ترامب في السعودية: ماذا يريد الأمريكيون من المملكة؟ وماذا تريد المملكة؟

ترامب في السعودية: ماذا يريد الأمريكيون من المملكة؟ وماذا تريد المملكة؟

"السعودية لا تعامل الولايات المتحدة بعدالة لأن واشنطن تخسر كماً هائلاً من المال للدفاع عن المملكة". هذا أحد التصريحات التي خرجت عن لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تقييمه لعلاقة بلاده مع المملكة الخليجية الغنية بالنفط، وهو واحد من تصريحات كثيرة دعا فيها إلى تحمل السعودية تكلفة دفاع أميركا عنها.

خلال حملته الرئاسية، أطلق ترامب تصريحات كثيرة أثارت خوف السعودية. ولكن عقلية "التاجر" التي تسيطر على الرئيس الأمريكي دفعته إلى إعادة النظر في مواقفه المعلنة سابقاً حيال المملكة، وهو ما تجسد في اختيار السعودية كمحطة أولى لزياراته الخارجية، في وقت كانت آراء كثيرة تتوقع صداماً بين البلدين.

زيارة ترامب للسعودية ولقاؤه ببعض الزعماء والقادة العرب والمسلمين يدفع إلى التساؤل حول الأهداف التي تسعى الإدارة الأمريكية الجديدة إلى تحقيقها. وفي المقابل فإن انفتاح الرياض على واشنطن مع أول مغازلة لها يدفع إلى التساؤل أيضاً: ماذا يريد السعوديون من أمريكا؟

ماذا تريد أمريكا من السعودية؟

حزمة من الأهداف تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحقيقها من خلال إعادة النظر في علاقتها بالمملكة العربية السعودية، ويمكن تحديد أبرزها في خمسة محاور:

أولاً: زيادة الاستثمارات

"بهدف بدء إعادة إعمار البلاد، سأطلب من الكونغرس الموافقة على قانون سيطلق استثمارات بقيمة تريليون دولار في البنية التحتية في الولايات المتحدة، سيتم تمويلها بفضل رؤوس أموال من القطاعين العام والخاص، وهو ما سيخلق ملايين الوظائف"، قال ترامب في خطاب له أمام الكونغرس الأمريكي في الثامن والعشرين من فبراير الماضي.

ضخ استثمارات ضخمة من أجل تطوير البنى التحتية في البلاد، بهدف خلق ملايين الوظائف وهو الهدف الذي استقطب به ترامب ملايين الناخبين الذين يعانون من ندرة الوظائف في ولاياتهم، يحتاج، عدا الكونغرس، إلى عمل خاص يقوم به الرئيس الأمريكي.

وهنا يأتي دور المملكة. يقول الإعلامي السعودي تركي الشلهوب، في حديث لرصيف22، "إن الخليج عامة والسعودية على وجه الخصوص ستكون المورد الذي يعتمد عليه ترامب لتوفير المال". وبرأيه، هذا الهدف يتصدر جدول أعمال وقائمة أولويات زيارته المرتقبة إلى السعودية.

وذكّر الشلهوب بأن السعودية ستخصص 40 ملياراً آخرى في صورة استثمارات سعودية في مشروعات البنية التحتية داخل أمريكا. كما أشار إلى توقيع صفقة أسلحة بقيمة 100 مليار دولار، فضلاً عن 200 مليار أخرى لصفقات ستتم خلال السنوات العشر القادمة، وهو ما يوفر للخزينة الأميركية مبلغاً كبيراً من المال، عدا ما يمكن أن يحصل عليه ترامب من الإمارات ودول الخليج الأخرى.

وكان موقع بلومبرغ قد أشار إلى أن صندوق الثروة السيادية في السعودية سيعلن عن خطط لاستثمارات تصل قيمتها إلى 40 مليار دولار في البنية التحتية الأمريكية، بالتزامن مع زيارة ترامب للسعودية.

ثانياً: إحياء الدور الأمريكي شرق أوسطياً

غياب الدور الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط خلال العامين الماضيين أثار غضب واستفزاز الإدارة الحالية التي تعهدت بأن تعيد أمريكا عظيمة مرة أخرى، خاصة بعد تمدد نفوذ روسيا وحلفائها، وهو ما دفعها لمحاولة التواجد مجدداً.

لكن ظل الباب الذي تتركز عليه واشنطن هو المعضلة أمام البيت الأبيض، فضلاً عن الكلفة الباهظة لهذا التواجد الذي لا تقدر عليها أمريكا حالياً.

وبحسب الإعلامي السعودي، فإن الإدارة الأمريكية الجديدة وجدت في السعودية هذا الباب من خلال تحميلها أعباء التدخل الأمريكي في بعض الأزمات ومنها الأزمة السورية ومحاربة الإرهاب.

ثالثاً: إنعاش صناعة السلاح

تعد صناعة السلاح من أكثر القطاعات النشطة في أمريكا، إذ تمتلك وحدها سبع شركات ضمن أكبر عشر شركات تتحكم في سوق صناعة السلاح في العالم.

الدكتور زكريا سالم، خبير مكافحة الإرهاب الدولي، أشار إلى أن تنشيط هذه الصناعة هدف رئيسي للإدارات الأمريكية المتعاقبة لا سيما الإدارة الجديدة بقيادة ترامب.

سالم أكد لرصيف22 أن الفاتورة الأولى لزيارة ترامب تحددت بـ100 مليار دولار قيمة صفقة تسلح تم توقيعها بالفعل مع السعودية، هذا بخلاف ما لم يتم توقيعه، لافتاً إلى أن واشنطن تسعى إلى "ابتزاز" المملكة عبر فزاعة إيران، فحين يرغب الأمريكيون في بيع صفقة من الأسلحة للخليجيين، يصعّدون مع طهران وهنا تلجأ العواصم الخليجية، وعلى رأسها الرياض للولايات المتحدة من أجل صفقات تسليح جديدة.

وتحدث مسؤول أمريكي قبل أيام عن أن بلاده على وشك عقد سلسلة صفقات لبيع السعودية أسلحة وصيانتها بقيمة تتجاوز 100 مليار دولار، وقد تتجاوز 300 مليار دولار على مدى 10 سنوات.

رابعاً: تحجيم دور المؤسسة الدينية

بالرغم من الجهود المبذولة لتصحيح صورة السعودية خارجياً إلا أن التيار الوهابي لديها لا يزال يتصدر قائمة الاتهامات الدولية بالإرهاب، فيُحمّل جزءاً من المسؤولية عن انتشار التطرف في منطقة الشرق الأوسط وغيرها، وهو ما تسعى واشنطن إلى ردعه.

الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، كشف أن تحجيم دور المؤسسة الدينية يُعد أحد أبرز الأهداف التي تسعى واشنطن لتحقيقها من وراء زيارة ترامب، فضلاً عن حصار الاتجاهات السلفية المتطرفة.

نافعة قال لرصيف22: "إن الديوان الملكي السعودي يعي هذا الهدف الأمريكي جيداً وهو ما يتضح كل يوم من خلال الإستراتيجية الليبرالية الجديدة التي يتبناها نجل العاهل السعودي، الأمير محمد بن سلمان".

أقوال جاهزة

شارك غرد"السعودية لا تعامل أمريكا بعدالة لأن واشنطن تخسر كماً هائلاً من المال للدفاع عن المملكة" ما الذي تغيّر؟

شارك غرد10 نقاط تلخص ما يريده الأمريكيون من السعودية وما تريده السعودية من الولايات المتحدة...

خامساً: زيادة رقعة التطبيع

التقارب مع إسرائيل وحث الدول العربية على تفعيل مجالات التعاون معها هو أحد أبرز الأهداف التي تسعى أمريكا لتحقيقها من وراء زيارة رئيسها للسعودية بحسب أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

وأضاف نافعة أن هناك رغبة أمريكية ملحة في تفعيل دورها في عملية السلام في الشرق الأوسط من خلال الضغط على السلطة الفلسطينية للقبول بالمقترحات الأمريكية الخاصة بحلحلة الأزمة، وهنا يأتي دور السعودية في الضغط على حركة حماس من جانب، وتقريب وجهات النظر بين رام الله وتل أبيب من جانب آخر، كذلك زيادة رقعة التطبيع بين إسرائيل وبقية الدول العربية التي لا تربطها اتفاقيات سلام معها عبر بعض الآليات، منها التعاون التعاون الاستخباراتي.

ماذا تريد السعودية من أمريكا؟

انفتاح الرياض على واشنطن مع أول إشارة من الإدارة الأمريكية الجديدة بعد اتهامات الأخيرة لها، والتي بلغ بعضها حد التطاول، يعكس حرص الخارجية السعودية على التشبث بالعلاقات مع ترامب بأي ثمن، ويمكن حصر أسباب ذلك في عدد من المحاور:

أولاً: التسليح والتعاون العسكري

تعد الولايات المتحدة أكبر مصدري الأسلحة للسعودية، لذا تحرص الأخيرة على علاقاتها مع واشنطن من أجل ضمان استمرار تدفق صفقات السلاح الذي تزود به قواتها المشاركة في اليمن والفصائل التابعة لها في سوريا، بحسب رأي الدكتور زكريا سالم.

هذا طبعاً عدا الأسلحة الإستراتيجية التي تحتاجها المملكة للدفاع عن نفسها ضد أي خطر خارجي، ضمناً الخطر الإيراني، وهو ما يتضمن منظومات صاروخية دفاعية متطورة.

إضافة إلى ذلك تحتاج المملكة إلى تأهيل وتدريب قواتها الأمنية والعسكرية من خلال مناورات مشتركة مع القوات الأمريكية ودورات تدريبية تتلقاها على أيدي خبراء عسكريين أمريكيين.

فالجيش السعودي، بحسب اتهامات أميركية علنية، لا يمتلك القدرة على إصابة أهدافه بدقة في اليمن.

ثانياً: الحماية الدولية

وأوضح الخبير في مكافحة الإرهاب الدولي أن خوف الرياض من الملاحقة الأممية الدولية بسبب ما تمارسه قواتها في اليمن من انتهاكات دفعها إلى تقوية علاقتها بواشنطن.

فالعلاقات القوية بين السعودية وأمريكا قد تجعل من الأخيرة حائط صد ضد أي تجريم دولي للسعودية في المحافل الدولية، وذلك من خلال استخدام حق النقض "الفيتو" ضد أي قرار يفكر أحد أعضاء مجلس الأمن في إصداره.

ثالثاً: دعم التوجهات السعودية

الخسائر الفادحة التي تكبدتها السعودية في اليمن والتي تكبدها حلفاؤها في سوريا طيلة السنوات الماضية دون تحقيق الأهداف المرجوة حتى الآن، كانت أحد أبرز الدوافع وراء تقوية العلاقات مع الولايات المتحدة، والعمل على تذليل كافة العقبات أمام عودة واشنطن للمنطقة مرة أخرى.

وبحسب "نافعة" فإن قائمة أولويات العاهل السعودي خلال لقائه بالرئيس الأمريكي تضم في مراتبها الأولى دعم التوجهات السعودية حيال الملف اليمني عبر مساعدتها في حملتها على الحوثيين من جانب، والملف السوري من خلال إجهاض محاولات النظام السوري توسيع مناطق سيطرته ودعم فصائل المعارضة المسلحة من جانب آخر.

رابعاً: تقوية جبهة محمد بن سلمان

التمهيد لولي ولي العهد، محمد بن سلمان، نجل العاهل السعودي لخلافة والده في قيادة المملكة، ومحاولة الحصول على المباركة الأمريكية لهذا السيناريو يعد ركيزة أساسية في قائمة الأهداف التي تسعى الإدارة السعودية الحالية إلى تحقيقها من خلال تقوية علاقتها بواشنطن.

ولفت حسن نافعة إلى أن هناك بعض المؤشرات التي ربما تلمح إلى رغبة ما في تغيير نظام الولاية في السعودية، على غرار ما حدث مع ولي العهد السابق الأمير مقرن بن عبد العزيز والذي استقال من منصبه، وهو سيناريو أقرب للتنفيذ في ظل تراجع دور ولي العهد الحالي الأمير محمد بن نايف، وبزوغ نجم نجل سلمان.

وأضاف أن تعيين شقيق محمد بن سلمان ونجل العاهل السعودي سفيراً للسعودية لدى واشنطن دليل واضح على الرغبة الحقيقية في سيطرة جبهة محمد بن سلمان على وسائل التواصل مع الولايات المتحدة التي من الممكن أن تلعب دوراً مؤثراً في تحقيق هذا السيناريو.

خامساً: مناهضة النفوذ الإيراني

النقطة المشتركة التي ساهمت في تقريب وجهات النظر بين السعودية والولايات المتحدة هي الموقف من إيران، والعمل على مناهضة نفوذ طهران في المنطقة بشتى السبل.

وبحسب الإعلامي السعودي تركي الشلهوب، فإن محاصرة إيران وأذرعها السياسية والعسكرية في كل من سوريا واليمن والعراق وحتى لبنان بات الهدف الأول لدى الرياض من وراء تقوية علاقتها بأمريكا، خاصة بعدما تصاعد الحديث مرة أخرى عن "الهلال الشيعي" أكثر من أي وقت مضى.

وأضاف أن السعودية نجحت خلال الفترة الماضية في تصوير نفسها كزعيمة للعالم الإسلامي السنّي وكدولة قادرة على مساعدة أمريكا في تحقيق أهدافها ضد إيران، وهو ما يفسر اختيار ترامب لها كمحطة أولى لقطار زياراته الخارجية.

التعليقات

المقال التالي