عندما يلقي الرؤساء خطبة الجمعة... هكذا استغلوا المساجد

عندما يلقي الرؤساء خطبة الجمعة... هكذا استغلوا المساجد

الدين له مفعول السحر في قلب الموازين السياسية، يعهد إليه أصحاب الحقوق لنيل مطالبهم، ويستغله الجبابرة لتكريس طغيانهم. وفي هذا السياق كانت خطبة الجمعة أحد مظاهر حشد الجماهير تارة، وتوطيد أركان الحكم تارة أخرى، والتعبير عن موقف سياسي تارة ثالثة.

تظاهرات الجمعة وثورات الربيع العربي

شهدت ثورات الربيع العربي حشداً لعدد من التظاهرات الحاسمة بعد صلاة الجمعة مباشرة، ولعب الخطباء دوراً كبيراً في حشد المتظاهرين، حتى أن عدداً من هذه التظاهرات في دول عربية مختلفة سُمي بأسماء يوم الجمعة مثل جمعة الغضب وجمعة الرحيل.

يقول الدكتور أحمد الملا أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة دمياط لرصيف22 إن عدم وجود أحزاب قوية أو شخصيات سياسية في دول الربيع العربي لديها قدرة على حشد المتظاهرين في الشارع دفع إلى الدعوة للتظاهر عقب صلاة الجمعة، باعتبارها بيئة حشد طبيعي، إذ يخرج الناس من الجوامع إلى التظاهر مباشرة.

عبد الناصر: الحشد لمواجهة العدوان الثلاثي

أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وتحديداً في 2 نوفمبر، ألقى الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر خطاباً حماسياً بعد صلاة الجمعة مباشرة في الجامع الأزهر، أكد خلاله للمصريين أنه واحد منهم وحاول أن يخفف من روع بعض ضباط قيادة الثورة الذين تخوفوا من عملية توزيع السلاح للشعب، اعتقاداً منهم بأنه قد يستخدم ضد السلطة أثناء العدوان.

وفي صلاة الجمعة التالية، في 9 نوفمبر، ألقى ناصر خطاباً آخر أكد فيه أنه ليس بعيداً عن الموت وأن المستهدف هو مصر وليس القيادة السياسية، مؤكداً على قوة وعزيمة المصريين في تحقيق النصر.

يقول الملا إن ناصر استعاد بخطبته في ذلك الوقت تقليداً من تقاليد التاريخ المصري، إذ كان يتم حشد المصريين من خلال الأزهر ضد الاستعمار، والاستفادة من العاطفة الدينية لدى الشعب لاستغلالها في حشده حول قضايا معيّنة.

السادات: صورة الرئيس المؤمن

في عام 1959 خطب الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات من على منبر جامع الأزهر خطبة جمعة ربط فيها بين دعوة الرسول محمد للإسلام وبين ثورة 23 يوليو، وقال إن الرسول قام منذ 14 قرناً بثورة ولا بد من استعادة أهدافها ومعانيها التي رمت إلى إعادة إنسانية البشرية، وتأكيد المثل العليا وعمران الأرض.

في عام 1959 كان السادات سكرتيراً للمؤتمر الإسلامي، وبالتالي كانت هذه الخطبة جزءاً من ضرورات أو أعمال الوظيفة، هدف من ورائها إلى تعبئة القطاعات التي يمثلها الأزهر لصالح السلطة في ذلك الوقت، يقول المُلا.

وفي قريته ميت أبو الكوم بمحافظة المنوفية ألقى السادات خطبة أخرى بعنوان "مكارم الأخلاق" تحدث فيها عن تكريم الله للإنسان على الأرض.

يذكر المُلا أن السادات كان يطرح نفسه دائماً باعتباره الرئيس المؤمن ورئيساً لدولة العلم والإيمان، ومن ثم كان من المنطقي أن يعزز هذه الصورة بإظهار نفسه في صورة الرجل المحافظ على التقاليد، وذلك من خلال ظهوره في ملبس الجلباب واعتلاء المنبر وإلقاء الخطب الدينية.

القذافي: مطالبة العالم باتباع التقويم القمري

400588_267036706777923_248108432_n

في الأول من مايو عام 1998 خطب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي خطبة الجمعة في الساحة الكبرى بالعاصمة التشادية انجامينا، وأمّ مئة ألف مصلٍ، على هامش قمة مصغرة لدول الساحل والصحراء.

وحضر الصلاة حينئذ رؤساء تشاد وسيراليون والنيجر وغامبيا والسودان والغابون ونيجيريا ومالاوي وسلاطين وأمراء المسلمين في الدول الإفريقية ومشايخ وزعماء الطرق الصوفية والمنظمات الإسلامية والجمعيات الإسلامية.

في الخطبة أعلن القذافي إسلام ما يزيد على ألفين من الإفريقيين المسيحيين، وندد بالإمبريالية الأمريكية ودعا الله أن يبعد هيمنتها.

وقال القذافي إن الله لم يقر التقويم الروماني لأنه تقويم وثني، واعتبر الذين يؤرخون بهذا التقويم يمارسون الشر والوثنية، وطالب الأمم المتحدة باتباع التقويم القمري الذي أقره الله، وأن تقر في ميثاقها وقف إطلاق النار في الأشهر الحرم في أي ساحة من الساحات الساخنة لتحقق السلام.

وقال المُلا إن القذافي حاول فى تلك الفترة أن يفك الحصار الدولي المفروض عليه بسبب قضية لوكيربي، فاتجه إلى تجييش الشعوب الإفريقية وراءه لكسر هذا الحصار، وطرح نفسه باعتباره ملك ملوك إفريقيا، وبالطبع لم يجد أفضل من الدين لتحقيق هدفه.

الملك سعود: ممثل الدولة الدينية

في 30 أكتوبر 1959 أمّ الملك سعود بن عبد العزيز آل سعود المصلين في صلاة الجمعة بالقصيم في مدينة بريدة، وألقى خطبة بعد الصلاة دارت حول تقوى الله باعتبارها أساس كل شيء، وحث المصلين على التعاون على البر، وأن يتوحدوا ضد أعداء الدين والشريعة.

كما أمّ الملك سعود المصلين في صلاة الجمعة دون أن يخطب فيهم، بالمسجد النبوي في السابع من مارس عام 1958 والأول من يناير 1959، وتكرر الأمر بمسجد نمرة بصعيد عرفات في الثالث من يونيو عام 1960، وفي الجمعة يوم الرابع والعشرين من إبريل عام 1959.

يشرح المُلا أن السعودية تطرح نفسها كدولة دينية، والملك حتى الآن يُبايع بيعة دينية، ويلقب بخادم الحرمين الشريفين، ومن الطبيعي أن يعتلي المنبر ويخطب في الناس خطباً دينية.

أقوال جاهزة

شارك غردلن يكون لخطبة الجمعة الوقع نفسه على آذانكم بعد قراءة هذا الموضوع...

شارك غردالدين له مفعول السحر في قلب الموازين السياسية... هكذا استغلّ الحكام خطبة الجمعة

صلاح الدين الأيوبي: الدعاء للخليفة أسقط الدولة الفاطمية

في مختلف العصور الإسلامية كان خطيب الجمعة يدعو للخليفة أو السلطان. يقول الدكتور مختار الكسباني، أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة، لرصيف22 إن صلاة الجمعة لم تكن تقام في كل المساجد كما هو الحال الآن، ولكن كانت تقام في مسجد واحد بالمدينة هو مسجد الدولة، ولذلك كانت مساحة هذا المسجد كبيرة حتى تستوعب أكبر عدد ممكن من المصلين، مثل مسجد أحمد بن طولون في الدولة الطولونية ومسجد الحاكم بأمر الله في الدولة الفاطمية، وفي هذه المساجد كان الخطيب يدعو للخليفة، كعلامة من علامات تبعية هذه الولاية لدولة الخلافة.

Saladin_and_Guy

ومن أبرز الحوادث المتعلقة بهذا الأمر ما ذكره المقريزي الذي قال إن صلاح الدين الأيوبي جاء إلى مصر وزيراً، وكان واقفاً بالمسجد بالنيابة عن الخليفة الفاطمي في خطبة الجمعة، وصعد إلى المنبر يخطب في الناس، وفي نهاية خطبته دعا للخليفة العباسي في بغداد، وبهذا الأمر أسقط الخلافة الفاطمية في مصر، ثم أعلن نفسه نائباً للخليفة المقيم في بغداد، يقول الكسباني.

ويذكر أنه عندما كانت الدولة الإسلامية في مختلف عصورها تتعرض لصعوبات أو شدائد، كان الخليفة يعتلي المنبر في خطبة الجمعة ويطلب من الناس الاستعداد للحرب أو الصمود في وجه الأعداء.

الدعاء للخليفة العثماني كملمح للسيادة الاسمية

امتد الدعاء للخليفة في خطبة الجمعة حتى عهد الدولة العثمانية وصولاً إلى المناطق التي لم تكن تحت سيادتها الفعلية. يشرح المُلا أن مصر كانت تحت الاحتلال البريطاني، ورغم ذلك كان يدعو الخطيب للخليفة العثماني في خطبة الجمعة كشكل من أشكال الإقرار بالسيادة الاسمية مقابل أن تعترف الدولة العثمانية بالسيادة الفعلية لبريطانيا.

الحجاج بن يوسف الثقفي: تثبيت المهابة

في كتابه "خطباء صنعوا التاريخ"، يذكر أنور محمد أن الحجاج عندما ذهب والياً إلى العراق سنة 75 هجرياً خرج إلى الكوفة، وبدأ بالمسجد، فدخله وقال "عليّ بالناس"، وصعد المنبر لافاً عمامة حمراء غطى بها أكثر وجهه، متقلداً سيفاً وحاملاً قوساً، وجلس ساعة لا يتكلم حتى قال الناس بعضهم لبعض "قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق"، وقال أحد المصلين وكان يدعى عمير بن ضابيء البرجمي: ألا أحصبه لكم؟ فقال له الناس: أمهل حتى ننتظر". فلما رأى الحجاج أن عيون الناس إليه، قام فكشف عن وجهه وقال: "أنا ابن جلا وطلاع الثنايا. متى أضع العمامة تعرفونني. يا أهل الكوفة: إني لأرى أبصاراً طامحة، وأعناقاً متطاولة، ورؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وغنى لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء تترقرق بين العمائم واللحى".

وذكر محمد أن الحجاج أنهى خطبته بأول أمر له في الكوفة بقوله إن أمير المؤمنين أمرني أن أعطيكم أعطياتكم، وأن أوجهكم لمحاربة العدو مع "المهلب بن أبي صفرة" وإني أقسم بالله ألا أجد رجلاً تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه.

فلما سمع أهل الكوفة هذه الخطبة تساقط الحصى من أيديهم حزناً ورعباً، وتحكّم حينئذ في رقابهم.

يقول محمد في كتابه إن الحجاج كان يخطب في الناس في صلاة الجمعة، ومن خطبه التي تدل على ذكائه ولباقته تلك الخطبة القصيرة التي ألقاها على الناس في مكة بعد مقتل عبد الله بن الزبير، فقد ارتجت مكة كلها بالبكاء، إذ خطب في الناس قائلاً "ألا إن عبد الله بن الزبير كان من أحبار هذه الأمة حتى رغب في الخلافة ونازع فيها، وخلع طاعة الله، واستكن بحرم الله، ولو كان شيء مانعاً للعصاة لمنع آدم حرمة الجنة، لأن الله تعالى خلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وأباحه جنته، فلما عصاه أخرجه منها بخطيئته، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير، والجنة أعظم حرمة من الكعبة".

التعليقات

المقال التالي