المرتزقة في ليبيا: تجارة بالمخدرات والأسلحة واختطاف رهائن وتعميق للانقسام

المرتزقة في ليبيا: تجارة بالمخدرات والأسلحة واختطاف رهائن وتعميق للانقسام

تتبادل القوى السياسية والعسكرية المتصارعة الاتهامات بشأن الاستعانة بمقاتلين مرتزقة في ليبيا التي أدماها نزاع مسلح مستمر منذ قرابة السبع سنوات. وتؤكد مصادر متعددة أن كافة أطراف الصراع متورطة بدرجة أو بأخرى في استقدام مرتزقة أطال حضورهم أمد النزاع وعمّقه.

وبين قوات الجنرال خليفة حفتر المسيطرة على الشرق الليبي وقوات المجلس الرئاسي "فجر ليبيا" المهيمنة على الغرب، والمناطق الجنوبية التي يتنازع عليها الطرفان، والجيوب التي تخضع لداعش في مدن بنغازي ودرنة وسرت، ترتسم خريطة انتشار المرتزقة الأجانب من مختلف الجنسيات.

وفيما يحرص كل طرف على التأكيد أن قواته عمادها أبناء الشعب الليبي وينفي الاستعانة بعناصر أجنبية، تؤكد الحقائق والوقائع عكس ذلك تماماً، لتتحول ليبيا إلى ملعب مفتوح لكل مغامر أتى شاهراً سلاحه مقابل حفنة من الدولارات.

المرتزقة وأضرارهم

طبقاً لـ"الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم"، يعرّف المرتزق بأنه مجند خصيصاً للقتال في نزاع مسلح ويكون دافعه تحقيق مغنم شخصي أو مكافأة مادية، ولا يكون من رعايا أطراف النزاع ولا من أفراد القوات المسلحة لطرف في الصراع.

وتسهم أنشطة المرتزقة بليبيا في تعميق الانقسام وإذكاء الصراعات بين القبائل، وزيادة الفوضى الأمنية من خلال عمليات النهب والتجارة بالمخدرات والأسلحة واختطاف الرهائن، ونهب حقول النفط وتوسيع عمليات الهجرة غير المشروعة.

من القذافي إلى الثورة

يعود تواجد المرتزقة في ليبيا إلى عهد القذافي الذي دعم حركات التمرد بأفريقيا، واستضاف قادة تلك الحركات ودعمهم بالمال والسلاح، وأقام لهم معسكرات تدريب بليبيا، واستعان بهم في مواجهة خصومه.

وأكد تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا والصادر في مارس 2012، استعانة قوات القذافي في مواجهة الثورة المسلحة التي أسقطت نظامه، بمقاتلين مرتزقة من النيجر ومالي وتشاد والسودان، وشركات أمن من جنوب إفريقيا ومواطنين من الدولة.

ويوضح الدكتور كامل عبد الله الخبير في الشؤون الليبية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية لرصيف22 أن فكرة الاستعانة بالمرتزقة في ليبيا تمثل تعاوناً قذراً تتورط فيه كافة أطراف الصراع.

ويرجع عبد الله إنكار أطراف الصراع استعانتها بالمرتزقة، إلى أن هذا النشاط القذر جريمة يعاقب عليها القانون الدولي.

كما يوضح أن ليبيا تحوّلت إلى ملعب مفتوح لكافة الأطراف الإقليمية والدولية. فعدا المرتزقة هناك قوات خاصة أمريكية وبريطانية وفرنسية وإيطالية تدعم أطراف الصراع في قتالها ضد التنظيمات المتطرفة وهو تعاون معلن.

مرتزقة حفتر

HAFTAR-مرتزقة-حفتر_AFP

رغم إنكار قوات حفتر المسماة "الجيش الوطني الليبي" استعانتها بمرتزقة، إلا أن تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة الصادر في مارس 2016، كشف أن حفتر هدد قبائل شرق ليبيا بأنه سيستعيض عنهم بمقاتلين أفارقة "مرتزقة" إذا لم يمتثلوا لطلبه بتقديم المزيد من المقاتلين.

وقال المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر لصحيفة "دو ديمانش" الفرنسية، إن قوات حفتر ليست جيشاً وتضم مرتزقة من السودان وتشاد.

وأوضح التقرير الأممي أن حركات التمرد بدارفور ومنها حركة العدل والمساواة وجيش تحرير السودان تقاتل بجانب قوات حفتر.

وأكد تقرير الأمم المتحدة عن السودان في يناير 2017، أن حركة العدل والمساواة وجيش تحرير السودان "فصيل ميني ميناوي" يقومان بأنشطة مرتزقة بليبيا ويرتكبان أعمالاً إجرامية كالنهب والاختطاف والإتجار بالبشر. وأوضح أن للحركتين "عدة مئات من المقاتلين" بليبيا منذ منتصف 2015، وكان نشاطهما في البداية يتمحور في مدينة الكفرة، جنوب شرق ليبيا. وخاضت عناصر "ميناوي" في سبتمبر 2015 مواجهة مع ميليشيا الزاوية تكبدت خلالها خسائر فادحة.

وأشار الخبراء الدوليون إلى أن الجماعات الدافورية تمركزت في منطقة الهلال النفطي لمساعدة قوات حفتر في السيطرة عليها، وما زالت هناك ومتورطة بأنشطة إجرامية.

واتهمت قيادات عسكرية وأمنية في حكومة الوفاق الوطني بطرابلس، حفتر باستجلاب سبعة آلاف مرتزق من السودان وتشاد للسيطرة على الموانئ النفطية، و500 مقاتل من قبائل الفرجان في مصر، ومرتزقة أفارقه والاستعانة بطيارين أجانب لقصف خصومه.

وزعمت تقارير إعلامية أجنبية أن حفتر استعان بطيارين مرتزقة معظمهم أمريكيون تابعون لإيريك برنس مؤسس شركة بلاك ووتر، لقصف خصومه.

وكشف أوليج كرينيتسين رئيس مجموعة آر. إس. بي الأمنية الروسية لرويترز أن عشرات المتعاقدين الأمنيين المسلحين الروس عملوا في مناطق تسيطر عليها قوات حفتر حتى فبراير 2017، في إطار ترتيب تجاري، وتم سحبهم بعد أداء مهمتهم في إزالة الألغام من منشأة صناعية قرب بنغازي.

أقوال جاهزة

شارك غردتحولت ليبيا إلى ملعب مفتوح لكل مغامر أتى شاهراً سلاحه مقابل حفنة من الدولارات...

شارك غردتعميق الانقسام بين القبائل، عمليات نهب وتجارة بالمخدرات والأسلحة واختطاف رهائن.. بعض أعمال المرتزقة في ليبيا

فجر ليبيا

Mercenary_AFP

أكد فريق الأمم المتحدة بليبيا (تقرير 2016)، أن مسئولين في طرابلس اتصلوا بجماعات مسلحة بدارفور لتعزيز صفوف فجر ليبيا، ولاحظ الفريق الأممي أن القاعدة الجوية في مصراتة تشغل 15 - 20 طائرة، ويتطلب تجديدها وقياداتها دعماً خارجياً، واتصل الفريق الدولي بطيار أمريكي يقود بعض تلك الطائرات، وتأكد أن مسلحي مصراتة استقدموا طيارين من إكوادور وأوكرانيا، ويتولى فريق إكوادوري صيانة تلك الطائرات.

وأشارت تقارير إعلامية أجنبية إلى تعاقد قوات فجر ليبيا عبر شركات أوكرانية في الأردن مع طيارين مرتزقة قادوا أسطولها الجوي، وقتل أحدهم في سرت في يونيو 2016 عندما تحطمت طائراته.

وكشف تقرير آخر أن رفض الطيارين الليبيين الجدد الانضمام لفجر ليبيا دفعها للاستعانة بطياريين مرتزقة، فيما دفع عجز فجر ليبيا المالي كثيراً من الطيارين والمهندسين المرتزقة لمغادرة ليبيا.

ويتوافق مع ذلك ما كشفته تقارير إعلامية عربية عن استعانة كتائب مصراتة في حربها ضد داعش، بخبراء عسكريين وضباط وقناصة من شرق أوروبا.

وهنلك تأكيدات على أن شركات الأمن البريطانية بغرب ليبيا لجأت إلى توظيف جنود مرتزقة لحماية المصالح النفطية. ويذهب البعض إلى أن بعض هذه الشركات توظف أطفالاً أفارقة مقابل 10 جنيهات إسترلينية يومياً.

كما اتهم أحمد قذاف الدم، ابن عم معمر القذافي وأحد رموز النظام السابق، قوات فجر ليبيا وكتائب مصراتة، بأنهم يستخدمون آلاف المرتزقة من إندونيسيا وماليزيا ونيجيريا ومالي وتشاد ومصر والجزائر وتونس بمقابل مادي.

وأكدت قوات حفتر أنها تواجه مرتزقة ماليين وجزائريين وتونسيين وأفغان وسوريين وأوروبيين، كما اتهم جيش حفتر سرايا الدفاع عن بنغازي بالاستعانة بمرتزقة من المعارضة التشادية والسودانية.

عصابات في الجنوب

انتشر المرتزقة السودانيون والمسلحون الأفارقة بين سبها وواحتي الكفرة وزلة، غير أنهم كثفوا تواجدهم في زلة بعد طردهم من الكفرة.

واعتبر التقرير الأممي لعام 2016 أن وجود مقاتلين أجانب بجنوب ليبيا، دلالة على البعد الإقليمي للصراع، مؤكداً تورط جماعات دارفورية مسلحة في أوباري والكفرة.

وأفادت تقارير إعلامية أجنبية بأن متمردي دارفور تتجاوز أعدادهم 850 مقاتلاً و112 مركبة مسلحة وأنهم قاموا بأنشطة إجرامية بجنوب ليبيا منها قطع الطريق البري الوحيد بين أجدابيا والكفرة ونهب ممتلكات المسافرين وخطف الرهائن، والمشاركة مع قبيلة التبو في معاركها ضد قبائل الزوري بالكفرة والطوارق بوباري وأولاد سليمان بسبها، ونهب مواقع حقول النفط بالكفرة وزلة ومناطق تعدين الذهب على حدود ليبيا مع تشاد والنيجر.

وأكد الجيش السوداني أن عصابات المتمردين التي تعبر الحدود الجنوبية الليبية، مرتزقة تجمع المال والسلاح، وتسرق ممتلكات الليبيين وتدخلها السودان لبيعها.

واتهمت سرايا الدفاع عن بنغازي قوات حفتر بإدخال عصابات المرتزقة في المناطق الصحرواية جنوب البلاد والاستعانة بهم في مواجهة قوات فجر ليبيا. كما اتهمت حكومة الوفاق حفتر بالاستعانة بآلاف المرتزقة المتمركزين في جنوب ليبيا وتحديداً في مناطق زلة ومرادة وسبها والواو، والهجوم على مدينة الجفرة وسط الصحراء الليبية بواسطة آلاف المرتزقة.

مرتزقة داعش

كل هذا يضاف إلى الدواعش الأجانب. وقد أكدت تقارير البنتاغون بداية عام 2016 أن عدد المقاتلين الأجانب المنضمين لداعش بليبيا بلغ 6000 مقاتل، وكشف الفريق الأممي أن الدواعش الأجانب يفدون إلى ليبيا عبر السودان وتونس وتركيا. ولكن التقديرات الحديثة تشير إلى تراجعهم بشكل حاد بعد الخسائر التي تعرضوا إليها وخسارتهم مناطق عدة أبرزها سرت.

تبادل الاتهامات

أكد صالح افحيمه، عضو مجلس النواب (برلمان طبرق) الموالي لقوات حفتر، لرصيف22، أن تيار الإسلام السياسي استغل الفراغ الأمني ورفض خسارته للانتخابات البرلمانية 2014 ورفض تسليم السلطة، واستغل تواجده في طرابلس وسيطر عليها بواسطة مليشيات مسلحة مدعومة من مقاتلين أجانب منضوين تحت تنظيمات متطرفة مثل القاعدة والجماعة الليبية المقاتلة.

وقال الناشط الحقوقي أنيس فتح الله المجالي، ومنسق حركة "لا للإرهاب لا للإخوان"، لرصيف22 إن قوات حفتر تعد الجيش الوطني الليبي والمؤسسة العسكرية الشرعية، ولا تضم سوى أبناء الشعب الليبي، نافياً استعانتها بمرتزقة من تشاد أو السودان.

في المقابل أكد المقاتل في غرفة عمليات لواء زواية المحجوب‏ بالمنطقة الغربية ياكوب ذكري (من فجر ليبيا) لرصيف22 أنه لا يوجد أي مقاتل أجنبي في ليبيا، سوى في صفوف داعش، مشدداً على عدم استعانة قوات فجر ليبيا بمرتزقة.

فيما أوضح العقيد المتقاعد المقرب من فجر ليبيا عادل عبد الكافي، أن هناك عصابات محاذية للحدود الليبية في تشاد أو السودان تآمرت مع حفتر، بالتنسيق مع بقايا نظام القذافي ودعم دول الجوار ومساندة المخابرات الفرنسية التي تعمل على خلخلة جنوب ليبيا وإثارة الفتن والصراعات بين القبائل هناك كالتبو والطوراق في إطار مخطط يسعى إلى تقسيم ليبيا.

وأكد أن هناك عصابات تشادية يتم شراؤها واستقطابها بالأموال من أجل تحقيق أهداف محددة داخل ليبيا.

من ناحية أخرى، نفى الأمين العام لحركة العدل والمساواة الجديدة السودانية حذيفة محيي الدين أية علاقة لعناصر حركته بالصراع الدائر في ليبيا، مؤكداً لرصيف22 أن الحرب هناك حرب داخلية، ليس للحركة أية علاقة بها، ومشدداً على أن ما ينشر عن مشاركة عناصر حركته إلى جانب بعض القوى الليبية المتصارعة مجرد شائعات كاذبة.

كلمات مفتاحية
ليبيا

التعليقات

المقال التالي