جيبوتي: هل تصبح هذه الدولة الصغيرة مفتاح المنطقة الجديد؟

جيبوتي: هل تصبح هذه الدولة الصغيرة مفتاح المنطقة الجديد؟

جيبوتي، تلك الدولة الصغيرة الغامضة في العقل الجمعي العربي، الدولة التي يتردد الكثير من العرب في تحديد موقعها الجغرافي، ويجهل أغلبيتهم إنها إحدى الدول المشاركة رسمياً في جامعة الدول العربية.

كيف بدأ اسم تلك الدولة في الظهور على الساحة السياسية والعسكرية الاقليمية الراهنة؟ وما هي المزايا الإستراتيجية التي تتمتع بها حتى أضحت أرضها وموانئها ميداناً للتنافس بين عدد من القوى الإقليمية والدولية؟

عبقرية المكان كيف تتحول لنقمة؟

تُعتبر جيبوتي إحدى دول منطقة القرن الإفريقي، شرق القارة الإفريقية. تتشارك في حدودها البرية مع ثلاث دول هي أريتريا التي تحدها شمالاً، وأثيوبيا التي تحيط بها من الشمال الغربي والغرب والجنوب الغربي، والصومال التي تقع في الجنوب الشرقي من جيبوتي.

Djibouti

وتستمد تلك الدولة الصغيرة التي لا تزيد مساحتها عن 23 ألف كيلومتر مربع أهميتها الإستراتيجية والجغرافية من وقوعها على البحر الأحمر وخليج عدن واشتراكها مع دولة اليمن في إدارة مضيق باب المندب، الذي يعتبر واحد من أهم الممرات المائية في العالم.

جيبوتي التي يقدر عدد مواطنيها بنحو 900 ألف، دخل الدين الإسلامي إليها بواسطة الهجرات العربية الكثيفة القادمة من الشواطئ اليمنية، التي لا تبعد أقربها أكثر من 20 كيلومتراً عن السواحل الجيبوتية.

ويمكن أن نلخص تاريخ تلك الدولة، بصراع دائم ومستمر من قبل الدول العظمى لمحاولة فرض سيادتها وهيمنتها على موقع جيبوتي الجغرافي.

في الحقبة الاستعمارية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، تنافست كل من بريطانيا وفرنسا عليها، ونجحت فرنسا في نهاية المطاف في أن تستأثر بالجزء الأكبر من أرضها، تحت مسمى "الصومال الفرنسية".

أقوال جاهزة

شارك غردكيف بدأ اسم جيبوتي، تلك الدولة الصغيرة المجهولة، في الظهور على الساحة السياسية والعسكرية الاقليمية؟

شارك غردلا تستخفوا بجيبوتي، تلك الدولة الصغيرة التي يصعب على الكثير منا تحديد موقعها الجغرافي

بقي الاحتلال الفرنسي في جيبوتي حتى عام 1977، عندما رضخت السلطات الفرنسية لطلب المواطنين بإجراء تصويت شعبي على الانفصال، وظهرت النتائج لتؤكد رغبة القطاع الأكبر من الشعب الانفصال عن فرنسا، وهو ما أدى في النهاية للاستقلال وتأسيس دولة جيبوتي بحدودها الحالية في 27 يونيو 1977.

قبلة القواعد العسكرية؟

تمتلك جيبوتي موارد طبيعية قليلة، كما أن أراضيها القاحلة تمنع من قيام حياة زراعية مستقرة، وكذلك لا تتوافر فيها ثروة معدنية أو نفطية تمكن سكانها من تحقيق نمو اقتصادي ملموس.

تلك العوامل كلها اسهمت في ضعف الاقتصاد الجيبوتي، فبحسب أحد التقارير المهمة المعنية، تتجاوز نسبة الفقر في أوساط المجتمع الجيبوتي نسبة 50%، في حين يعيش قرابة خمس السكان تحت خط الفقر بدخل يومي لا يزيد عن 1.25 دولار.

بالإضافة إلى تلك المشكلات الاقتصادية، فان جيبوتي تشهد علاقات متوترة مع أريتريا وإثيوبيا بسبب النزاعات الحدودية المستمرة ما بين الدول الثلاث.

هذه الاسباب مجتمعة، جعلت جيبوتي تفكر جيداً في استغلال أهم مقدراتها ومميزاتها الطبيعية: الموقع الجغرافي الفريد الذي تمتلكه.

عملت جيبوتي على الارتباط بعلاقات قوية ووثيقة مع بعض القوى الإقليمية والعالمية، عبر مقايضة المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها تلك الدول لها بتسهيلات لوجيستية. وذلك عن طريق إقامة عدد من القواعد العسكرية على الأراضي والسواحل الجيبوتية الواقعة على البحر الأحمر وخليج عدن.

أقدم القواعد العسكرية الأجنبية في جيبوتي، هي القاعدة الفرنسية، التي تمت إقامتها كجزء من اتفاق التسوية ما بين الدولتين بعد الاستقلال.

ويرابط في تلك القاعدة ما يقرب من خمسة آلاف جندي فرنسي، مهمتهم الرئيسية مراقبة حركة مرور السفن والبضائع في منطقة خليج عدن.

French_AFP

رغم القيود التي يفرضها وجود مثل تلك القاعدة على السيادة الوطنية الجيبوتية، إلا أنها تسهم في الاقتصاد الجيبوتي بشكل كبير، إذ ينفق عناصر القوات الفرنسية الموجودين في القاعدة وأفراد عائلاتهم، ما يقرب من 130 مليون يورو سنوياً، أي حوالي 25% من إجمالي الناتج الداخلي في جيبوتي، وما يساوي 65% من موازنة الدولة.

ومن أهم القواعد العسكرية على الأراضي الجيبوتية، قاعدة "أفريكوم" الأمريكية، الوحيدة الموجودة في القارة الأفريقية.

DVIDSHUB-Flickr

في عام 2001م أقيم معسكر "ليمونير" الأمريكي بالقرب من مطار جيبوتي الدولي، وكان يضم 900 مقاتل فقط، ولكن مع تزايد أهمية المعسكر للولايات المتحدة، وصل عدد العناصر المقاتلة لنحو 4000.

American_AFP

تظهر الجدوى الاقتصادية التي تعود لجيبوتي من إقامة هذه القاعدة بشكل واضح، إذا عرفنا أن عقد الإيجار الأمريكي لتلك القاعدة قد ارتفع في عام 2014 لمبلغ 60 مليون دولار في العام الواحد.

القواعد العسكرية الأجنبية في جيبوتي ليست حكراً على الأمريكيين والأوروبيين فقط، بل إن عدداً من القوى الآسيوية وجدت لقواعدها هي الأخرى، مكاناً مناسباً في أراضي الدولة الأفريقية الصغيرة.

ففي عام 2009، قامت اليابان بتأسيس قاعدة عسكرية لها في جيبوتي، واحتوت تلك القاعدة على ميناء بحري ومطار جوي، وقدمت تلك القاعدة مساعدات كبيرة للسلطات الوطنية في سعيها الرامي للقضاء على خطر القراصنة الصوماليين الذين يمارسون أعمالهم الإجرامية بشكل كثيف ومنتظم في مناطق قريبة من الشواطئ الجيبوتية.

وربما نشهد في الأيام المقبلة، انضمام الصين كإحدى القوى الأجنبية صاحبة القواعد العسكرية في الأراضي الجيبوتية. فرغم القيود والعراقيل الأمريكية، نجحت الصين عام 2014، في عقد عدد من المعاهدات والاتفاقات مع السلطة الجيبوتية الحاكمة، تضمنت تلك الاتفاقات التعهد الصيني بتمويل عدد من المشاريع الاستثمارية الكبرى في جيبوتي، والتي تقدر تكاليفها بنحو 14.5 مليار دولار أمريكي.

تتنوع تلك المشاريع لتشمل مجالات مد خطوط السكك الحديدية والتعمير وتأسيس بنية تحتية قوية، في مقابل أن تقوم السلطة الجيبوتية بالسماح للجانب الصيني بإقامة قاعدة عسكرية كالقواعد الفرنسية والأمريكية واليابانية الموجودة فيها.

ويأتي ذلك الاتفاق متماشياً مع رغبة المارد الصيني في التمدد وتوسيع رقعة نفوذه، ومناطحة الهيمنة الأمريكية.

هل حان وقت السعودية؟

جرى آخر الشهر الماضي توقيع اتفاق تعاون بين السعودية وجيبوتي في المجال العسكري، فيما حملت الفترة الأخيرة إشارات إلى قرب إنشاء قاعدة عسكرية تابعة للملكة العربية السعودية في جيبوتي.

جيبوتي التي أخذت صف المملكة في نزاعاتها الإقليمية ضد الجارة الفارسية، أوضحت عبر الكثير من قنواتها الدبلوماسية الرسمية استعدادها لتقبل الانتشار العسكري السعودي على شواطئها.

ولا يبدو ذلك مستغرباً إذا ما نظرنا إلى حجم المساعدات الاقتصادية السعودية لجيبوتي، فبحسب تقرير لصندوق النقد الدولي عن اقتصاد المملكة، تحتل جيبوتي المرتبة العاشرة في ترتيب الدول التي تساعدها السعودية اقتصادياً، إذ بلغ حجم المساعدات السعودية لها قرابة 255 مليون ريال (68 مليون دولار)، وهو ما يمثل نحو 4.3% من الناتج المحلي الاجمالي لجيبوتي، وذلك بين عامي 2011 و2014.

يظهر أثر تلك المساعدات في ردود أفعال الجانب الجيبوتي بشكل واضح، فعلى سبيل المثال، سارعت جيبوتي في يناير عام 2016 إلى إعلان قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران وسحب سفيرها من طهران، متضامنة بذلك مع الجانب السعودي، الذي بادر إلى قطع علاقاته مع إيران عقب الاحتجاجات والاعتداءات الشعبية العنيفة ضد القنصلية السعودية في مدينة مشهد الإيرانية، على خلفية إعدام المملكة لرجل الدين الشيعي نمر باقر النمر.

وسارعت جيبوتي إلى تقديم مساعدات لوجستية لتسهيل عمليات القوات البحرية العربية في عملية "عاصفة الحزم" في اليمن، كما استقبلت على أراضيها أكثر من 33 ألف نازح يمني فروا من الحرب المشتعلة في وطنهم.

وعندما صرح مسؤول البحث عن المفقودين في الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، العميد باقر زادة، بأن مضيق هرمز والخليج "منطقة إستراتيجية وأن إيران تبسط سيطرتها، في هذه المنطقة بشكل كامل"، قامت السلطات السعودية بالرد سريعاً بإعلان نيتها إقامة قاعدة عسكرية لها في جيبوتي.

واعتمدت في ذلك على تصريحات وزير خارجية جيبوتي محمود علي يوسف، وخلاصتها أن بلاده ترحب بوجود عسكري للمملكة العربية السعودية في أراضيها، كاشفاً أن العمل جارٍ لإنهاء بعض الأمور الفنية لإنشاء قاعدة بحرية للمملكة في السواحل الجيبوتية.

محمد يسري

باحث في التاريخ الإسلامي والحركات السياسية والمذهبية، صدر له عدد من الدراسات والكتب المنشورة، منها الحشيشية والمهدية التومرتية، وثورة الأمصار: قراءة تحليلية في الروايات التاريخية. محمد يكتب بشكل مستمر لرصيف 22.

كلمات مفتاحية
جيبوتي

التعليقات

المقال التالي