شيوخ الأزهر ممنوعون من الوعظ بأمر "سياسي"

شيوخ الأزهر ممنوعون من الوعظ بأمر "سياسي"

فوجىء رواد المقاهي بالإسكندرية بدخول وعّاظ الأزهر عليهم، ليتحدثوا معهم في أمور الدين وتعاليمه.

تلك الحادثة لم تكن فردية كما ظن البعض، ولم تكن ظاهرة كما أكدت وسائل الإعلام، فعلاقة الأزهر بالشارع المصري قديمة ولها جذور، وهو ما دفعنا لمحاولة البحث عن هذه الجذور لنعرف لماذا أرسل الأزهر وعّاظه إلى الشوارع؟ وما هي قوافل الوعّاظ؟ وما مدى تأثيرها على المواطنين؟ ولماذا توقفت عن أداء دورها؟

"منارة العلم للعالم أجمع"

مكتب الإرشاد الديني هو الجهة المسؤولة عن إعداد الوعّاظ وتوزيعهم على المناطق المختلفة.

يقول الشيخ ص. الذي رفض ذكر اسمه الحقيقي لرصيف22: "منذ أن أنشأ جوهر الصقلي جامع الأزهر عام 972، والجامع أخذ على عاتقه مهمة نشر تعاليم الدين الإسلامي الوسطي. وقد تخرجت من تحت أعمدة هذا المكان أسماء لا يمكن إحصاؤها من العلماء، ابتداءً من العالم الجليل محمد الخراشي، أول من تولى مشيخة الأزهر، وصولاً إلى شيخنا أحمد الطيب".

من هنا، اعتبر الشيخ ص. أنه ليس من الغريب أن يتوافد على الأزهر كل عام طلاب من شتى بقاع الأرض للالتحاق بمدارسه وللتعلم من شيوخه، ودراسة الفقه والشريعة قبل أن يعودوا إلى بلادهم علماء ينشرون ما تعلموه في الأزهر.

لا يرى الشيخ ص. أن فكرة نزول شيخ الأزهر إلى المقاهي جديدة. يتحدث عن الدور التاريخي والسياسي للأزهر ويقول: "الأزهر لم ينفصل لحظة عن متطلبات الشارع المصري، إنه جزء أصيل ومتأصل من هذا الشعب".

ويتساءل: "مَن الذي وقف أمام خيول الحملة الفرنسية؟ مَن الذي شارك الشعب نضاله تحت الاحتلال الإنكليزي؟ مَن الذي تقدم الصفوف في ثورة 1919؟"، ويجيب: "إنه الأزهر بشيوخه وعلمائه وطلابه"، متابعاً: "دور الأزهر والتحامه بالشعب ليسا مقصورين على التاريخ فحسب بل امتدا إلى عصرنا الحديث. فحتى ثورة يناير شارك فيها شيوخ الأزهر، ونزلوا إلى ميدان التحرير، بل هتفوا مع جموع الشعب المصري ضد الفساد وضد حكم مبارك".

ولكن معارك اليوم اختلفت بالضرورة عن معارك الأمس. "عدو اليوم أخبث وأشرس وأكثر خطورة"، برأي الشيخ ص. فهو يرتدي عباءة الدين، ويتحدث بالقرآن والسُنة والفقه، ويتخذ من الإسلام غطاء له. "إنه كالمرض الخبيث الذي يسري في بدن الأمة وينخر فيها"، قال.

وأتت فكرة قوافل الوعّاظ "لمقاومة هذا المرض"، وذلك في إطار سعي الأزهر إلى "تقديم بديل".

والفكرة، بحسب الشيخ ص. تتمثل في نزول الوعّاظ، الذين "يُشهد لهم بالكفاءة في الخطابة والقدرة على التواصل مع العوام، إلى الشوارع، وإثارة التساؤلات التي تشغل عقول الناس في أمور دنياهم ودينهم. والأهم من ذلك إشغال الساحة التي تُركت لسنوات طويلة لجماعات مشبوهة مثل الجماعة الإسلامية، وجماعة الإخوان، والتبليغ والدعوة".

نزل الوعّاظ إلى الشوارع واختلطوا بعامة الشعب. استهدفوا المناطق الشعبية والريفية. "تلك هي بؤر الإرهاب، والبيئة الخصبة للمغرضين، وذلك بسبب الفقر والجهل"، بحسب الشيخ ص.

أقوال جاهزة

شارك غردقوافل من الوعاظ تنزل إلى الشارع ونراها في المقاهي. لماذا يرسل الأزهر وعاظه إلى الناس؟ ولماذا تم إيقافهم؟

فالمتطرفون، برأيه، يستهدفون الفقراء والبسطاء من الناس، ويؤثرون على عقولهم بالخطب الرنانة، متخذين من التدليس منهجاً لهم. "ولأن عملنا في الأساس محاربة التدليس فقد كان لزاماً علينا أن نوضح للبسطاء والفقراء ما يخفي عليهم من صحيح الدين"، قال.

"نؤذن في مالطا"

يحكي الشيخ أيمن محمد، 30 عاماً، خريج كلية الدعوة جامعة الأزهر، وواحد من وعاظ القوافل، عن طريقة تحضيرهم قبل الخروج.

قال لرصيف22: "القافلة تتكون من ثلاثة أو أربعة وعاظ. قبل الانطلاق نحدد أولاً الجهة التي سنتوجه إليها، وغالباً ما نختار المناطق المحيطة بالمسجد لتوفير الوقت والمجهود وادخاره لصالح الدعوة. أحياناً نضع خطوطاً عريضة للتحدث عنها، خاصة إذا كانت هناك مناسبة أو حدث يجب أن نوضحه للناس".

فبعد التفجيرات التي حدثت مؤخراً كان محور اهتمام الوعاظ العنف ضد الأقباط، والتسامح في الدين الإسلامي، وكيفية تقبل المختلف عن الملة، وشرح مفهوم أهل الكتاب.

ألقى الشيخ محمد السلام ثم طرح سؤاله التقليدي: "عاملين إيه مع ربنا يا جماعة؟"، فإذا بأحد الزبائن يرد: "وانت مال أمك؟"

وأضاف محمد: "أما إذا كانت الأمور هادئة، فالأفضل هنا التحدث في الأمور العامة مثل الأخلاقيات أو التعاملات (إنما الدين المعاملة). أنا لا أحب أن تكون دعوتنا للناس مجرد كلام قائم على النواهي والأوامر، افعل ولا تفعل، فالأمر والنهي لدى العامة غير محببين على الإطلاق، هذا ما تعلمناه من أصول الدعوة، إنما أفضل أن تكون دعوتنا تفاعلية، نثير الأسئلة وننتظر الرد، ثم نوضح الصواب والخطأ من خلال المناقشات".

أما عن كيف يكون ذلك، يقول: "أعتمد في بداية الدعوة على سؤال استفتاحي، فبعد إلقاء السلام، أداهمهم بالسؤال: (عاملين إيه مع ربنا؟) هذا السؤال دائماً ما يضع المُتلقي في قلب الموضوع".

وعن آخر جولة شارك فيها، يحكي محمد: "كانت بمنطقة كرداسة، وهي منطقة نائية بضواحي الجيزة، وقد استطاعت الجماعات الإسلامية لسنوات السيطرة عليها تماماً، وقد شهدت تلك المنطقة تحديداً أعمال عنف، منها المذبحة التي وقعت عام 2013 ومداهمة الإرهاب لقسم الشرطة وتصفية رجال الشرطة والجيش بالقسم".

واقع كرداسة الأمني كان يدفع الوعاظ إلى تجنب تلك المنطقة. وتابع محمد: "في جولتي الأخيرة عزمت أن تكون مقصدي، بعد صلاة العصر انطلقنا من مسجد الصباح بالهرم إلى منطقة كرداسة. كانت جولتنا تستهدف المحلات والتجمعات ومراكز الشباب، وبالأخص ملاعب الكرة، ففيها نجد الكثير من الشباب المهتمين بالرياضة، ولأن الشباب هم قلب الأمة النابض وروحها الزاخرة بالحياة فإنهم هدفنا بكل تأكيد".

لم تمر هذه الجولة بدون مضايقات. قصد الوعاظ محل حلاقة، ألقى الشيخ محمد السلام ثم طرح سؤاله التقليدي: "عاملين إيه مع ربنا يا جماعة؟"، فإذا بأحد الزبائن يرد عليه: "وانت مال أمك؟".

تمالك الشيخ نفسه، بحسب روايته، "فالواعظ لا بد ألا ينجر إلى الصدام"، كما قال. ابتسم وشكره على ذوقه، وهنا تدخل الزبائن وصاحب المحل وعنفوا الزبون، فلم يجد بديلاً عن الاعتذار.

القافلة التي يشارك فيها الشيخ محمد لا تفضل المقاهي. يقول: "نوع من النفاق أن تتحدث مع الناس عما يضرهم وينفعهم وهم يلعبون بالنرد ويدخنون النرجيلة. ثم إن الحديث عن حرمان التدخين لن يتقبلها صاحب المقهى، والذي من حقه أن يطردنا من محله".

لا يدعي الشيخ محمد أن عمل القوافل نجح في تغيير المجتمع. "في أوقات كثيرة نشعر أننا نؤذن في مالطا، فما نكاد أن ننصرف إلا وتعود المياه لمجاريها"، بحسب تعبيره. ولكنه يضيف: "هذا واجبنا تجاه المجتمع والوطن وعلينا أن نقوم به"، ويعلّق: "إنك لا تهدي مَن أحببت ولكن الله يهدي مَن يشاء".

لا دين إنما سياسة

الغريب في الأمر أن قوافل الوعّاظ توقفت بأمر من وزارة الأوقاف، واكتفت بالعمل في المساجد مع توزيع خُطب موحدة.

ويعلق الشيخ محمد على قرار وزارة الأوقاف بمنع اختلاط الوعّاظ بالشارع والجمهور قائلاً: "هي حملة تضييق تمارس على الأزهر، ولا تخفى على أحد الخصومة التي نشأت بين مؤسسة الرئاسة ومشيخة الأزهر خصوصاً بعد فتوى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي الخاصة بالطلاق الشفوي، رغم أن الفتوى مسؤولية شيوخ الأزهر ولا يجوز أن يفتي أحد بغير علم حتى ولو كان رئيساً للجمهورية".

وتابع: "إن خلط الدين بالسياسة مفسدة للأمم. ثم ما الفرق بيننا وبين من يستخدمون الدين لأغراض شخصية؟ حتى الخطب الموحدة التي ترسلها وزارة الأوقاف لخدمة السياسة وليس فيها من الدين شيء. فهل انتهى زمن الوعظ؟ هذا ما سنعرفه مع الأيام".

عمرو عاشور

روائي وصحافي مصري، صدر له ثلاث روايات وحصل على عدة جوائز أدبية منها جائزة ساويرس للرواية، يكتب للحياة اللندنية وجريدة المقال.

كلمات مفتاحية
الأزهر مصر

التعليقات

المقال التالي