في مصر "دولة أمناء الشرطة" تقتل من أجل جنيه ونصف الجنيه

في مصر "دولة أمناء الشرطة" تقتل من أجل جنيه ونصف الجنيه

يُمثل أمناء الشرطة قطاعاً مهماً في الشرطة المصرية، إذ يتجاوز عددهم المئة ألف، فيما يبلغ عدد ضباط الشرطة نحو 40 ألفاً. ويتضمن هذا العدد الكبير كثيرين ممن يرتكبون تجاوزات تشعل الغضب لدى الشعب حيالهم. فقد يقتل أمين الشرطة مواطناً من أجل جنيه ونصف الجنيه.

في أبريل من العام الماضي، لقي بائع شاي يدعى مصطفى محمد، ويبلغ من العمر 20 عاماً، حتفه على يد أمين شرطة طلب كوباً من الشاي، وفور تناوله رفض سداد قيمته، متهماً البائع بأنه يشغل الطريق، وأنه سيحرر به محضراً، فنشبت بينهما مشادة كلامية تطورت إلى اشتباك بالأيدي انتهى بعيار ناري أطلقه أمين الشرطة على بائع الشاي فأرداه قتيلاً.

نقل مجاني... وإلا

يقول محمد صلاح (اسم مستعار)، سائق "ميكروباص" على خط المعادي/ رمسيس، إن الكثيرين من أمناء الشرطة يرفضون دفع الأجرة، خاصة لسائقي المسافات الصغيرة، لذا في الغالب لا يحدث هذا الأمر مع أمثاله من سائقي المسافات الكبيرة.

دلنا صلاح على سائقي سيارات "السوزوكي" التي تنقل الركاب من منطقة "عرب المعادي" إلى محطة مترو "ثكنات المعادي" في محافظة القاهرة. التقينا علي أحمد (اسم مستعار)، سائق "السوزوكي"، فأكد لرصيف22 أن أمناء الشرطة يستقلون سياراتهم دون دفع الأجرة لأن المسافة قصيرة، بالإضافة إلى سبب آخر مهم، هو أن ترخيص سيارة "السوزوكي" التي تقل 7 ركاب فقط "ترخيص ملاكي" وليس "أجرة"، أي أنها ليست سيارة مرخصة لنقل الركاب.

ويضيف موضحاً سبب قبوله بهذا التجاوز: "لو اعترضت هيشدني على القسم ويدفعني 5 آلاف جنيه غرامة".

ولكن منصور القناوي (اسم مستعار) وهو سائق ميكروباص على خط الهرم/ السيدة عائشة، يرى أن تجاوز أمناء الشرطة لا يعرف مسافة كبيرة أو صغيرة. وقال إن السائقين يبررون الأمر لأنفسهم بأنه يتم "حُبياً". ولكنه يؤكد أن جزاء الاعتراض على ركوب أمين الشرطة الميكروباص دون دفع الأجرة يكون سحب الرخصة وتحرير مخالفة بـ500 جنيه على الأقل، وقد يصل الأمر إلى أكثر من ذلك.

ويحكي القناوي أنه ذات مرة أقل أمين شرطة - لم يدفع أجرة - وأوقفه ضابط شرطة قبيل نفق الملك الصالح في الجيزة، وسحب رخصته وحرر به مخالفة بمبلغ كبير، فنزل أمين الشرطة وتوسط لدى الضابط وأعاد له الرخصة، وخفض المخالفة.

مطالب أخرى

أشار سائق على خط الهرم/ السيدة عائشة إلى تجاوز آخر لبعض أمناء الشرطة مع السائقين، وقال: "يطلبون كارت شحن لخطوط التليفون من السائقين، وإذا رفض السائق، تُحرر به مخالفة بـ500 جنيه"، ويتابع: "أغرم كارت بـ50 جنيه بس ولا أدفع غرامة بـ500 جنيه. أكيد الكارت أوفر".

أقوال جاهزة

شارك غردفي مصر، لا تطلب من أمناء الشرطة دفع أجرة المواصلات وثمن كوب الشاي...

طعام مجاني

يقول جاد عبد الكريم (اسم مستعار) صاحب عربة فول في محافظة الجيزة، إن بعض أمناء الشرطة يأخذون "ساندوتشات" وينصرفون دون دفع ثمنها، مستطرداً: "مش بطلب فلوسها، عشان ميضرونيش بعد كده"، موضحاً أن الاعتراض يعني مصادرة العربة في اليوم التالي من قبل شرطة المرافق.

تمت مصادرة عربة الفول الخاصة بعبد الكريم مطلع العام 2017، من قبل شرطة المرافق، ودفع غرامة مالية واستعاد العربة، لذا يقبل تناول أمناء الشرطة الطعام دون دفع ثمن ما يأكلونه، حتى ينذروه عندما تكون هناك حملة لشرطة المرافق فيضع العربة في شارع جانبي وينجو من الحملة.

هذا هو "رد الجميل" الذي ينتظره ويفرح به صاحب عربة الفول.

أما مدحت حسين (اسم مستعار)، صاحب سوبر ماركت في منطقة الدقي بمحافظة الجيزة، فيقول إن بعض أمناء الشرطة يحصلون على منتجات دون دفع ثمنها من أصحاب الأكشاك وليس من أمثاله. فتوجهنا لصاحب كشك هو ربيع سعداوي (اسم مستعار) الذي أرجع تجاوزات أمناء الشرطة معه ومع أصحاب الأكشاك، إلى أن مساحة "الكشك" صغيرة، ما يضطر صاحبه إلى وضع البرادات وبعض المنتجات خارجه، و"ده يعتبر مخالفة إشغال طريق"، فيستغل بعض الأمناء ذلك ويحصلون على ما يريدونه بالمجان، وإذا رفض صاحب الكشك يكون العقاب رفع كل شيء خارج الكشك.

وأوضح سعداوي أن أبرز ما يأخذه أمناء الشرطة الذين يرفضون دفع ثمن ما يشترونه هو السجائر، وبطاقات شحن خطوط الهواتف المحمولة. وفي فصل الصيف تُضاف إلى ذلك المشروبات المثلجة.

اعتراف رسمي

اعترف اللواء طارق عطية، المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية المصرية، بحدوث هذه التجاوزات من قِبل بعض أمناء الشرطة، وقال لرصيف22 إنها ليست ظاهرة، إنما "حالات فردية".

ورأى عطية أن هذه الممارسات لا تؤثر على صورة رجل الأمن ولا على خطط رجال الشرطة للحفاظ على الأمن، لأنه "حين يحدث أي تجاوز يتم على الفور اتخاذ الإجراء المناسب بحق رجل الشرطة الذي صدر منه هذا التجاوز"، معتبراً أن ذلك يعطي رسالة لجميع رجال الشرطة مفادها "هتغلط، هتتعاقب".

محاولات ضبط

وأشار المتحدث الرسمي باسم الداخلية إلى أن الوزارة تحد من هذه الممارسات من خلال توقيع الجزاءات الإدارية على أمين الشرطة الذي يمارس هذه التجاوزات، أو إحالته على المحاكمة التأديبية، لافتاً إلى أن رؤساء أمناء الشرطة في العمل يراقبون أداءهم، إلى جانب مراقبتهم من قِبل القطاعات المتخصصة مثل "قطاع التفتيش" و"قطاع شؤون الأفراد".

تبرير المتجاوزين

لم نتمكن من التواصل مع أمين شرطة، إلا أننا تواصلنا مع عنصر في الشرطة ذي رتبة أقل من رتبة الأمين. يلجأ أفراد في رتبته مثلاً لركوب المواصلات دون دفع الأجرة وليس أكثر من ذلك.

قال إن بعض الأمناء وأفراد الشرطة يرتكبون هذه المخالفات لأنها بسيطة "مش مستاهلة"، مشدداً على أنه لا يفعل هذا، إذ يستغل التخفيض المقدم لرجل الشرطة على تذاكر مترو الأنفاق، لذا لا يركب وسائل النقل الخاصة. وإذا استقل إحداها يدفع.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي