كيف ستدفع قطر ثمن الحصار عليها في البحر والبر والجو؟

كيف ستدفع قطر ثمن الحصار عليها في البحر والبر والجو؟

"زلزال دبلوماسي" استيقظت عليه قطر بعدما أعلنت البحرين وبعدها المملكة السعودية ثم الإمارات ومصر واليمن قطع العلاقات معها.

حمل صباح الخامس من يونيو معه ملامح أزمة خليجية لا تشبه ما سبقها من أزمات دبلوماسية مع الإمارة الصغيرة، والتي كان آخرها في العام 2014 عندما استدعت كل من السعودية والإمارات والبحرين سفراءها من هناك على خلفية دعم قطر لنظام الرئيس المعزول محمد مرسي.

حُلّت الأزمة لاحقاً، وعاد السفراء بعد ثمانية أشهر لممارسة مهامهم، فيما قامت قطر بترحيل عدد من قيادات "الإخوان المسلمين".

لا يمكن القول إن معالم التوتر الخليجي، لا سيما بين قطر والسعودية، قد اختفت يوماً لكنها بقيت مضبوطة تحت شعار وحدة الصف الخليجي، تتفاقم حيناً وتخمد حيناً آخر، وفق مقتضيات المرحلة.

 

ولكن مع القرارات الأخيرة، التي بدا أنها منسقة تماماً، ظهر التوتر بوجه غير مسبوق وخطر. فما أبرز ما تحمله تلك الخطوة وكيف تهدد قطر؟ وما انعكاساتها المستقبلية المحتملة على الإمارة وكذلك على دول الخليج ومصر؟

كيف فسرت الدول قطع علاقاتها مع قطر؟

اجتمعت الدول على اتهام قطر بدعم الإرهاب وتهديد أمنها القومي، وقد جاءت تلك الاتهامات بعد زيارة قام بها مؤخراً الرئيس الأمريكي إلى الرياض، وحضوره القمة مؤكداً على رسائل مماثلة في مكافحة الإرهاب.

1- البحرين

في البداية، أصدرت السلطات البحرينية بياناً تعلن فيه قطع العلاقات "حفاظا على أمنها الوطني"، وسحب البعثة الدبلوماسية البحرينية من الدوحة وإمهال جميع أفراد البعثة الدبلوماسية القطرية 48 ساعة لمغادرة البلاد مع استكمال تطبيق الإجراءات اللازمة.

وأعلنت البحرين إغلاق الأجواء أمام حركة الطيران وإقفال الموانئ والمياه الإقليمية أمام الملاحة من وإلى قطر، وذلك خلال 24 ساعة من إعلان البيان.

تزامن ذلك مع منع مواطنيها من السفر إلى قطر أو الإقامة فيها، وكذلك الحال بالنسبة لمنع المواطنين القطريين من الدخول إلى أراضيها أو المرور، فيما مُنح المقيمون والزائرون مهلة 14 يوماً للمغادرة.

2- السعودية

بعد حملة إعلامية سعودية غير مسبوقة على قطر، أعلنت السعودية "انطلاقاً من ممارسة حقوقها السيادية التي كفلها القانون الدولي، وحماية لأمنها الوطني من مخاطر الإرهاب والتطرف" قطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية مع قطر، كما قررت إغلاق كافة المنافذ البرية والبحرية والجوية، ومنع العبور في الأراضي والأجواء والمياه الإقليمية السعودية.

وبررت المملكة "قرارها الحاسم" بأنه "نتيجة للانتهاكات الجسيمة التي تمارسها السلطات في الدوحة، سراً وعلناً، طوال السنوات الماضية بهدف شق الصف الداخلي السعودي، والتحريض للخروج على الدولة، والمساس بسيادتها، واحتضان جماعات إرهابية وطائفية منها جماعة الإخوان المسلمين وداعش والقاعدة ودعم نشاطات الجماعات الإرهابية المدعومة من إيران في محافظة القطيف من المملكة العربية السعودية".

إضافة إلى ما سبق، يمكن الإشارة كذلك إلى تفصيل في هذا الصراع، كان نشره الكاتب الصحافي عبد الباري عطوان قبل أيام يشرح فيه لماذا دخل الخلاف القطري السعودي مناطق محرمة، ويقول نقلاً عن مصادر خاصة إن ما أزعج الحكومة السعودية هو نجاح قطر في تحقيق اختراق سياسي كبير في السعودية وبحرفية عالية عبر إقامة قنوات اتصال قوية مع عشائر آل تميم في نجد ومنطقة الاشيقر خاصة، وبناء مساجد وجامعات لأبنائها في المنطقة، وتقديم دعم مالي قطري لشيوخها…

أقوال جاهزة

شارك غرديهدد القرار حركة مئات الطائرات والشاحنات وتأمين الغذاء للقطريين ومستقبل آلاف العاملين، كما كأس العالم

شارك غردلا يمكن توقع حجم الثمن الذي ستدفعه قطر، لكن الأكيد أن هيبة الإمارة الصغيرة قد تعرضت لضربة قاسية

3- مصر

لا يخفى أن النظام المصري كان يشعر بانزعاج شديد من قطر، لا سيما على خلفية دعم النظام القطري (وقناة الجزيرة التابعة له) للرئيس المعزول محمد مرسي ولجماعة الإخوان عموماً.

لم تكن الأمور قد وصلت إلى تلك الدرجة من الاتهامات المباشرة، لكن يبدو أن زيارة وزير الخارجية عادل الجبير إلى مصر بعد غياب طويل (وتوتر بشأن جزيرتي تيران وصنافير) قد فتح المجال أمام مصر لـ"تشفي غليلها" قطرياً.

هكذا ذكرت وزارة الخارجية المصرية في بيان أن "الحكومة المصرية قررت قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر في ظل إصرار الحكم القطري على اتخاذ مسلك معاد لمصر، وفشل كافة المحاولات لإثناءه عن دعم التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم الإخوان الإرهابي، وإيواء قياداته الصادر بحقهم أحكام قضائية في عمليات إرهابية استهدفت أمن وسلامة مصر، فضلاً عن إصرار قطر على التدخل في الشؤون الداخلية لمصر ودول المنطقة بصورة تهدد الأمن القومي العربي".

لم يورد البيان أي تفصيل يتعلق بالمواطنين القطريين والمصريين المتواجدين في البلدين.

4- الإمارات

بدورها أعلنت الإمارات إغلاق كافة المنافذ البحرية والجوية أمام الحركة القادمة والمغادرة إلى قطر خلال 24 ساعة.

وجاء في البيان إن "الإمارات، تقرر قطع العلاقات مع قطر، بما فيها العلاقات الدبلوماسية وإمهال البعثة الدبلوماسية القطرية 48 ساعة لمغادرة البلاد"، إضافة إلى قرار منع دخول وعبور المواطنين القطريين إلى الدولة ومنع المواطنين الإماراتيين من السفر إلى دولة قطر والإقامة فيها والمرور عبرها".

كما عبرت الحكومة اليمنية عن استيائها من "ممارسات قطر بالتعامل مع ميليشيات الحوثيين الانقلابية ودعم الجماعات المتشددة"، في وقت أعلنت السعودية والبحرين إنهاء مشاركة القطريين في قوات التحالف العربي في اليمن.

ولكن لماذا؟

تعليقاً على التطورات، رأى محللون أن الإمارات هي الرابح الأكبر من هذا التطور، وأنها إلى جانب السعودية، مدعومتين من الولايات المتحدة، يمكنهما الحفاظ على وحدة الصف الخليجي.

في المقابل، فسر آخرون أن القرار مرتبط بتصريحات ترامب من الرياض حيث وضع محاربة التنظيمات الإرهابية فى المنطقة وتجفيف منابع تمويل الإرهاب على رأس أهدافه، وقد تم التلويح بضرورة احتواء قطر التي اتهمت بدعم الإرهاب. ولم تكن تصريحات أميرها سوى القشة التي فجرت الأزمة.

من جهته، رأى الباحث بيتر سلاغلت في حديثه مع "سي أن بي سي" أن الولايات المتحدة لا يمكنها التراجع عن اتفاقها النووي مع إيران، لذلك تعمد إلى الوسيط الخليجي والمصري لاحتواء الدول التي يمكن أن تتعامل مع إيران.

وكان العديد من الخبراء قد حذروا ترامب قبيل زيارته الرياض من ضرورة وضع قطر كأولوية على جدول أعماله، لما تستخدمه من "قوة ناعمة" في "دعم الإرهاب" وتسويق نفسها كوسيط، ومحاولة التمايز خليجياً في موقفها من إيران فضلاً عن علاقاتها التجارية مع الأخيرة.

القاعدة العسكرية الأمريكية

ثمة نظريتين في ما يتعلق بالدور الأمريكي في قرار محاصرة قطر تحدث عنهما الباحث في معهد العلاقات الخارجية غايل ليمون، وهما إما أن السعودية شعرت بجرأة كبيرة بعد زيارة ترامب وموقفه القوي من إيران وداعميها، وإما أن التوترات السابقة كانت تنتظر حصول حدث شبيه بتصريحات الأمير لتنفجر.

وفي حين اعتبرت "الغارديان" أن خطوة مماثلة لا يمكن أن تتم من دون إخطار الإدارة الأمريكية مسبقاً، إلا أنها استبعدت أن يكون ترامب قد أوعز باللجوء إلى مثل هذا القرار الجذري.

وسط ذلك، توجهت الأنظار إلى قاعدة العديد الأمريكية في قطر، والتي تعد القاعدة العسكرية الأمريكية الأكبر في الشرق الأوسط، ومستقبلها، في وقت رأى وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون أن الخلافات الخليجية لن تؤثر على محاربة الإرهاب، وإن كان دعا إلى حلها.

وتساءلت "نيويورك تايمز" حول مستقبل التنسيق الأمريكي. فعلى سبيل المثال، تقع قيادة الحرب الجوية التي تتوالاها الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في قطر، كما تستضيف قطر المقر الرئيسي للقيادة المركزية للولايات المتحدة التي تشرف على جميع العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان والشرق الأوسط.

واشنطن لا يمكنها التراجع عن اتفاقها النووي مع إيران فتعمد إلى الوسيط الخليجي والمصري لاحتوائها

وبينما تستضيف البحرين الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية وتوفر الإمارات العربية المتحدة قواعد جوية يستخدمها التحالف بقيادة الولايات المتحدة، كيف سيكون عليه الحال إذا لم تعد هذه الحكومات تسمح لممثليها العسكريين زيارة قيادة الحرب الجوية في قطر؟

وتطرقت الصحيفة للمشكلات الاقتصادية المتمثلة بالشركات متعددة الجنسيات، والتي أصبح غير ممكن لمديريها التنفيذيين الدوليين التنقل من قطر وإليها للقيام بأعمال تجارية.

ماذا عن المواطنين والتجارة وكأس العالم؟

1- النقل

قبل عام تحديداً، اتفقت كل من قطر والمملكة العربية السعودية على زيادة عدد الرحلات بين البلدين وفتح الأجواء بين الدوحة وكل من المدينة المنورة والطائف لتشغيل أكبر عدد من الرحلات.

وتوصل الجانبان إلى اتفاق تضمن زيادة عدد الرحلات بين الدوحة وكل من جدة والرياض والدمام لتصل إلى 91 رحلة أسبوعياً.

وبحسب "سكاي نيوز"، ستتوقف نتيجة القرار على سبيل المثال 19 رحلة يومية من مطار دبي الدولي، و6 من مطار أبوظبي، و5 من المنامة، و3 إلى 5 من جدة و4 من الرياض.

إضافة إلى الإزعاج الذي سيسببه القرار للمسافرين الذين يقصدون قطر أو يعبرون بها "ترانزيت"، وأزمة بطاقات السفر المحجوزة مسبقاً، فهو سيكلف ساعات طيران إضافية، وذلك سيفقد قطر دور مطارها الذي رسخته في المرحلة الماضية كمحطة مركزية للطيران في المنطقة وحول العالم.

بحسب "بي بي سي"، فإن الرحلة إلى أوروبا التي كانت تستغرق ست ساعات ستصبح مدتها الآن تسع ساعات، وهذا ما سيفقد المسافرين الرغبة بالعبور من قطر. ويُذكر هنا أن مطار الدوحة كان قد استقبل 37.3 مليون مسافر في العام 2016، بزيادة نحو 7 ملايين مسافر عن العام 2015.

كما من شأن إقفال المعابر الحدودية تعطيل الكثير من المصالح القطرية مع الجارة السعودية ومع دول الخليج العربية التي ينفذ القطريون إليها من خلال السعودية، سواء كان ذلك بشكل فردي أو تجاري. يُذكر هنا مثالاً أن معبر أبو سمرة الحدودي بين البلدين كان قد استقبل أكثر من 326 ألف زائر في فترة أقل من شهر مطلع العام الحالي. كما يشهد المعبر يومياً مرور ما بين 600 و800 شاحنة.

2- العمالة

إضافة إلى ما تخلقه الأزمة على الصعيد التجاري بين الدول لصعوبة تنقل أصحاب الشركات والمصالح، تشير "بي بي سي" إلى أن المشكلة الأساسية تتمثل في حال لجأت مصر إلى إجراءات مماثلة بضرورة المغادرة، أو لجأت قطر لذلك في ما يخص المصريين. وتشير التقارير إلى تواجد حوالي 200 ألف مصري في قطر يعملون في مجالات الهندسة والطب والقانون والبناء.

3- كأس العالم

تزايدت المخاوف كذلك بشأن قدرة قطر على تلبية التزاماتها باستضافة كأس العالم بعد قرارات التضييق المستجدة.

بحسب ما نقلت وكالة "رويترز" عن الباحث في الشأن الخليجي كريستيان أولريخسن فإن "إغلاق الحدود الجوية والبرية أمام قطر، وفي حال استمر طويلاً، سيؤثر على قدرة الإمارة الوفاء بالتزاماتها بشأن استضافة كأس العالم في العام 2022".

وتستمر أعمال بناء ميناء جديد ومنطقة طبية ومشروع مترو وثمانية ملاعب لكأس العالم من ضمن مشاريع البناء الرئيسية الجارية في قطر، بينما يجري تأمين جزء من المواد الرئيسية من الجارة السعودية. ومع الواقع الجديد، إضافة إلى ارتفاع الأسعار، يشكل نقص المواد تهديداً لقطاع البناء في قطر.

4- الغذاء

يشكل الأمن الغذائي أولوية في بلد صحراوي كقطر، بينما تعتمد الأخيرة في ذلك على حدودها البرية الوحيدة التي تجمعها بالسعودية، إذ تعبر الحدود مئات الشاحنات يومياً، والتي تشكل محتوياتها 40% من الغذاء القطري، حسب المحللين.

وبما أن هذه الحدود قد أغلقت، فستلجأ قطر إلى البحر والجو ما سيرفع تكلفة الغذاء بشكل كبير، ويؤثر على القطريين العاديين الذين سيبدأون بالتململ من نظام الحكم، كما يشير الباحث غانم نسيبة لـ"بي بي سي".

في وقت نددت قطر بكل "القرارات المجحفة" بينما دعت إيران بدورها إلى التهدئة الخليجية، لا يمكن توقع حجم الثمن الذي ستدفعه قطر ونظامها في هذا الإطار.

قد لا تظهر ملامح الأزمة قريباً، فقد تحدثت التقارير عن إمكانية صمود صندوقها السيادي في تلبية الاحتياجات الداخلية لفترة، لكن الأكيد بحسب المحللين أن هيبة الإمارة الصغيرة قد تعرضت لضربة قاسية.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي