسيمات لتُراعي القوى السياسية والطوائف التي تمثّلها.

وعلى عكس القانون السابق الذي عُرف "بقانون الستين" (كونه يعود للعام 1960) أتى القانون الجديد ليرفع نسبة تمثيل القوى المسيحية المنتخبة بأصوات المسيحيين وفقاً لما تقتضيه التحالفات.

فبينما كان "الستين" يُعطي القوى المسيحية المختلفة قدرة السيطرة على نحو 47 مقعداً من أصل المقاعد الـ128 للمجلس النيابي الحالي عبر تحالفاتها المختلفة مع القوى الأخرى غير المسيحية، أتى قانون الـ15 دائرة ليوسع نفوذ وسيطرة القوى المسيحية على المقاعد. وبات في إمكانها السيطرة على نحو 55 مقعداً.

وقد اعتُبر هذا الأمر تنازلاً من بعض القوى التي تمثل الطوائف الإسلامية عملاً بمبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، كما جاء في اتفاق الطائف عام 1989.

أقوال جاهزة

شارك غردالخاسرون والمستفيدون من القانون الانتخابي اللبناني الجديد... ماذا تغير عن القانون السابق بالتفاصيل؟

إيجابيات القانون

لعلّ أبرز إيجابيات القانون الجديد أنه يعتمد النسبيّة كنظام إنتخابي لأول مرة في لبنان. كما يسجّل للقانون الحفاظ على بعض الإصلاحات الانتخابية السابقة مثل تشكيل "هيئة للإشراف على الحملات الانتخابية"، لكن غير مستقلة.

هذا فضلاً عن اعتماد قسائم اقتراع رسمية ومطبوعة سلفاً من قبل وزارة الداخلية، وذلك خلافاً لما كان معمولاً به في السابق، إذ كانت الأحزاب السياسية تطبع لوائحها الخاصة وتوزعها على الناخبين، الأمر الذي كان يضرّ في حرّية وسرّية الاقتراع.

لكن النسبيّة كما حدّد أسُسَها القانون، لا ترتقي إلى مصاف الأنظمة النسبيّة المعتمدة عالمياً لتأمين عدالة التمثيل وتمثيل الأقليّات السياسيّة.

سلبيات وإيجابيات القانون الانتخابي اللبناني الجديد. هل كان يستحق 6 سنوات من الانتظار وتمديدين للمجلس النيابي؟

كما يسجّل للقانون أنه رفع بعض "الغبن" عن المسيحيين عبر رفع مستوى تأثير "الصوت المسيحي" على معظم المقاعد المخصّصة للطوائف المسيحيّة وهي 64 مقعداً، عملاً بمبدأ المناصفة كما نصّ اتفاق الطائف.

فإعادة تقسيم لبنان إلى دوائر انتخابية عدة مع مراعاة التوزّع الجغرافي للمسيحيين في لبنان واعتماد النسبية، رفع قدرة تأثير الصوت المسيحي، وهذا ما سرّع عمليّة التوافق على القانون وإقراره في مجلس الوزراء.

فقد شهدت الساحة اللبنانية في السنوات الأخيرة خطاباً سياسياً حاداً من قبل بعض القوى المسيحيّة التي اتهمت المسلمين بالسيطرة على حصص المسيحيين من المقاعد النيابية. وبمعزل عن أحقية أم عدم أحقية المطالب المسيحية، كاد الخطاب الطائفي يُعيد لبنان إلى مرحلة ما قبل العام 1975 واندلاع الحرب الأهلية.

سلبيّات القانون

شيطان "النسبيّة" في لبنان يكمن في التفاصيل. فالشروط الموضوعة على النسبيّة أو كما يحلو للبنانيّين تسميتها، "الضوابط"، ستؤدي إلى نتائج انتخابية شبيهة بالنظام الأكثري.

فقد أقرّ القانون عتبة حسم توازي الحاصل الانتخابي كي تتأهّل اللوائح إلى مرحلة تقاسم المقاعد، وهي عتبة مرتفعة جداً كونها تراوح بين 8 و20% استناداً إلى عدد المقاعد في كل دائرة. ما يعني أن النسبيّة هنا ستؤدي إلى إقصاء الأقليّات في بعض الدوائر.

هل تنجح النسبيّة اللبنانية أم ستؤدي الشروط الموضوعة عليها إلى نتائج انتخابية شبيهة بنتائج النظام الأكثري؟

كذلك تمّ احتساب الصوت التفضيلي (صوت يمنحه الناخب لمرشّح معيّن على اللائحة) على مستوى القضاء لا على مستوى الدائرة الانتخابية، وهو أيضاً بمثابة عتبة ثانية على المرشح تجاوزها للفوز. لذا تحتاج اللائحة إلى تجاوز عتبة الحاصل الانتخابي أوّلاً، وعلى المرشّح في اللائحة المتأهّلة تجاوز نسبة الصوت التفضيلي كي يفوز ثانياً.

ومن ثم بالإمكان القول إنّه نظام هجين، بمعنى أنّه نسبي فقط في عملية اقتراع الناخبين واحتساب الأصوات، لكنه أكثري في طريقة توزيع المقاعد على اللوائح، سواء لناحية عتبة الحسم أو لآلية احتساب الصوت التفضيلي.

فبعد إجراء "محاكاة" عديدة لدوائر مختلفة، تبيّن أنه حتى لو تمكّنت لائحة معيّنة منافسة من تجاوز عتبة الحسم، وبالتالي الفوز أقلّه بمقعد، فستُحرم هذه اللائحة منه في آلية احتساب الصوت التفضيلي، إذ على المرشح الحصول على نسبة معينة من الصوت التفضيلي والتي ستُحتسب عبر قسمة أصواته التفضيلية على مجموع الأصوات التفضيليّة في الدائرة. وبالتالي سيؤدي هذا إلى اكتساح الأكثريّات للمقاعد في معظم الدوائر.

عيوب القانون في الصوت التفضيلي لا تقتصر على إقصاء الأقليات بل ستؤدّي إلى خلافات ضمن اللائحة الواحدة بسبب وجود الكوتا الطائفيّة في المقاعد. إذ ستلجأ القوى السياسيّة ضمن التحالف الواحد إلى منح أصواتها التفضيليّة بطريقة معيّنة لتجعل مرشحيها على رأس اللائحة. ما يعني أن منح الصوت التفضيلي ضمن اللائحة عليه أن يقوم على توازنات وتوافقات مسبقة بين الحلفاء، وهذا ليس بالأمر اليسير.

ومن عيوب الصوت التفضيلي إنه يحوّل عمليّة التصويت للوائح والتحالف السياسي إلى التصويت للأفراد. وهذا سيجعل القوى السياسيّة تميل إلى ترشيح زعامات تملك قدرة على تجيير الأصوات وأفراد يملكون "المفاتيح الانتخابية". وسينعكس هذا على الحياة الحزبية في لبنان في حال الاستمرار في اعتماد هذا النوع من الأنظمة الانتخابية.

وبما أن الانتخابات ستُخاض على مبدأ ترشيح الأفراد الأقوياء والزعامات المحلية فهذا سيؤدي إلى المزيد من الفساد والرشوة الانتخابية المتمثلة بـ"العطاءات" التي تقدّمها الزعامات لناخبي الدائرة الانتخابية.

من جهة أخرى، لم يتقدّم الساسة اللبنانيون في عملية الإصلاح الانتخابي لتمثيل الشباب والمرأة. فقد أتى القانون مخيباً لآمال البعض، إذ على عكس العديد من الدول العربية لم تقرّ الكوتا النسائية سواء على لوائح الترشيح أو عبر حجز مقاعد مسبقة في البرلمان. كما لم يقرّ مبدأ خفض سن الترشح والاقتراع، وبالتالي سيبقى الشباب دون الـ21 سنة محرومين من حق الاقتراع، والشباب ما دون الـ25 سنة من حق الترشّح للمجلس النيابي.

قانون الحد الأدنى

بشكل عام أتى هذا القانون التوافقي لحلّ جزء من معضلة تمثيل المسيحيين على حساب القوى الأخرى، لكنه عملياً يرفع حصص القوى المسيحية الكبيرة فقط ("القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر") على حساب "تيّار المستقبل" (السنّي) بشكل أساسي وعلى حساب الأقليات المسيحيّة المتمثّلة حالياً بما يعرف بـ"المستقلين" في 14 آذار سابقاً.

أما الثنائي الشيعي ("حزب الله" و"حركة أمل") فسيحافظ على مقاعده الحاليّة وقد يتمكن من رفعها بشكل طفيف، وهذا سيأتي على حساب بعض قوى اليسار في الجنوب اللبناني مثلاً، الذي كان سيتمكّن من الفوز بنحو ثلاثة مقاعد في ما لو اعتمدت النسبية بدون الضوابط الآنفة الذكر.

وعلى مستوى الطائفة الدرزية، سيتمكّن "الحزب التقدمي الاشتراكي" من الحفاظ على مقاعده الحالية أو يتعرّض ربما لخسارة طفيفة. إذ تمّ إرضاء زعيم الحزب وليد جنبلاط عبر جعل قضاءي الشوف وعاليه دائرة انتخابية واحدة، حيث معاقله الدرزية.

قد تنجح النسبية في تمثيل بعض القوى السياسية المعارضة غير المتمثّلة في البرلمان وبعض الزعامات المسيحية المناهضة للثنائي المسيحي ("القوات" و"التيار الوطني الحر") وبعض الزعامات "السنّية" المناهضة لـ"تيار المستقبل"، لكن إذا لم يعاد التفكير ببعض بنود القانون فقد تشهد دوائر عدة خلافات ونزاعات حول النتائج، لا سيّما أن القانون قد يتعرّض لتفسيرات وتأويلات عدة.

وليد حسين

كاتب وباحث لبناني متخصص، تتناول كتابته الشؤون الانتخابية والسياسية. حائز على شهادة ماجستير من جامعة تريستي في إيطاليا في علوم الحكم والسياسات العامة، وعمل كمنسق للحملة المدنية للإصلاح الانتخابي.

كلمات مفتاحية
الإنتخابات لبنان

التعليقات

المقال التالي