ماكرون رئيساً.. فهل يحل فوزه أزمة فرنسا؟

ماكرون رئيساً.. فهل يحل فوزه أزمة فرنسا؟

ما كان متوقعاً بات واقعاً مؤكداً. إيمانويل ماكرون أصبح الرئيس الثامن لـ"الجمهورية الخامسة" في فرنسا، في ولاية تمتد خمسة سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فقط.

صدقت الترجيحات التي دعمت مرشح الوسط، فأتت النسبة لصالحه بأكثر من 65.5 في المئة، متفوقاً على لوبان التي حصدت حوالي 35 في المئة من أصوات الناخبين.

لوبان، التي سعت بداية عبر تحييد والدها عن "الجبهة الوطنية" ولاحقاً من خلال محاولة جعل الأخيرة حزباً معتدلاً كالأحزاب الفرنسية الأخرى، إلى كسر الحاجز النفسي لدى الناخب الفرنسي من اليمين المتطرف، لم تنجح في الوصول إلى الرئاسة.

لقد بقيت عوامل الخوف من تسليم أحد أكبر دول الغرب لليمين المتطرف وتبعات ذلك على مستقبل الاتحاد الأوروبي، فضلاً تصاعد التطرف وتهديد صورة فرنسا التي كرست حقوق الإنسان، تغطي الصورة.

يُضاف إليها واقع التخبط الذي عكسته تجربة ترامب في الحكم وتراجعه عن العديد من الوعود بعد مئة يوم فقط على بدء حكمه وبين إمكانية فشل لوبان.

كل ذلك، جعل إيمانويل ماكرون الحل السحري الوحيد في الأفق، لكن هل يعني وصوله هزيمة اليمين المتطرف فعلاً؟ وهل سيحمل الحلول لكل المشاكل الاقتصادية التي يطرحها ويحقق كل آمال المحتفين به؟

مفاجأة الإليزيه: التغيير ليس سهلاً

بعد تحول ماكرون من "فقاعة إعلامية" و"مرشح افتراضي" إلى منافس حقيقي، انشغل العالم بقضية زواجه من معلمته التي تكبره بأكثر من عشرين عاماً، وجرى توظيف قصة الحب التي بدأت مذ كان ماكرون تلميذاً في اللعبة السياسية، بدا فيها البطل الذي يصر على تطبيق قناعاته، في الحب كما السياسة.

لكن الرومانسية (السياسية تحديداً) فقدت الكثير من قدرتها على التأثير والإشعاع، فكثرت التحليلات التي تستشرف عهد ماكرون باعتبار أن حل وصوله بدل لوبان لا ينفي مشكلة حكمه لاحقاً، وبأن العصا السحرية التي يحملها ليست بالقوة التي يعتقدها هو وناخبوه.

بحسب صحيفة "التلغراف"، سيكتشف ماكرون سريعاً أن التغيير ليس سهلاً، كما اكتشف قبله فرانسوا هولاند.

وعلى جاري المقارنة بين لوبان وترامب، نشطت المقارنة بين ماكرون وكلينتون باعتبار أن مشكلتهما تتجسد في الجمع بين التقدمية والمحافظة، ففي المسائل الاجتماعية والاقتصادية يحاول، كما سبقته كلينتون، كسب الجمهور برؤى انفتاحية تدغدغ مشاعر الناخب الذي يحارب العنصرية والتمييز الجندري وما إلى ذلك، بينما يتشدد في الشق الاقتصادي ومسألة توزيع الثروات.

يأتي ذلك، في وقت تتخبط فرنسا جدياً في مشكلتها الاقتصادي. وهنا، تبدو الازدواجية الماكرونية على سبيل المثال في محاربة العنصرية التي تؤدي إلى التطرف، في حين يتم تجاهل العامل الاقتصادي واضطهاد الطبقات الفقيرة (ومنها المهاجرين الأفارقة)، حيث لا يمكن حل الطرح الأول من دون نزع مسبباته، الاقتصادية بشكل أساسي.

أقوال جاهزة

شارك غردهل يعني وصول ماكرون هزيمة اليمين المتطرف فعلاً؟ وهل يحمل الحلول لكل المشاكل التي يطرحها؟

شارك غردماكرون 2017 = لوبان 2022

وماذا عن المشكلة الاقتصادية؟

يقولون إن ماكرون اختار اللحظة المناسبة ليغادر سفينة هولاند والحزب الاشتراكي الغارقة، فاستقال من منصبه كوزير للاقتصاد. بدا حينها وكأنه خان "صانعه" أي هولاند الذي أخرجه من الظل وفتح له أبواب الإليزيه كمستشار ثم الحكومة كأصغر وزير.

لكن تراجع فرص هولاند بالترشح لولاية ثانية، وضعف الاصطفافات الحزبية التقليدية فتحت له، ولحركته "إلى الأمام"، باب الرئاسة واسعاً.

مع ذلك، اتُهم ماكرون من خصومه بأنه "مرشح البورصة" والمصارف، والمقرب من أرباب العمل، هذا إذا لم نأخذ بالاعتبار اتهامات لوبان المتطرفة له بأنه "مرشح الخارج والمهاجرين…". في حين أنه سعى إلى إقناع الجمهور بسياساته الاقتصادية الخاصة ورؤاه الإيجابية لإنعاش الاقتصاد.

في مقاله في "الغارديان"، يتحدث لاري إليوت عن وجود إيقاع مألوف في السياسة الفرنسية. يتم انتخاب الرئيس وسط أجواء فائضة من الإيجابية، يعد الرئيس بالإصلاح الجذري والفرعي للاقتصاد بما يؤدي إلى تحقيق معدل نمو أكبر وانخفاض لنسبة البطالة. يفشل الرئيس في تحقيق التحول الذي وعد به. يستمر الاقتصاد في التخبط. يخرج الرئيس من قصر الإليزيه.

كانت هذه الحال مع فرانسوا ميتران وجاك شيراك ونيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند، ويبدو أن ماكرون لن يخالف القاعدة.

نجح ماكرون في الخروج من عباءة الأحزاب السياسية، وفي الترويج لخط سياسي اقتصادي ليبرالي، وقدم نفسه كمنقذ من خارج "السيستم".

انشغل العالم بقصة حب ماكرون لمعلمته التي تكبره بأكثر من 20 عاماً، لكن الرومانسية (السياسية تحديداً) فقدت الكثير من قدرتها على التأثير

لكن في جولة على بعض أبرز المشاكل الفرنسية اليوم، وعلى رأسها ارتفاع منسوب البطالة لدى الشباب (أكثر من 10%) وبالتالي معدلات الفقر، فضلاً عن تراجع حركة الاستثمار الذي يستدعي تخفيف القيود، وعجز الميزان التجاري (أكثر من 6 مليارات يورو)، وتراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات أقل مما كانت عليه الحال قبل تولي هولاند الرئاسة، لا يشي بمستقبل أفضل.

وفقاً لتشارلز غرانت، مدير مركز الإصلاح الأوروبي، يعول ماكرون على ألمانيا. يريد ان توافق برلين على إعادة تشكيل اقتصادها المحلي، مما يساعد ليس فقط المصدرين الفرنسيين بل الدول الأخرى في الاتحاد الأوروبي.

كما يطرح ماكرون إنجاز مشروع الاتحاد النقدي من خلال وجود ميزانية لمنطقة اليورو يديرها برلمان منطقة اليورو ووزير مالية لمنطقة اليورو.

لكن، بحسب غرانت، لن يكون الحصول على موافقة الألمان على التغييرات المقترحة سهلاً أمام ماكرون. وحتى لو دفع الأخير باتجاه تحقيق ما يطرحه، فلا يوجد ضمانات بأن النمو ييتسارع ونسبة البطالة سوف تنخفض.

ماكرون 2017 = لوبان 2022

بالعودة إلى ما قاله إليوت، فإن ماكرون يرى أن مشاكل فرنسا تنبع من نقص الإصلاح في جانب العرض بدلاً من نقص الطلب، وعليه فهو يضع نفسه في حالة الفشل مسبقاً. ويقول إليوت إن فشل الرئيس المفترض في الوفاء بوعوده، سيفتح المجال أمام الجبهة الوطنية للتحدي بشكل أقوى لرئاسة العام 2022.

وفي الإطار نفسه، كتب الأكاديمي ماتيو بونزوم مقالاً بعنوان "ماكرون 2017 = لوبان 2022"، وفيه يناقش كيف أن ماكرون نفسه، كمصرفي سابق ووزير اقتصاد، أسهم في الإصلاحات النيوليبرالية الأسوأ خلال السنوات الخمسة الماضية.

كما أن ماكرون يأتي من الحكومة الأقل شعبية في الجمهورية الخامسة، وتشابه المنصة التي يقف عليها تلك التي وقف عليها هولاند. وهكذا يواجه ماكرون تحدياً جدياً في الانتخابات التشريعية بعد شهر من الآن، وإذا لم يحظ بأغلبية مطلقة فإن الكثير من القوانين والإصلاحات الموعودة ستتعطل.

في المقابل، يبدو أن لوبان قد قطعت نصف الطريق نحو البرلمان الفرنسي، وبعدما كانت جبهتها تحظى بالكاد بنائبين، باتت مرشحة الآن لتحصيل عدد كاف من النواب يضمن لها الحضور والفعالية.

في جانب آخر، تحدثت جيرالدين موسنا - سافوي عن "فن الخروج من السيستم"، إذ اعتبرت أن الموضة السائدة حالياً من ترامب إلى مرشحي فرنسا هي الترويج لفكرة الخروج عن "السيستم" الذي يغضب الناخب ويخيفه، وماكرون لا يخالف القاعدة.

هذه الصورة له، والتي أسهم الإعلام في رسمها، تعتبر عنصراً أساسياً في جذب الناخب الذي ملّ كل الأحزاب التقليدية وسياساتها، لكن ثمة تفصيل بسيط برأي سافوي قد يكون غائباً هنا، هو أن هؤلاء هم جزء لا يتجزأ من "السيستم".

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
فرنسا

التعليقات

المقال التالي